Click to enlarge
05/08/2019
مثل الغني الغبي وموقف يسوع من الطمع الأب د. لويس حزبون
يتناول لوقا الإنجيلي مثل الغني الغبي (لوقا 12: 13-21) مبيّنا موقف يسوع المسيح من خيرات الدنيا بنظرةٍ جديدةٍ، حيث يعطي الحل للغنى والخيرات في عالم فيه للناس مذاهب وآراء في الغنى. ويحذرًنا يسوع من أخطر عدو يمكن أن يصيب المؤمن ألا وهو الطمع الذي يُهدِّد الجميع فأنه " يُجَفَفُ النَّفْس" (يشوع بن سيراخ 14: 9) ويُنجِّسها (متى 7: 23)؛ ومن هنا تكمن أهمية البحث في وقائع النص الإنجيلي وتطبيقاته. اولا: وقائع النص الإنجيلي (لوقا 12: 13-21) 13 فقالَ لَه رجُلٌ مِنَ الجَمْع: يا مُعَلِّم، مُرْ أَخي بِأَن يُقاسِمَني الميراث تشير عبارة "رجُلٌ مِنَ الجَمْع" الى رجل وليس تلميذ، وهو أحد الحاضرين المستمعين لخطاب يسوع لكنه من المهتمين بأمورهم الخاصة، إذ يتقدم بطلب ينطوي على الطمع كما يُشير الحوار " تَبصَّروا واحذَروا كُلَّ طَمَع، لأَنَّ حَياةَ المَرءِ، وإِنِ اغْتَنى، لا تَأتيه مِن أًموالهِ" (لوقا 12: 15). ويردُّ يسوع على هذا الرجل، مخاطباً الجموع والتلاميذ معا؛ أمَّا عبارة " الجمع " فتشير الى الرسل والجموع التي تتابع خطاب يسوع؛ أمَّا عبارة " يا مُعَلِّم، مُرْ أَخي بِأَن يُقاسِمَني الميراث" فتشير الى شريعة موسى حيث كان رجال الدين وعلماء الشريعة يحتكمون في مواضيع الوراثة، لان قسمة الميراث في حق البكرية بُنيت في شريعة موسى (تثنية الاشتراع 21: 17). وقوانين الميراث واضحة في الشريعة: البكر له ضعف نصيب إخوته وكل الإخوة متساوين. ونلاحظ أن المشكلة هي مشكلة طمع، فإما الأخ الأكبر طماع وأخذ كل الميراث، أو أن يكون الشاكي وهو الأصغر، وأنه غير راضي عن أن يكون نصيبه نصف أخيه البكر ويريد أن يقتسمه مع الأكبر. فالرجل أراد استغلال يسوع لمنفعته الخاصّة في فصل الدعوة بينه وبين اخيه. 14 فقالَ لهَ: يا رَجُل، مَن أَقامَني علَيكُم قاضِياً أَو قَسَّاماً؟ تشير عبارة" يا رَجُل" باللغة اليونانية" Ἄνθρωπε (معناها "يا إنسان") الى صيغة قاسية من مخاطبة يسوع لهذا الرجل موجّها له اللوم بسبب طمعه؛ أمَّا عبارة " مَن أَقامَني علَيكُم قاضِياً أَو قَسَّاماً؟ " فتشير الى سؤال استفهامي معناه انه لم يقمه أحد قاضيا لا إنسان ولا الله. لذلك رفض يسوع ان يتولَّى مُهِمّة في شؤون الحياة المدنية، إذ لم يكلفه الله في معالجة أمور الوراثة. إنه لم يُرسل ليفضّ الخلافات المتعلقة بالميراث (خروج 2: 14)، بالرغم من أنّ يسوع أكّد انَّ له كل سلطان "إِنِّي أُوليتُ كُلَّ سُلطانٍ في السَّماءِ والأَرض" (متى 28: 18). وقال "الاب جعل الدينونة كلها للابن"(يوحنا 5: 22)، انه ملك، ولكن مملكته ليست من هذا العالم (يوحنا 18: 36). انه قاضٍ وديّان، ولكنه لم يُرسل ليقضي في أمور الميراث. وهكذا يُميّز يسوع نفسه عن موسى النبي الذي اقام نفسه "رَئيساً وحاكِماً او قاضيا" (خروج 2: 14)، حيث ان يسوع أناط مواضيع الإرث بالنظم والمحاكم المختصَّة. فالمسيحية لم تُشرِّع أي قانون للميراث. وقد تطرَّق المجمع الفاتيكاني الثاني الى مبدأ استقلالية النظم الدنيوية عن الدينية " لا ترتبط الكنيسة باي نظام سياسي" (فرح ورجاء43، 76). لذلك لا يجوز تسخير الانجيل في خدمة ضمانات دنيوية او ان يُوظِّف البشر الله والانجيل والكنيسة لخدمة رأيهم ومصالحهم. فلا يجوز ان نتنازع مع الإخوة، بل بالحري نرحب بهم حتى وإن أرادوا استغلالنا، إذ يقول: "ومَنِ اغتَصَبَ مالَكَ فلا تُطالِبْهُ به" (لوقا 6: 30). فالمسيح أتى ليجعلنا ان نرث السماء. من هنا تلد الأخوّة الحقيقية التي لا تكتفي بالعدالة في تقسيم الخيرات بالتساوي كما كان يأمل الرجل الذي التجأ إلى يسوع، بل التي تجعل من الهبة المجانية طريقاً إلى الحياة الأبدية التي هي من نصيب جميع الناس. 