Click to enlarge
08/08/2019
الأحد الثامن بعد العنصرة الأب بطرس ميشيل جنحو
فصل شريف من بشارة القديس متَّى (متى 14: 14–22) في ذلك الزمان أبصر يسوع جمعًا كثيرًا فتحنَّن عليهم وأَبرأَ مرضاهم * ولَّما كان المساء دنا اليهِ تلاميذُهُ وقالوا انَّ المكانَ قُفْرٌ والساعةُ قد فاتَتَ فاصْرِفِ الجموعَ ليذهبوا الى القرى ويبتاعوا لهم طعامًا * فقال لهم يسوع لا حاجةً لهم الى الذهابِ أعطوهُم انتم ليأكلوا * فقالوا لهُ ما عندنا ههنا الاَّ خمسةُ أرغفةٍ وسمكتانِ * فقال لهم هلمَّ بها اليَّ الى ههنا * وامر بجلوسِ الجموع على العشب. ثمَّ اخذ الخمسَةَ الأَرْغِفَةِ والسمكتـَيْنِ ونظر الى السماء وبارك وكسر واعطى الأَرْغِفَةِ لتلاميذهِ والتلاميذُ للجموع * فاُكلوا جميعُهم وشبعوا ورفعوا ما فَضُلَ من الكِسَرِ اثنَتي عَشْرَةَ قُفَّة مملوءةً * وكان الآكِـلونَ خمسَةَ آلافِ رجلٍ سوى النساء والصِبيان * وللوقتِ اضْطَرَّ يسوعُ تلاميذهُ ان يدخلوا السفيَنةَ ويسبقِوهُ الى العَبْرِ حتى يصرِفَ الجموع. بسم الآب والأبن والروح القدس الإله الواحد أمين. في الإنجيل المقدس الذي تُلي على مسامعنا هذا اليوم ينقذ تلاميذه من الشدَّة التي تعرَّضوا لها عندما كانوا في السفينة وكانت الأمواج تكدَّها، لأن الريح كانت مضادَّة لها. وعندما شعر تلاميذه بخطر غرقها خافوا وصرخوا، فللوقت كلَّمهم يسوع: "أنا هو ثقوا لا تخافوا". فسكنت الريح ونجوا من الغرق. هذه الحادثة تظهر محبة الله للإنسان، لأن الربَّ يسوع هو خالق الكون والبحار والسفينة والتلاميذ، لذلك أنقذهم من هذا الخطر المحدق بهم، ليظهر أنه القادر على كل شيء وهو الذي تنازل ليخلّص الجنس البشريّ من الهلاك الجسدي والروحيّ. لقد حدثت هذه المعجزة مباشرةً بعد مقتل القدّيس يوحنا المعمدان، لأننا نقرأ في الإصحاح نفسه أنَّ تلاميذ يوحنّا أتوا واخبروا يسوع بذلك ومن ثمَّ تبعوه. أما موقف يسوع من النبأ فكان بأن توارى عن الأنظار. فما كان من الشعب إلا أن تبعه في القفر أي في الصحراء كما لو كانوا يرددون مع الرسول بطرس "أين نذهب يا ربّ وكلام الحياة عندك؟". لم يخف الناس من ما حدث ليوحنّا بل كان همّهم أن يروا يسوع ويسمعوه. فكان لهم ما أرادوا، والرّب يسوع تحنن عليهم وشفى مرضاهم أيضًا. ومع الرّب يمضي الوقت والناس مشدودين باصغاءٍ إلى كلام الحياة النابع منه. فما كان من التلاميذ إلا أن أخطروا يسوع طالبين منه أن يصرف الجموع ليبتاعوا طعامًا. ولما صار المساء أي عندما ستغيب الشمس، ويختفي النور، يُصبح الإنسان بحاجة لمأوى وقوت ودفء وأمان وراحة وطمأنينة، وهذا كلّه لا يمكن أن يحصل خارج الربّ يسوع المسيح ونعمه وعطاياه لنا. "تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ الْمُتْعَبِينَ وَالثَّقِيلِي الأَحْمَالِ، وَأَنَا أُرِيحُكُمْ" (متى ٢٨:١١). أما السيّد الذي اهتمّ بالأمر وقام بالمعجزة فقد كان يريد من التلاميذ أن يرتفعوا إلى ما فوق المادة إلى الطعام الرّوحي. ولكنه مع ذلك أجابهم على أساس طلبهم قائلاً "أعطوهم أنتم ليأكلوا". ولم يشأ المسيح أن يُصرفهم كما كانوا أو يؤخرهم أكثر بلا طعام أو يكبدهم شراء طعام لإنفسهم .بل أمر تلاميذه ليقدّموا إليهم طعاما. أخذ يسوع الخبز والسمكتين وبارك وشكر الله الآب .هكذا يجب أن يعمل كلُّ الانسان قبل تناول الطعام أن يصلّي، أن يطلب بركة الله ،وبعد الأكل أن يشكرَه على نعمه .