Click to enlarge
09/06/2019
الرؤيا 3: المسيح الآتي كتبه: الأب مراد مجلع
ملخص اللقاء السابق: هدف سفر الرؤيا ليس في تقديم حقائق إيمانية جديدة عن حياة المسيح. فمع الإنجيل قد “تم كل شيء”، ياتي سفر الرؤيا ليكشف لنا أن “ما تم” وتم الإعلان عنه في الأناجيل عن يسوع المسيح، بقى له أن يدخل في التاريخ وأن يكون له مستقبل. فبعد مجئ المخلص وموته وقيامته يبقي السؤال: “ماذا بعد؟” هذا هو السؤال الذي تجيب عليه الرؤيا: كيف نجعل حقيقة قيامة المسيح تتجسد يومًا فيومًا في واقع الحياة اليومية، ولا تصبح قيامته مجرد حادثة نقرأها في كتاب، بل حدثًا يوميًا يغير وجه الكون بتغيير نظرتنا إلى كل ما يجري حولنا. لقد انتصر المسيح بصورة نهائية على الشر والموت وأسس ملكوته السماوي، الوطن الجديد، أورشليم السماوية التي فيها تعود علاقة الاتحاد والألفة بين الله والإنسان والتي كانت منذ البدء وأفسدها شر ومعصية الإنسان الآول. لذلك تكشف الرؤيا النهاية التي نحن صائرون إليها. فالبرغم من الألم والموت والشر والفوضى التي تضرب حياة الإنسان على الأرض، إلا أن هذه الحالة ليست النهاية. تكشف الرؤيا النهاية، بالتأكيد على مجئ المسيح الثاني وانتصاره النهائي على الموت والشر وتأسيسه لملكوته وصورة الخليقة الجديدة: “والمَدينَةُ لا تَحْتاجُ إِلى الشَّمسِ ولا إِلى القَمَرِ ليُضيئا لَها، لأَنَّ مَجدَ اللهِ أَضاءَها، وسِراجُها هو الحَمَل. أَبْوابُها لن تُقفَلَ في أَيَّامِها، لأَنَّه لن يَكونَ لَيلٌ هُناك” (21: 23، 25). مضمون الوحي في السفر مجئ المسيح سيكون قريب وشيكًا. هناك قصد إلهي من أحداث التاريخ، كما كشفت رمزية رؤية دانيال، فكل شيء سيؤل إلى قصد الله ومخططه الخلاصي، حتى إذ بدأ الأمر بخلاف ذلك الآن. فالمخطط الإلهي يعمل كشيفرة تنبئ بملكوت الله الآتي من خلال أحداث التاريخ التي تبدو في وقتها بعيدة عن تحقيق الملكوت. شيفرة” غنية بالمعاني، كالخريطة الوراثية التي تضمنها بذرة صغيرة عندما تراها لا يمكن أن تتصور كمالها في شكل شجرة عالية الأغصان كثيرة الثمار. فالحدث التاريخي الذي يمر به الإنسان، يَصعب عليه أن يتصور نموه نحو اكتماله ولا يستطيع تصور نوعية هذا الكمال ودرجته في وقته. كذلك يعمل مخطط الله وينمو ملكوت الله كبذرة صغيرة: “مَثَلُ ملكوتِ السماواتِ كَمَثلِ حَبَّةِ خَرْدَلٍ أَخذَها رَجُلٌ فزَرَعَها في حقلِهِ. هيَ أَصغَرُ البُذورِ كُلِّها، فإذا نَمَتْ كانتْ أَكبرَ البُقولِ، بل صارتْ شجرةً حتى إِنَّ طيورَ السماءِ تأْتي فتُعشِّشُ في أَغصانِها (متى 13 /31-32)”. يوم الرب غير محدد لأن: “يَومًا واحِدًا عِندَ الرَّبَ بمِقدارِ أَلْفِ سَنة، وأَلْفَ سنَةٍ بِمِقدارِ يَومٍ واحِد. إِنَّ الرَّبَّ لا يُبطِئُ في إِنجازِ وَعْدِه، كما اتَّهَمَه بَعْضُ النَّاس، (2 بطرس 3: 8ب- 9). فالله خارج الزمن الذي نعرفه، لأنه خالق الزمن، وبالتالي اليوم الواحد لا يمكن