15 ثُمّ قالَ لَهم: تَبصَّروا واحذَروا كُلَّ طَمَع، لأَنَّ حَياةَ المَرءِ، وإِنِ اغْتَنى، لا تَأتيه مِن أًموالهِ. تشير عبارة "تَبصَّروا واحذَروا كُلَّ طَمَع" الى القناعة وتجنُّب الطمع في تطبيق مواضيع الإرث، لان الطمع ليس بنافعٍ، كما يقول المثل العربي "الطمع ضرّ وما نفع"، حيث ان حياة الإنسان لا تقوم على ممتلكاته. فإن المشكلة بين الأخوين لن تُحل بتقسيم متساوٍ للميراث، بل حين يتحرر قلباهما من الرغبة الدائمة في التملّك، علاقتهما ستبقى مهددة دائما ًبشهوة الطمع التي لا يمكن اشباعها. أمَّا عبارة "طَمَع" في الأصل اليوناني πλεονεξίας (معناها الحصول على الأكثر) فتشير الى الرغبة الشديدة في الخير الزمني، بل في فيض الخيرات (لوقا 9: 17؛)، فالطمع يدلّ على من يملك أكثر من الآخرين، يملك أكثر من الضروري، ويملك ما يفيض عنه. وهي تعني في الكتاب المقدس عطش في التملك لا يقف عند حد دون الالتفات الى الآخرين، بل أحياناً على حسابهم. وهو دليل الرغبة الفاسدة. وهي مخالفة للوصية العاشرة (خروج 20: 17). ويصف بولس الرسول الطمع "عِبادَةُ الأَوْثان" (قولسي 3: 5)؛ ويُعلق القديس أمبروسيوس "باطل هو تكريس الأموال إن كان الإنسان لا يعرف كيف يستخدمها". والطمع هو الشعور الدائم بعدم الاكتفاء وبل هو النهم للأرضيات والماديات، والانشغال بالماديات عن الروحيات، وعدم الاهتمام بأن يكون للشخص كنز سماوي.أن الطماع ينسى انتمائه للسماء ويظن أنه سيعيش للأبد على الأرض. أمَّا عبارة "لأَنَّ حَياةَ المَرءِ، وإِنِ اغْتَنى، لا تَأتيه مِن أًموالهِ" فتشير الى المال الذي هو ليس مصدر الحياة، فلا علاقة للحياة الصالحة بالمال والثروة، والحياة غير مشروطة بما يملك الانسان. فالحياة الصالحة تقوم على علاقة مع الله وعمل إرادته تعالى؛ ويُعلق القديس كيرلس الكبير "إن الطمع لا ينفع شيئًا لأن حياة الإنسان لا تقوم على ممتلكاته". يمكن للإنسان أن يحصل بالمال على كل شيء، لكن لا يعني ذلك أنه سيحصل على الحياة. 16 ثُمَّ ضَرَبَ لَهم مَثَلاً قال: رَجُلٌ غَنِيٌّ أَخصَبَت أَرضُه، تشير عبارة "مثل" الى أسلوب التعليم الذي أكمله المسيح وأعطاه وضعه في الإبداع؛ والمثل واقعي ولد بشكل قصة. وهو منطبق على الحياة وليس غريبًا عنها وان يكن أن هذا الحدث لم يقع بالفعل. وإن أكثر الأمثال التي ذكرها يسوع المسيح موجودة في إنجيل لوقا حيث يذكر منها ثمانية وعشرين مثلا. أمَّا عبارة " رَجُلٌ غَنِيٌّ أَخصَبَت أَرضُه" فتشير الى اقتباس يسوع من سفر يشوع بن سيراخ " ربَّ إِنْسانٍ اْغتَنى بِاْهتِمامِه واْقتِصادِه وهذه هي أجرُته: حينَ يَقول: قد بَلَغتُ الرَّاحة وسآكُلُ الآنَ مِن خَيراتي. وهو لا يَعلَمُ كم يَمْضي مِنَ الزَّمان حتَّى يَترُكَ ذلِكَ لِغَيرِه وَيموت" (يشوع بن سيراخ 18:11-19). ولكن يسوع يعطي الحل للغنى والخيرات. 17 فقالَ في نَفسِه: ماذا أَعمَل؟ فلَيسَ لي ما أَخزُنُ فيه غِلالي. تشير عبارة " فقالَ في نَفسِه " الى الأشخاص الذين يعبِّرون عن فكرهم بكلام يُحدِّث فيه صاحبه نفسه، كما هو واضح في أمثال لوقا (لوقا 15: 17-19؛ 16: 3؛ 18: 4؛ 10: 13). اما عبارة " ماذا أَعمَل؟" فتشير الى سؤال الرجل الغني الذي يتصف بالمهارة والدهاء. 18 ثُمَّ قال: أَعمَلُ هذا: أَهدِمُ أَهرائي وأَبْني أَكبرَ مِنها، فأَخزُنُ فيها جَميعَ قَمْحي وأَرْزاقي. تشير عبارة "أَهرائي" الى مفرد الهُرْيُ: وهو بيت ٌ كبيرٌ ضخمٌ يُجمَعُ فيه القمح وغيره من الاغلال. أمَّا عبارة "أَهدِمُ أَهرائي وأَبْني أَكبرَ مِنها، فأَخزُنُ فيها جَميعَ قَمْحي وأَرْزاقي " فتشير الى تخطيط الرجل الغني للتمتع بثروته لسنين عديدة قادمة طلبا للأمان والتأمين. إنه يقضي الغنيّ حياته جاهدًا من أجل ضمان عيش كريم. 19 وأَقولُ لِنَفْسي: يا نَفْسِ، لَكِ أَرزاقٌ وافِرَة تَكفيكِ مَؤُونَةَ سِنينَ كَثيرة، فَاستَريحي وكُلي واشرَبي وتَنَعَّمي. تشير عبارة "أَقولُ " الى الضمير المفرد "الياء المتكلم " مما يرسم بجلاء نوع شخصية الرجل الغني المتكلم الذي جعل نفسه مركزا لعالمه الصغير، حيث فكر كثيرا في نفسه، لكنه نسي الكثير خارج نفسه، نسى معنى الحياة، وأعتنى بحياته المادية، وأغفل حياته الروحية، أمَّا عبارة " لِنَفْسي " فتشير الى الشخص (التكوين 