ليس من العدل أن نتنعم بخيرات الله دون ان نَشكرَه. قول متى "فأمر الجموع أن يتكئوا على العشب" معلما بذلك الزهد للجموع, لأنه لم يكن يريد أن يغذي أجسادهم وحدها لكن وأن يؤدب النفس. وقوله "ثم أخذ الأرغفة الخمسة والسمكتين"، إذ أخذ منهم الخبزات والسمكتين لتكون شهودا على ما يحدث وتذكيرا لهم بالمعجزة. أنَّ ذلك الجمع الغفير إغتذى بحضور يسوع ، علينا أن نستحضرَ الله الموجود في كلِّ مكانٍ ،كي لا نجعلَ اللذة والتنعم غاية طعامنا. بل نتغذي لحفظ الحياة بنعمة الله. فلنستحضر الله في طعامنا وشرابنا كي لا نستسلم إلى الشراهة. وعلينا ان نخصّص المُعوزين والفقراء بشيء من طعامنا لأن يسوع قد أمر التلاميذ أن يجمعوا الكِسَر التي فَضُلت. هكذا يجب علينا أن نطعم من فضلات موائدنا الفقراء والمساكين. كان القدّيس يوحنا ذهبيّ الفم يغذّي على مائدته كل يوم عدداً كبيراً من الفقراء وكان هو نفسه يخدمهم وكثيرا ما كان يمتنع عن تناول طعامه قبل إطعام الفقراء الذين كان العالم ينبذهم. وهو لم يتحنّن عليهم فقط بل أغاثهم وشفاهم، فقد كان الكثيرون منهم مرضى وهو في رحمته وشفقته شفاهم. فتحنّن عليهم وشفى مرضاهم، لأنّه أتى إلى العالم كي يكون الشّافي الأعظم وبعد قليل كان الجميع جائعين وهو في تحننه أشبعهم. من خلال هذه الأعجوبة كشف یسوع للجمیع، للناس وللتلامیذ على حد سواء أنه ھو إله العهدين: القدیم والجدید. هو في القدیم من اقتاد الشعب العبراني في البریة وأعانهم وأطعمهم طوال أربعین سنة في البریة، وهو في الجدید الخبز النازل من السماء الذي یأكل منه الإنسان فلا یموت. هو نفسه واقف معهم هنا رافعاً رأسه وناظرا إلى السماء دلالة على التناغم والتناسق والوحدة بينه والآب. أيُّها الأحبّاء: تصدقوا من فضلاتكم ولا تكونوا كالغنّي الذي كان يمنع عن لعازر المسكين الفُتات الساقط من مائدته. الفقراء يتصدقون على الفقراء أيضًا. فكروا أيُّها الأحبّاء أنكم ستتركون كلَّ شيءٍ زائل. إنَّ هذه الحياة ستعقبها حياة اخرى. لا تعزية للإنسان المبتعد عن الله. فمن لا يتكل على عناية الله، وتراكمت عليه المصائب والمشاكل ولم يجد له منها مخرجا يخفق. لكن يا أحبّاء، يجب علينا أنْ لا نجعل من إتكالنا على العناية الإلهيّة ان نستسلم إلى الكسل والخمول. بل يجب أن نعمل مع العناية الإلهيّة كما قال الرسول الإلهيّ بولس انَّا نحن عاملون مع الله. أنَّ كلاّ يأخذ إجرته على قدر تعبه. فهذا ما يَحملنا على أن نعملَ ونساعدَ الله في ما يريده منا. وهو الذي أشبع من الخمسة الأرغفة والسمكتين شعباً غفيراً. هو يساعدنا ويقوينا ومنه وحده نتوقع النجاح في حياتنا والشفاء منأ والتوفيق في أعمالنا والسلام والمحبّة والإتفاق في بلادنا، لا من مساعينا وجهودنا بل من جودته وعنايته الإلهيّة التي تدبر كلَّ شيءِ بحكمتها. السفينة ترمز إلى الكنيسة المقدسة، والربّ يسوع هو الربَّان. هو رأس الكنيسة وقائدها. فالكنيسة اليوم تتعرض لأمواج عاتية تكدها من كل جانب. وهذه الأمواج تنبع من التعاليم الملتوية التي تنفثها البدع والشيع سموماً قاتلة لأبنائنا المؤمنين. فهل نخاف؟ الرب يبدِّد خوفناً قائلاً: لا تخافوا! لأنه في وسطها ولن تتزعزع. وهذا يفرض علينا أن نكون ثابتين في إيماننا وغير مشككين، وحينئذ نتمكن من السير على المياه بقوّة الربّ وإذا شككنا نتعرض للغرق كما حدث مع الرسول بطرس. ما نتعلّمه، اليوم، هو أنَّ الرّبّ يسوع لا يترك، ولا يهمل، الآتين من فيض الحبّ الإلهي، وبخاصةٍ الذين يطلبون ملكوت الله وبرّه. هو يعتني بأخصائه ولا يدع أحدًا يهلك منهم. فلنصرخ دائمًا قائلين مع النبي القائل: "الرّب يرعاني فلا شيء يعوزني... حتى ولو مشيت في وادي ظلّ الموت فلست أخشى شرًّا لأنك أنت معي، عصاك وعكازك هما يعزيانني". آمين.