حسابه بمقاييس البشر. أن الأمر الذي سيحدث وشيك ولكن بمقياس الله الذي لا نعرفه، لكن الأمر سيحدث فجأة. منذ الصعود أصبح مجئُ المسيح في المجد قريب “آمين! تَعالَ، أَيُّها الرَّبُّ يَسوع” (22: 20) كما يؤكد تعليم الكنيسة الكاثوليكية (673)، وإن لم يكن لنا أن “نَعرِف الأَزمِنَةَ والأَوقاتَ الَّتي حَدَّدَها الآبُ بِذاتِ سُلطانِه” (أعمال 1: 7). هذا المجئ يمكنه أن يتم في أي وقت: “لِذلِكَ كونوا أَنتُم أَيضاً مُستَعِدِّين، ففي السَّاعَةِ الَّتي لا تَتَوَقَّعونَها يأَتي ابنُ الإِنسان” (متى 24: 44). المؤكد إذن هو مجئ الرب، والأهم هو أن نكون مستعدين في كل لحظة. المسيح أَتٍ مِن يوحَنَّا إِلى الكَنائِسِ السَّبعِ الَّتي في آسِيَة. علَيكمُ النّعمَةُ والسَّلامُ يوجه يوحنا كتابه إلى الكنائس السبع التي في آسية (تركيا الحالية) التي تشكلت في وقت الاضطهادات بطريقة سرية. لكن لماذا اكتفى يوحنا بسبع كنائس؟ لقد اختار علامة الملء للاشارة ليس لتلك الكنائس بعينها بل إلى كنائس العالم أجمع في كل مكان وزمان، لذا استخدم (أل التعريف) قاصدًا أن يكون كلامه إلى الكل. لا نجد اسم سميرنة، برغامس، سارديس، فيلادلفية إلاّ في رؤيا. أما المدن الثلاث الأخرى فنجدها في العهد الجديد. تذكر أفسس 16 مرة وفيها كرز بولس وكتب رسالته الأولى إلى كورنثوس. تياتيرة هي موطن ليدية، بائعة الأرجوان، التي عمّدها بولس في فيلبي (أع 16: 14). وجماعة لاودكية مذكورة في كو 4: 16. يبدأ بالسلام وهو الخلاص والبركة. وبالنعمة التي تدل على رضى الله الفاعل. لكن مِن أين يأتي السلام في واقع الاضطهادات التي تعانيها تلك الكنائس؟ يذكر يوحنا الينابيع الثلاثة الدائمة التي منها تنبع هذه النعمة وهذا السلام: الينبوع الأول: الكائِنٌ والذي كانَ والذي سيأتي: ستعود هذه العبارة كما هي في آ 8؛ 4: 8. لا يدخل يوحنا هنا في معضلة كينونة الله وكيانه الماورائي أكثر من موقفه تجاه شعبه. فهو الكائنُ منذ البدء، كما أعلن عن نفسه في خروج 3: 14 وفي تثنية 32: “أَنا هو ولا إِلهَ معي أنا أُميتُ وأُحْيي وأَجرَحُ وأُشْفي (ولَيسَ مَن يُنقِذُ مِن يَدي). أَرفَعُ يَدي إلى السَّماء وأَقولُ: حَيٌّ أَنا للأَبَد” (32: 39- 40). إلا أن يوحنا أضاف رجاء الكنيسة ورسالته ومضمون ما يكتبه للكنائس والعام: إنه سيأتي، فالله الآب الذي “يأتي” قد وهب قدرته لابنه (يو 5: 22). الينبوع الثاني: الروح القدير في ملئه وكمال عطاياه: يذكر يوحنا السبع أروح ليدل على ملء الروح، كما ورد في أشعيا 11: 2: “ويَحِلُّ علَيه روحُ الرَّبّ روحُ الحِكمَةِ والفَهْم روخُ المَشورَةِ والقُوَّة روحُ المعرفةِ وتَقوى الرَّبّ”. لسنا هنا أمام أرواح سبعة أو ملائكة سبعة مميزين. فهؤلاء يعرفهم رؤيا ويسميهم “ملائكة” لا “أرواحًا” (8: 2). نحن أمام الروح كما تدركه الخبرة المسيحية في ملئه كما في تعدّد أفعاله وتدخّلاته. الينبوع الثالث: هو