12: 5)، أمَّا عبارة "سِنينَ كَثيرة" فتشير الى اعتقاد الرجل الغني أنَّه سيعيش سنوات كثيرة ينعم فيها بالراحة والسعادة الماديَّة بفضل ماله الوافر الذي شدَّدَ قلبه ونزع عن ذهنه فكرة الموت. وهكذا ارتبط الرجل الغني بالأرضيات على حساب السماويات، لكن يسوع يذكِّر "ماذا يَنفَعُ الإِنسانَ لو رَبِحَ العالَمَ كُلَّه، وفَقَدَ نَفْسَه أَو خَسِرَها؟" (لوقا 9: 25). الرجل الغني يعدّ خيراته وأرزاقه بينما الحكيم يحصي أيامه، أي أنه يُدرك بأنها محدودة وأن الدنيا باطلة كما جاء في اقوال الرجل الحكيم "علِّمنا كَيفَ نَعُدُّ أَيَّامَنا فنَنفُذَ إلى قَلبِ الحِكمَة" (مزمور 90: 12). كل من يعدّ خيراته وليس أيامه هو غبي كالرجل الغني. اما عبارة "، فَاستَريحي وكُلي واشرَبي وتَنَعَّمي" فتشير الى قرار الرجل الغني الذي يحتفظ لنفسه بأنانية بكُلِّ خيرات أرضه، ليتمتَّع وحدَه بالراحة وملذَّاتِ الحياة، ولم يلقِ نظرةً إلى من يسكن حوله من محتاجين وفقراء. 20 قالَ لَه الله: يا غَبِيّ، في هذِهِ اللَّيلَةِ تُستَرَدُّ نَفْسُكَ مِنكَ، فلِمَن يكونُ ما أَعدَدتَه؟ عبارة "غَبِيّ" في الأصل اليوناني Ἄφρων (معناها بلا رأس أي أحمق، لامبالي) تشير الى الجهل ونقصان الحكمة، حيث ان الجاهل هو الذي ينكر وجود الله كما يؤكده صاحب المزامير "قالَ الجاهِلُ في قَلبه: لَيسَ إِله" (مزمور 14: 1)، وهو الذي ينكر الله عمليا، ويجعل اتكاله على المال لا على الله، ولم يميّز الخيرات الحقيقية، بل يحكم على الأمور حسب ظاهرها؛ ولا يفطن إلى أنَّ المال، مهما كان وافراً، لا يشفع فيه ولا ينقذه من الموت الذي يأتيه في ساعةٍ لا يتوقَّعُها. ولذلك وصفه الله بأنَّه إنسان غبيّ. أمَّا عبارة "في هذِهِ اللَّيلَةِ تُستَرَدُّ نَفْسُكَ مِنكَ " فتشير الى مناداة الله لهذا الرجل الغني الغبي حيث يطلب روحه ليعطي حسابا عن نفسه، ويُعلِّق الأب غريغوريوس الكبير "تُطلب النفس بالليل، هذه التي سلكت في ظلمة قلبها، إذ لم ترد أن تسلك في نور التأمَّل". أمَّا عبارة " تُستَرَدُّ " فتشير الى عادة العالم اليهودي التي تقوم بتحاشي ذكر اسم الله، والمعنى ان الله سيستردّ نفس الغني، حيث انه سيّد الحياة والموت (1 صموئيل 2: 6)؛ فعلينا أن نعمل بجد ولكن لا ننسى أننا هنا غرباء، قد نترك العالم في أي لحظة. أمَّا عبارة "نَفْسُكَ " فتشير الى حياة الفرد. أمَّا عبارة "فلِمَن يكونُ ما أَعدَدتَه؟" فتشير الى سؤال حكيم وساخر يُعبِّر عن غباء مَن يتكل على جَمْع الخيرات والثروات لـتامين مستقبله لأنه يترك كل شيء على الأرض بعد الموت، كما يُعلق على ذلك القديس يوحنا الذهبي الفم "إنك تترك كل الأشياء هنا، وتخرج صفر اليدين "؛ وفي هذا الصدد قال سفر الجامعة "إنْسانٌ رَزَقَه اللهُ غِنىً وأَمْوالاً ومَجدًا فلَم يَكُنْ لِنَفسِه عَوَز مِن كُلِّ ما يَشتَهي لكِنَّ اللهَ لم يَدَعْه يأكُلُ مِن ذلِك وإِنَّما يأكُلُه غَريب. هذا باطِلٌ وداءٌ خَبيث" (الجامعة 2:6). إن كل ما يتوقعه الإنسان ويثق يلبي أقل بكثير ما يعد به: إنها كلها أباطيل لا تثبت مثل الدخان أو البخار. وهكذا أبرز يسوع مفهوم المقولة التي وردت في كتاب الجامعة " باطلُ الأَباطيل كل شيَءٍ باطِل" (الجامعة 1: 1). الله يتألم هنا لان الغني لم يستفد من كلّ الخير الذي أعطاه إياه. تشير عبارة "مصيرُ مَن يَكنِزُ لِنَفْسِهِ " الى أسلوب صرف المال بغباوة، حيث يستخدمه الغبي بأنانية لذاته ويصبح عبدا للمال، وذلك عكس العاقل الحكيم الذي يُسخّر ماله لله، فيكون كنزه في السماء مُتبعاً إرشادات يسوع المسيح "بيعوا أَموالَكم وتَصَدَّقوا بِها واجعَلوا لَكُم أَكْياساً لا تَبْلى، وكَنزاً في السَّمواتِ لا يَنفَد، حَيثُ لا سارِقٌ يَدنو ولا سوسٌ يُفسِد"(لوقا 12: 33)، أمَّا عبارة "لا يَغتَني عِندَ الله" فتشير الى ذاك المرء الذي يكون غناه موجّه لراحته الشخصيًة وليس لمجد الله. أي إنَّه كان غنيَّاً بمال الأرض، ولكنَّه لم يكن غنيَّاً بأعمال البِرِّ والإحسان التي تؤمِّن له السعادة الأبديَّة. أمَّا