يسوع المسيح. هي اللفظة الثالثة في هذه العبارة الثالوثية. نحن أمام المسيح الذي مات وقام وتمجّد. وقد أخذ هذا الكلام من تصوير المسيح في مز 89: 28، 38: “وأنا أجعله بكراً، علياً فوق ملوك الأرض… مثل القمر شاهداً أميناً”. الشاهد الأمين هو ثابت وأهل للثقة حين يشهد عن كيان الله العميق وعن قصده، وسيذهب في شهادته حتى الموت. وهو بكر الأموات (كو 1: 18؛ 1 كور 15: 20). ثم يؤكد يوحنا على رسالة يسوع الخلاصية بتجسده وموته وقيامته وتدشينه لعلاقة جديدة وشاملة مع الكون: “هو قَبْلَ كُلِّ شيَء وبِه قِوامُ كُلِّ شيَء. … هو البَدْءُ والبِكْرُ مِن بَينِ الأَموات لِتَكونَ لَه الأَوَّلِيَّةُ في كُلِّ شيَء” (كولوسي 1: 17- 18). هو ضابط الكل لأنه ابن الله الأزلي الذي به خُلق العالم. وتكشف الآيات (4- 7) عن حوار ليتورجي يبدأه يوحنا بالتحية والسلام (الآيات 4- 5ـ): 4مِن يوحَنَّا إِلى الكَنائِسِ السَّبعِ الَّتي في آسِيَة. علَيكمُ النّعمَةُ والسَّلامُ مِن لَدُنِ الَّذي هو كائِنٌ وكانَ وسيأتي، ومِنَ الأَرواح السَّبعَةِ الماثِلَةِ أَمامَ عَرشِه،5ومِن لَدُنِ يَسوعَ المسيحِ الشَّاهِدِ الأَمين والبِكْرِ مِن بَينِ الأَموات وسَيِّدِ مُلوكِ الأَرْض فترد الجماعة قائلين (الآيات 5ب- 6): 5ب- الَّذي أَحَبَّنا فحَلَّنا مِن خَطايانا بِدَمِه،6 وجَعَلَ مِنَّا مَملَكَةً مِنَ الكَهَنَةِ لإِلهِه وأَبيه، لَه المَجدُ والعِزَّةُ أَبَدَ الدُّهور. آمين يستعيد يوحنا الكلام، فقدم أعلانًا نبويًا، هو مضمون وهدف الوحي الموُجه للجماعة (الآية 7): هاهُوَذا آتٍ في الغَمام. ستَراه كُلُّ عَينٍ حَتَّى الَّذينَ طَعَنوه، وتَنتَحِبُ علَيه جَميعُ قَبائِلِ الأَرض. قبلت الجماعة الرسالة ووافقت قائلة (الآية 7ج): أَجَل، آمين 2. “هاهُوَذا آتٍ في الغَمام. ستَراه كُلُّ عَينٍ حَتَّى الَّذينَ طَعَنوه، وتَنتَحِبُ علَيه جَميعُ قَبائِلِ الأَرض. أَجَل، آمين” هاهُوَذا آتٍ في الغَمام: هذا العدد مأخود من مكانين في العهد القديم: دانيال 7: 13: “كنتُ أَنظر في رُؤيايَ لَيلاً فإِذا بِمِثلِ آبنِ إِنسان آتٍ على غَمامِ السَّماء فبَلَغَ إِلى قَديمِ الأَيَّام وقُرِّبَ إِلى أَمامِه”، زكريا 12: 10: “وأُفيضُ على بَيتِ داوُدَ وعلى سُكَّانِ أُورَشَليمَ روحَ النِّعمَةِ والتَّضَرُّعات، فيَنظُرونَ إِلَيَّ. أَمَّا الَّذي طَعَنوه فإِنَّهم يَنوحونَ علَيه كما يُناحُ على الوَحيد، ويَبْكونَ عليه بُكاءً مُرّاً كما يُبْكى على البِكْر”. يأتي على السحاب كما يرى داينال. أما زكريا عن نبؤة المسيح عن نفسه، ينظرون إليَّ. استعان يوحنا بهذين الجزئين من العهد القديم. هوذا يأتي مع السحاب هذا رجاء الكنيسة فالمسيح أتٍ حتما بمجد عظيم. في العهد القديم عندما كان يحل مجد الرب يحل من خلال السحاب، رمز مجد الله. سوف يأتي بمجد، ويسوع تكلم عن أنه يأتي بمجد عظيم، وهذا ما نشهد به في قانون الإيمان. هذا رجاء المؤمن بأن يأتي رب المجد، الكنيسة مثل العروس التي تحصى الأيام، وهي تعيش زمان غربتها على الأرض وتنتظر أن تلتقي بعريسها. ستَراه كُلُّ عَينٍ حَتَّى الَّذينَ طَعَنوه: ستراه كل عينٍ، الذين ينتظرونه، المؤمنين باسمه ويكون مجيئه عزاء للكنيسة ونهاية آلامها، ويكون بداية الآلام للذين رفضوا المسيح والإيمان به، الذين طعنوه. عندما علق المسيح على الصليب طعنه أحد الجنود وتحققت نبؤة زكريا حرفيًا، وهنا يشير يوحنا أن المطعون سيأتي ممجدًا، وعندما كان معلق على الصليب كان محتقرًا، لكنه سيأتي ممجدًا عندئذ سوف ينوح عليه جميع قبائل الأرض. ليس نواح التوبة التي يأتي من بعدها الغفران ولكن نواح اليأس والألم الذي لا رجاء بعده. هل نطعن يسوع بعد إيماننا ونكراننا ولا نصدق وعوده وقتها سنكون من طاعنيه. نطعن المسيح بخطايانا وآثامنا. مجئ المسيح فرح للمؤمنين وشقاء لغير المؤمنين، على عكس ما تم وقت صليب. عندما يأتي القديسين الذين تألموا سوف يفرحون والعكس الذين كانوا فرحين سوف يتألمون. هذا ما يفسر الألم، يسوع نفسه تألم، ليس هناك تفسير للألم (استشهاد بأيوب وقضية آلامه، فإيمانه غير مرتبط بالهبات والعطايا التي منحها له الله). يسوع تألم، وحارب الألم بشفاء المرضى واخرج الشياطين فالشرور مصدرها ليس الله، الكلمة ا لأخيرة للرب وليس للشيطان فقد انتصر بقيامته وعندما يأتي سيظهر مجده. فكل الذين يتألمون بسبب إيمانهم فعندئذ سوف يكرمون ويمجدون من الرب. مجئ المسيح يكون بصورتين: الأولى في نهاية الأزمنة، كما سبق أن أشرنا، ياتي مع غمام السماء. لكن هناك مجئ دائم يتم بطريقة غير منظورة في حياة الكنائس وحياة البشر، هكذا يقول ملاك كنيسة أفسس: “فاذكُرْ مِن أَينَ سَقَطتَ وتُبْ واعمَلْ أَعْمالَكَ السَّالِفة، وإِلاَّ جِئتُكَ وحَوَّلتُ مَنارَتَكَ عن مَوضِعِها، إِن لم تَتُبْ” (رؤيا 2: 5). وإلا فأتيك عن قريب وأزحزح منارتك وهذا ما تم في كنيسة أفسس بسبب ضعف محبتها الأولى. كذلك في كنيسة برغامس: “تُبْ إِذًا وإِلاَّ جِثتُكَ على عَجَلٍ وحارَبتُهم بِالسَّيفِ الَّذي في فَمي” (2: 16)، اشارة للدينونة التي حلت بها بسبب عدم توبتها. وكذلك في كنيسة ساردس في 3: 3. مجئ الرب هنا بصورة نهائية ولكنه غير منظور لكي يحاسب بعض الأفراد والجماعات. في اليوم الأخير، سيظهر المسيح الرب والمخلّص والدّيان الرحيم للمخلّصين، سيظهر في قدرة مرعبة للذين اضطهدوه. سواء كان يسوع التاريخ (كما عاش على الأرض) أو “المسيح” الحاضر حضوراً سرياً في كنيسته والعالم فيها. فالذي يضطهد الكنيسة يضطهد المسيح. وسيدينه المسيح، وليس من يفلت من دينونته. «أَنا الأَلِفُ والياء»: هذا ما يَقولُه الرَّبُّ الإِله، الَّذي هو كائِنٌ وكانَ وسيَأتي، وهو القَدير أنا الألف والياء. صورة خاصة بسفر الرؤيا. ستعود في 21: 6، وسيستعملها يسوع في 22: 13. وهكذا يؤكد رؤيا مساواة الآب والابن، وارتباط الابن بالآب. لا