عبارة "عند لله" في الأصل اليوناني " εἰς θεὸν "(معناها فعل حركة انتقال نحو الله) فتشير الى اتجاه الله وليس لأجل الله؛ وبذلك يوحي بفكرة هامة: لا يقدم الإنسان خيرات وتقدمات لله، بل يستعملها في اتجاهه أي للفقراء والمعوزين، وهو في طريقه إليه. ويُعلق القديس كيرلس السكندري "حقًا أن حياة الإنسان لا تقوم على ممتلكاته خلال ما لديه من فيض، إنما يُحسب مطّوبًا وذا رجاء مجيد من كان غنيًا بالله". غنى الانسان الحقيقي هو يعمل لمجد الله، في سبيل الله " أو " في نظر الله، وليس لراحته هو شخصيًا. إن الغباء تقوم في الاكتناز للذات لا الاغتناء بالله. يعلم يسوع كيف يدخل الإنسان في المنطق الجديد للملكوت. ثانياً: تطبيق النص الإنجيلي (لوقا 12: 13-21) انطلاقا من الملاحظات الوجيزة حول وقائع النص الإنجيلي (لوقا 12: 13-21)، نستنتج انه يتمحور حول الطمع في المال وموقف يسوع منه. وهنا نسأل ما مدى خطورة الطمع في المال؟ وما موقف يسوع تجاهه؟ وما العبرة التي نتخذها من هذا المثل؟ 1) ما هي خطورة الطمع في المال؟ تكمن خطورة الطمع في المال إنَّه يُنسى الانسان حقائق الحياة الاساسية: الله والناس والابدية. أ‌) الطمع في المال الذي يُنسى الله وصف الله الغني بانه غبي، والغبي في مفهوم الكتاب المقدس هو الجاهل، وكلمة جاهل في الكتاب المقدس تعني من ينكر الله كما يقول صاحب المزامير "قالَ الجاهِلُ في قَلبه: لَيسَ إِله " (مزمور 14: 13). فالجاهل هو الذي يحذف الله من حياته ولا يحسب له حساباً. وعكس الجاهل هو العاقل الذي يلتمس الله كما يصرّح صاحب المزامير " أَطَلَّ اللهُ مِنَ السَّماءَ على بَني آدَم لِيَرى هل مِن عاقِل يَلتَمِسُ الله" (مزمور 53: 3). يظنُّ الإنسان الجاهل ان خيراته تُغنيه عن الله. فيجعل نفسه مركزاً لعالمه الصغير، كما هو حال الغني في المثل الذي ضربه يسوع. عُني الغني بحياته المادية وأغفل حياته الروحية، واستغْنى عن الله. فكَّر كثيرا في نفسه، إذ قال "أَعمَلُ هذا: أَهدِمُ أَهرائي وأَبْني أَكبرَ مِنها، فأَخزُنُ فيها جَميعَ قَمْحي وأَرْزاقي. (لوقا 12: 17)، لكنه نسي الكثير خارج نفسه، نسى الله. فكَّر في حياة الجسد ونسي حياة الروح فقال " يا نَفْسِ، فَاستَريحي وكُلي واشرَبي وتَنَعَّمي" (لوقا 12: 19). وضع الأكل والشرب والجسد في المرتبة الأولى على حساب الروح. والأخطر من ذلك نسب الغنى لنفسه لا لله، وذلك ظاهر بإكثاره من الضمير المفرد المتكلم "غِلالي وهرائي وقَمْحي وأَرْزاقي"(لوقا 12: 17). ولم يدرك هذا الغني أن الله هو سّر حياة النفس البشريَّة، من يقتنيه في داخله يقتنى الحياة على مستوى أبدي، بل حسبَ أن حياته تقّيم بمقدار غناه، ويعلّق القديس اكليمنضوس الإسكندري بقوله "لا تقوم حياة الإنسان على فيض ما يملكه من الأشياء". فليس الانسان بما لديه، بل بما هو عليه. وصف يسوع ذاك الغني انه طماع "إِنَّهُ لم يغتنِ عندَ الله " (لوقا 12: 21)، لأنه استسلم إلى الأنانيَّة المفرِطة. واحتفظ لنفسه بكُلِّ خيرات أرضه، ليتمتَّع وحدَه بالراحة وملذَّاتِ الحياة، ونسى الله حيث انتصب المال سيداً له بلا رحمة، وأنساه الامر الجوهري ألا وهو سيادة الله عليه (لوقا 12: 15-21). وفي هذا الصدد يقول يسوع للفِرِّيسِيُّينَ، وهُم مُحِبُّونَ لِلمال " إِمَّا أَن يُبغِضَ أَحَدَهُما ويُحِبَّ الآخَر، وإِمَّا أَن يَلَزمَ أَحَدَهما ويَزدَرِيَ الآخَر. فأَنتُم لا تَستَطيعونَ أَن تَعمَلوا لِله ولِلمال "(لوقا 16: 13-15). وهنا يصدق المثل القائل " حُبَّ المالِ أَصْلُ كُلِّ شَرّ" (1 طيموتاوس 6: 10)، إذ يبلغ حب المال في عمقه حد الفاجعة عندما يختار الانسان لنفسه الهاً كاذبا، فينفصل عن الاله الواحد الحقيقي، فيتعرض لمصير الهلاك "أمَّا الَّذينَ يَطلُبونَ الغِنى فإِنَّهم يَقَعونَ في التَّجرِبَةِ والفَخِّ وفي كَثيرٍ مِنَ الشَّهَواتِ العَمِيَّةِ المَشؤُومَةِ الَّتي تُغرِقُ النَّاسَ في الدَّمارِ والهَلاك" (1طيموتاوس 6: 9)، كما حدث مع يهوذا الإسخريوطي الطَّماع الغادر (يوحنا 12: 6)، ابن الهلاك (يوحنا 17: 12). " فماذا يَنفَعُ الإِنسانَ لو رَبِحَ العالَمَ كُلَّه وخَسِرَ نَفْسَه؟ (مرقس 8: 36). الطمع يؤدي الى الهلاك، لأنه يخنق عند الغني كلمة الله كما جاء في انجيل متى "يكونُ له مِن هَمِّ الحَياةِ الدُّنيا وفِتنَةِ الغِنى ما يَخنُقُ الكَلِمة فلا تُخرِجُ ثَمَراً" (متى 13: 22)، ويُعطل الطمع أيضا السير في طريق الكمال أحسن القلوب استعدادا كما حدث مع الشاب الغني الذي دعاه يسوع لإتباعه " فَلَمَّا سَمِعَ الشَّابُّ هذا الكلام، اِنصَرَفَ حزيناً لأَنَّه كانَ ذا مالٍ كثير"(متى 19: 21-22). ويجعل الطمع اتباعه في عداد الوثنيين كما يصرّح بولس الرسول "أَسلَمَهُمُ اللهُ بِشَهَواتِ قُلوبِهم إِلى الدَّعارَة يَشينونَ بِها أَجسادَهم في أَنفُسِهم"(رومة 1: 24)، إذ ينقاد الطَّماع وراء تيار هذا العالم (طيطس 2: 12) فيقع في براثن الشر، لذا يوصي بولس الرسول "أَميتوا إِذًا أَعضاءَكمُ الَّتي في الأَرض بما فيها مِن زِنًى وفَحْشاءَ وهَوىً وشَهوةٍ فاسِدَةٍ وطَمَعٍ وهو عِبادَةُ الأَوْثان" (كولسي 3: 5). فالرب يسوع تكلّم هُنا مُحذراً إيانا حتى لا نُضيّع حياتنا في الركض وراء الأرضيات الفانية وننسى في بحثنا عن الله فنخسر بذلك علاقتنا الابدية معه. فنستنتج مما سبق ان المال بمفهوم السيد المسيح هو خصم لمن يريد ان يخدم الله ويغتني به، لأنه يجعل من يخدمه خائنا كما ورد في مثل الوكيل الخائن (لوقا 16: 9)؛ ويُعلق بولس الرسول ان حب المال هو عبادة اوثان بقوله " فاعلَموا أَنَّه لَيسَ لِلزَّاني ولا لِمُرتَكِبِ الفَحْشاءِ ولا لِلجَشعِ (الَّذي هو عابِدُ أَوثان) مِيراثٌ في مَلكوتِ المسيحِ واللّه." (أفسس 5:5). لذا يصرّح يسوع فان التخلي عن المال ضروري لمن يريد ان يتبع يسوع (متى 19: 21). "وهكذا كُلُّ واحدٍ مِنكم لا يَتَخَلَّى عن جَميعِ أَموالِه لا يَستَطيعُ أَن يكونَ لي تِلْميذاً" (لوقا 14: 33). ب‌) الطمع في المال الذي يُنسي الآخرين ينسب الغني الخير لنفسه ولا يذكر أن الله أعطاه الكثير ليعطي من ليس لهم. نسي وجود الآخرين كما قال في نفسه "فأَخزُنُ فيها جَميعَ قَمْحي وأَرْزاقي" (لوقا 12: 17). لقد أحسن جمعَ خيراته وتخزينها لسنين عديدة، لكنه أساء طريقةَ استخدامها. إذ حسب عطايا الله تخصُّه وحده، وهذا يدل على أنه طمَّاع وجشع، لان الطَّماع هو من يحاول ان يحتكر ثروته لمنفعته الخاصة، وبالتالي هو انكار الاخوة خاصة الفقراء والمرضى والعجزة والبؤساء والمكروبين والمساكين. إنه نسى ما توصي الشريعة بالرفق بالضعفاء (خروج 22: 21-27)، وعدم التشامخ والتعالي على إخوته (تثنية الاشتراع 7: 17)؛ كما نسي ما يوصي به صاحب المزامير "إِنَّ المِسْكينَ لا يُنْسى على الدَّوام ورَجاءَ البائِسينَ لا يَنقَطعُ للأبدِ"(مزمور 9). ولم يأخذ بعين الاعتبار الوصايا الإلهية: "لا تَمنعِ الإِحْسانَ عن أَهلِه إِذا كان في يَدِكَ أَن تَصنَعَه" (أمثال 3: 27)، "لا تُفارِقْكَ الرَّحمَةُ والحَقّ بَلِ اْشدُدْهما في عُنُقِكَ واْكتُبْهما على لَوحَ قَلبِكَ" (أمثال 3: 3). لم يفكّر في توزيع الفائض على الفقراء؛ فالازدراء بالفقير ما هو الا ازدراء بالله وعدله. ان الغني مسؤول عن الفقير، حيث ان من يخدم الله يعطي ماله للفقراء، أمَّا الذي يعبد المال فإنه يحتفظ به للاعتماد عليه، ولا يلقي نظرةً إلى من يسكن حوله من محتاجين وفقراء. أمَّا الغني الطَّماع فيُضحي بالآخرين في سبيل ذاته، باستخدام العنف إذ ا لزم الامر " تشتَهونَ ولا تَنالون، تَقتُلونَ" (يعقوب 4: 12)، وقد يجرّد الفقراء في سبيل منفعته "ها إِنَّ الأُجْرةَ الَّتي حَرَمتُموها العَمَلَةَ الَّذينَ حَصَدوا حُقولَكم قدِ ارتَفَعَ صِياحُها، وإِنَّ صُراخَ الحَصَّادينَ قد بَلَغَ أُذُنَي رَبِّ القُوَّات" (يعقوب 6: 4). ولذلك يقوم الغنى الحقيقي لا فيما يملك الغني بل فيما يعطي، لان العطاء يستمطر سخاء الله "السَّعادَةُ في العَطاءِ أَعظَمُ مِنها في الأخذ" (اعمال الرسل 20: 35). الطمع في الأخذ هو الشهوة في المزيد من المال دون الحاجة اليه مما يؤدِّي الى الهلاك. " من يشتهي المال كمن يشرب من ماء البحر الأجاج، كلما غبّ منه ازداد عطشاً، ولا يفتأ عن الشرب حتى يهلك "؛ لا يرى الغني من غناه الاّ متعته، ولا من دنياه الا َّ لذّته وذاته. إنَّه غنيَّاً بمال الأرض، ولكنَّه ليس غنيٌ بأعمال البِرِّ والإحسان التي تؤمِّن له السعادة الأبديَّة. ويُعلق القديس باسيليوس الكبير بقوله" اعترف أيّها الإنسان بالذي أعطاك تلك الوفرة. فكّر بنفسك قليلاً: مَن أنت؟ إنّك خادم الله الطيّب؛ من واجبك خدمة رفاقك... "ماذا أَعمَل؟" الجواب سهل: "سأُشبع الجائعين، وأدعو الفقراء... تعالوا أيّها الجياع والعطاش، هلمّوا وانهلوا من العطايا الممنوحة من الله والتي تتدفّق كالنبع الجاري". ج) الطمع في المال الذي يُنسى الأبدية لم ينسَ الغني الغبي الله والآخرين فقط، بل يُنسي ايضا الزمن. نسى الغني ان الزمن ليس تحت تصرفه، وحسب ان امامه " سِنينَ كَثيرة " (لوقا 12: 19). نسي ان الحياة على الارض فترة انتقالية، وان الثروة زائلة. وكان يفكر في الحاضر، وكأنّه يعيش ابدا. ولم يفكر أنه في هذه الليلة ستؤخذ نفسه منه. نسي انه على الأرض غريبٌ، وقد يترك العالم في أي لحظة. نسي ان طبيعة الفناء البشري، ونسي الموت. لكن الموت كشف له الحقيقة، وهي انَّ الثروة التي وضع عليها كل اتكاله لن تنفعه في ساعة موته "في هذِهِ اللَّيلَةِ تُستَرَدُّ نَفْسُكَ مِنكَ، فلِمَن يكونُ ما أَعدَدتَه؟" (لوقا 12: 20). إن المسألة لا تخص لا الخيرات والثروات ولا التمتع بها، إنما تخص اعتبار أن جوهر الحياة ومعناها يقومان في اكتناز الخيرات أي اعتبارها المركز والأمان. ونستنتج مما سبق ان المال يُغري الغني بنسيانه، وهكذا في ساعة موته، ساعة العبور نحو الحياة الأبدية، تنقلب الأوضاع عليه راساً على عقب كما قالَ إِبراهيم للرجل الغني " يا بُنَيَّ، تَذَكَّرْ أَنَّكَ نِلتَ خَيراتِكَ في حَياتِكَ ونالَ لَعاَزرُ البَلايا. أَمَّا اليَومَ فهو ههُنا يُعزَّى وأَنت تُعَذَّب" لوقا 16: 25). الغني الذي له "خيراته" (لوقا 16: 25) وعزاؤه (لوقا 6: 24) في هذا العالم لا يمكنه أن يدخل الملكوت، كما صرّح السيد المسيح "فَلِأَن يَدخُلَ الجَمَلُ في ثَقْبِ الإِبرَة أَيسَرُ مِن أَن يَدخُلَ الغَنِيُّ مَلَكوتَ الله " (لوقا 18: 25). لان المال أنساه ونزع عن ذهنه فكرة الموت، فلم يشفع فيه ولم ينقذه من الموت الذي أتاه في ساعةٍ لا يتوقَّعُها. ولم يستطع الغني ان يتنعّم بخيراته كما خطّط؛ فقد ظنّ أن الغنى سيكون له ينبوع سعادة، ولكن هذه السعادة أفلتت منه فجأة. فحياة الانسان لا تقوم على أمواله، ولا تضمنها هذه الأموال كما صرّح يسوع (لوقا 12: 15). إن السعادة المؤسَّسة على خيرات الأرض لا تستحقّ أن يجعلها الإنسان هدف حياته ووجوده كما يؤكده صاحب المزامير " اْغتَنى الإِنْسان واْزدادَ بَيتُه مَجدًا فإِنَّه إِذا ماتَ لا يأخُذُ شَيئًا ولا يَنزِلُ مَجدُه وَراءَه" (مزمور 49: 17-18). فحياة الانسان وديعة من الله يستردها ساعة يشاء (يشوع بن سيراخ 11: 18-20). والجاهل بل الغبي هو الإنسان الذي يتكل على غناه ليؤمِّن لنفسه سعادته الأبدية، انه يفكر ويتصرف كما يفعل الوثنيون (لوقا 12: 30). فحياة الإنسان غير مشروطة بما يملك (لوقا 12: 15). فكل خيرات الأرض هي في خدمة الحياة ولكن الحياة تتجاوزها: انها في علاقات مع الله الذي يعرف ما نحتاج إليه (لوقا 12:30-31). ومن هنا جاءت كلمات يسوع "لا تَكنِزوا لأَنفُسِكُم كُنوزاً في الأَرض، حَيثُ يُفسِدُ السُّوسُ والصَّدَأ، ويَنقُبُ السَّارِقونَ فيَسرِقون، بلِ اكنِزوا لأَنفُسِكُم كُنوزاً في السَّماء، حيَثُ لا يُفْسِدُ السُّوسُ والعُثّ، ولا يَنقُبُ السَّارِقونَ فيَسرِقوا." (متى 6: 19-20). 2) ما هو موقف المسيح تجاه المال؟ بما ان الرجل الغني نسى الله والآخرين والابدية بسبب غناه، أصدر يسوع الحكم عليه بأنَّه إنسان غبيّ؛ فصار حُكْمُه مثلا ًفي التاريخ " يا غبي". إنه غبي، ذو قلب فاقد الحس (مزمور 119/ 70)، هو غبي لأنه جهل موقفه من ماله وغده. أولا: جهل موقفه من ماله المال ليس شراً في حد ذاته، إنما هو في حد ذاته وسيلة من وسائل تبادل السلع بين الناس. فاذا استخدمناه في العطاء يكون خيرا، وإذا حمل طمعاً يكون شرا. وفي هذا الصدد يقول الكاتب الفرنسي الشهير ألكسندر دوما "لا تقدر المال بأكثر من قدره او أقل منه؛ فهو خادم جيد ولكنه سيد فاسد". فالشر هو التذرع بطمع المال وتكديس الثروة. " حُبَّ المالِ أَصْلُ كُلِّ شَرّ" (1 طيموتاوس 6: 10). فالطمع في مفهوم لوقا الإنجيلي يقوم على الرغبة في الاستزادة دائما مما يحوزه أكثر فأكثر ولو على حساب الآخرين كما هو الحال في ذلك الرجل الذي طلب من يسوع ان يكون حَكماً في نزاع بميراث مع أخيه " مُرْ أَخي بِأَن يُقاسِمَني الميراث" (لوقا 12: 13) من ناحية. والطمع من ناحية أخرى هو التعلق بالخيرات التي هي في حوزته (2 قورنتس 9: 5). فإنه يرى فيما أتاه الله من خيرات، متعة له صادرة عنه، واعتبر جوهر الحياة ومركزها وأمانها في اكتناز خيرات وتكديسها. رفض يسوع مثل هذا الموقف وشجب بشدة فائض الخيرات الذي يصاحبه الجشع والطمع والصلف والبخل والمجد الباطل. وفي الواقع، ظن الغني أنه يملك المال، لكن المال هو الذي امتلكه، لأنه طَمِعَ به، فصار عبداً له. فالطمع في المال هو الشهوة في المزيد من المال دون الحاجة اليه، فيصبح إنسانا شريراً جفّت نفسه (سيراخ 14: 8-9). فأصدر يسوع تحذيرا قويا ضد الطمع بقوله " تَبصَّروا واحذَروا كُلَّ طَمَع" لوقا 12: 15). إن الغباء تقوم في اعتبار أن جوهر الحياة ومعناها يقوم في اكتناز الخيرات لذات واعتبارها المركز والأمان لا الاغتناء بالله. يوضّح يسوع ذلك بقوله " ليس بِالخُبزِ وَحدَه يَحيْا الإِنْسان بل بِكُلِّ كَلِمَةٍ تَخرُجُ مِن فَمِ الله" (متى 4: 4). ثانيا: جهله في غده لم يكن الغني غبياً لجهله في ماله فحسب، إنما أيضا لجهله في غده. كان يظن الرجل الغني ان مستقبله أصبح مضمونا آمنا مأمَّنا، ولكن وجد نفسه على غباه لما طلب الله نفسه "في هذِهِ اللَّيلَةِ تُستَرَدُّ نَفْسُكَ مِنكَ (لوقا 12: 20). رأى عندها ان ماله باق من بعده في الاهراء التي بناها، ولم يبنِ لنفسه عند الله منزلا، وأمَّا ماله الذي اذخره فلم ينفعه في دفع الشدة عنه في مماته. مات غنيا بما لدنياه، فقيرا الى رحمة ربِّه. لأنه لم يسخّر دنياه لآخرته. فغباوته أنه عبد ماله إذ "كنز لِنَفْسِهِ" من دون ربِّه "ولم يَغتَني عِندَ ه تعالى"؛ أنه عمل لدنياه من دون آخرته. ولذلك فان يسوع ينبّه الناس إلى أن وفرة الخيرات المادية لا تكفي لتؤمّن حياته وطمأنينة حقيقية. فسلام الإنسان الحقيقي لا يستند إلى الغنى وخيرات الأرض إنما بعلاقته بربه والاخرين. 3) العبرة يدعونا يسوع من خلال المثل الغني الغبي ان لا ننسى الله والآخرين والحياة الأبدية في استخدامنا اموالنا كي ندخِّر لنا كنوزا في السماء، ولكي نكون مستعدين للوقوف أمام دينونة الله عند موتنا. “بيعوا أَموالَكم وتَصَدَّقوا بِها واجعَلوا لَكُم أَكْياساً لا تَبْلى، وكَنزاً في السَّمواتِ لا يَنفَد، حَيثُ لا سارِقٌ يَدنو ولا سوسٌ يُفسِد" (لوقا 12: 33). ويدعونا يسوع أيضا الى تجنب الطمع يسوع قائلا "تَبصَّروا واحذَروا كُلَّ طَمَع" (لوقا 12: 15). يسوع لا يدين الغنى بل الطمع، لان الطمع هو النهم للأرضيات والماديات، والانشغال بالماديات عن الروحيات، والشعور الدائم بعدم الاكتفاء وعدم الاهتمام بأن يكون للشخص كنز سماوي. فالطمع عدو خطير سمَّاه بولس الرسول "عبادة أوثان" (كولسي 5:3)، لأن الطَّماع ينسى انتمائه للسماء ويظن أنه سيعيش مخلداً على الأرض. ويدعونا يسوع ايضا لاستعمال المال لخدمة الآخرين. المال ليس شرّاً في حدّ ذاته بل إنه يساعدنا على اقتناء كنز في السماء إذا جعلناه في خدمة القريب بشكل صدقة أو مساعدة (لوقا 12: 33-34). ولكن المال يصبح خطراً عندما يعرّض الإنسان إلى التعلّق به وطلبه من أجل ذاته، أي من أجل تنعّم أرضي أناني مثل الغني الجاهل (لوقا 12: 12: 16-21) او مثل الفريسيين (16: 14) أو مثل الغني ولعازر (16: 19-31). سيأتي يوم تنقلب فيه الأوضاع فيتعزّى الفقير ويتعذّب الغني (16: 25). يدعونا يسوع أخيراً ان نكون أغنياء في الله (13-31)، لان ليس حياة الانسان في امواله. خُلقنا للسماء كما قال القديس أوغسطينوس "إن نفسي تبقى مضطربة الى أن تستريح فيك، يا الله. لقد خلقتنا يا الله لنفسك، ولسوف تبقى قلوبنا قلقة حتى تجد راحتها فيك". فنحن نقضي فترة على الأرض، ثم نرجع إلى موطننا الأصلي، فلا نكن أغبياء في أذهاننا ونكنز لحساب هذا العالم وكأننا مخلدون على الأرض، بل لنغتني عند الله كما يوصي السيد المسيح "َلا تَطلُبوا أَنتُم ما تَأكُلُونَ أَو ما تَشرَبونَ ولا تكونوا في قَلَق، فهذا كُلُّه يَسْعى إِلَيه وَثَنِيُّو هذا العالم، وأَمَّا أَنتُم فأَبوكُم يَعلَمُ أَنَّكم تَحتاجونَ إِلَيه. بلِ اطلُبوا مَلَكوتَه تُزادوا ذلك" (لوقا 12 :30-31). ولذلك ومهما يكن من أمر، يجب ألاَّ نضع الأموال المكان الأول في اهتماماتنا، بل علينا ان نشتغل أولاً من أجل ملكوت الله، أي لمجد الله وخلاص النفس. فان الغباء في "الاكتناز للذات" لا الاغتناء بالله، ويعلق القديس باسيليوس الكبير "سوف تترك هنا المال ولو مُرغماً، وستحمل معك الى الله المجد الذي استحققته بالأعمال الصالحة". الخلاصة يُبرز مثل الغني الجاهل (لوقا 12: 16-21) ما هو الغنى الحقيقي، وبالتالي ما هو الموقف الذي يجب ان يتخذه الانسان تجاه خيرات هذا العالم. فيسوع رفض التدخل في الشؤون الدنيوية، لان الطمع في الحياة الزمنية تُنسي الانسان حياته الأبدية، كما لو كانت حياة المرء تقوم على الاكل والشرب والتنعم. وفي الواقع، انتهت حياة الرجل الغني وأصبح يتكلم فقط مع نفسه واستسلم ولم يعد يستثمر في أي شيء. لقد توقف الزمن بالنسبة إليه ولم يعد يتحرك. لا يضمن المال مهما كثُر للإنسان الحياة الطويلة ولا العيش الرغيد. فمن الغباء أن يعتقد الإنسان أنَّ ماله الكثير سيوفِّر له السعادة الأرضيَّة والحياة المديدة. ذلك لأنَّ الموت يأتيه حتماً، وبعد الموت تواجهه الدينونة الرهيبة. فإنَّه خيرٌ له أنْ يكون غنيَّاً في عينَيْ الله بالأعمال الصالحة من أن يكون غنيَّاً بأموال الأرض وينطوي على نفسه بالاستسلام إلى مطالب أنانيَّتِهِ التي ترفض خدمة الله والآخرين. ومن استسلم لمتطلبات الملكوت، ظلّ حرّاً أمام التعطش الى الغنى الذي يلازم البشر. فإن الغنى ليس خيرًا في ذاته ولا يُحسب شرًا، إنما يمكن توجيه للخير كما للشر، فاذا استخدمناه في العطاء صار خيرًا، وإن حمل طمعًا صار شرًا. " كما يُعلق القديس يوحنا الذهبي الفم " أن الغنى ليس شرًا، بل هو نافع أن أُحسن استخدامه". وأخيرا يدعونا الانجيل ان نكون أغنياء في الله، فمهما كان لأحد كثير فليست حياته من أمواله. نحن مخلوقون للسماء، نقضي فترة على الأرض ثم نرجع إلى موطننا الأصلي، فلا نكون أغبياء في أذهاننا ونكز لحساب هذا العالم وكأننا نعيش إلى الأبد، ونحن لسنا أغنياء لله. حان الوقت لنوقف الصراع بين الارتباك لترتيب الاحتياجات الزمنية والطمع والطموح الزائد، وبين السعي لغذاء أرواحنا. لنحاول ان نسعى أولًا لإشباع الروح بحفظ كلمة الله، وبالصلاة وممارسة وسائط النعمة، وعمل المحبة بين الناس، وكل هذه الزمنيات ستزاد لكم. ولا نقلق لأن أبانا يعلم أننا نحتاج إلى هذه كلها، ويُسر أن يعطينا الملكوت. فيسوع يوجّه للحياة الأبدية كل الذين يقبلون الايمان به. دعاء أيها الآب السماوي، نسألك باسم يسوع ابنك الوحيد، ان تمنحنا الحكمة بان لا نضع إتِّكالنا على خيرات الأرض وحدَها، مهما كانت وافرة، بل نضع اتِّكالنا عليك تعالى لنعمل على تمجيد اسمك القدوس وبلوغ السعادة الأبديَّة الحقَّة التي خُلِقنا لأجلها على الأرض. آمين مردِّدين مع القديس أغناطيوس دي ليولا "خذ، يا رب، وأقبل حريتي كلّها، ذاكرتي وعقلي وإرادتي كلّها، كلّ ما هو لي وكل ما هو عندي. أنت أعطيتني ذلك، فإليك أعيده، يا ربّ. كل شيء لك، فتصرّف فيه بكامل مشيئتك. هب لي أن أحبك، هب لي هذه النعمة، فهذا يكفيني".