نستطيع أن نلفظ اسم يسوع دون أن يرد حالاً اسم الآب. هذا يعود بنا إلى أش 44: 6: “أنا الأول والآخر. أنا هو، ولا إله غيري”. الله هو البداية والنهاية. الكلمة الأولى له. وله الكلمة الأخيرة. وإذا أردنا أن ننتقل من الحرف الأول إلى الحرف الآخر من الأبجدية، يجب أن نعبر كل الحروف. هذا ما يدلّ على إنتقال متواصل من الخلق إلى تتمة الخلاص. وحضور الله هذا في كل لحظة من لحظات التاريخ، نجده في العبارة التي فيها يشير “الذي كان” إلى الألف. و”الذي يأتي” إلى الياء. و”الكائن” يدلّ على حضور الله الذي يجعل الأمور تتقدّم شيئاً فشيئاً حتى النهاية (آ 4) الألفا والأميجا هي أعظم الأوصاف التي تقال لله، كلي الوجود مكانيًا وزمانيًا وكلي القدرة. كلي الوجود لا يوجد شخص آخر. ألفا وأوميجا، لا يقصد فقط الحرفين، لكن معناها الكل في الكل. هذا التعبير ورد بكورنثوس الأولى: “ومتى أُخضِعَ لَه كُلُّ شَيء، فحينَئِذٍ يَخضَعُ الاِبْنُ نَفْسُه لِذاكَ الَّذي أَخضَعَ لَه كُلَّ شيَء، لِيكونَ اللّهُ كُلَّ شَيءٍ في كُلِّ شيَء” (ا كورنثوس 15: 28). هذه العبارة لم تقال كبيان لاهوتي للكنيسة، بل قضية روحية. الله موجود معنا عندما نكون في القصور والأكواخ، مهما كانت حالتنا وظروفنا. الله يعرف ظروفنا وآلامنا “من يمسكم يمس حدقة عيني”. عندما تلاقي مع شاول على طريق دمشق قاله له: “لماذا تضطهدني” فهو يشعر في ذاته بآلام المضطهدين من شاول، فهو الرأس الذي يشعر بآلام الأعضاء. إذا كنت متألم فإن الرب يتألم معك. القادر على كل شيء. ورد 10 مرات في العهد الجديد، في 2 كورنثوس 6: 18، وتسع مرات في سفر الرؤيا. وكأن يوحنا يريد أن يركز في ذهن المؤمنين المتألمين أن الله قادر على كل شيء. هو محب رؤوف ولكنه قادر على كل شيء. وهذا اللقب يُعد الوحيد في سفر الرؤيا الذي لا يُنسب إلى المسيح بسبب طابعه الجامد (4: 8؛ 11: 17؛ 15: 3؛ 16: 7، 14؛ 19: 6، 15؛ 21: 22). الرب هو الإله القدير، والقادر أو بنتوكراتور هو صفة الأمبراطور الروماني في ذلك الوقت. وهكذا يقف الله القدير تجاه الامبراطور الذي يعتبر نفسه ضابط الأرض كلّها. في قلب عالم راكع أمام تماثيل الأباطرة وصور الآلهة، يقدّم لها البخور عبادة وإكراماً، يعرف المسيحيون أنه ليس إلاّ إله واحد حقيقي ومخلّص واحد. و”الآلهة” مهما كانت قديرة، هي باطل وعدم. فالمسيح هو الضابط الكل، ضابط الكون، ملك ملوك الأرض. وسيكون في يوم الرب واقع مرير، فتسقط جميع الأقنعة ويكون غروب الآلهة الكاذبة. ويتعرّى مقتدرو هذا العالم من قدرتهم، ويكون مضطهَدو هذا العالم المنتصرين في الأبدية. ذاك هو العزاء العظيم الذي يتوجّه إلى الجماعات المسيحية الأولى المعرّضة لليأس: فرغم الظواهر، التاريخ هو في يد الله. وانتصار قوى الأرض هو انتصار سرابي. فالغلبة الحقيقية تكون غلبة المسيح وحده في نهاية الأزمنة (بولس الفغالي ف 9). ظروف الرؤية: “ما تَراه فأكتُبْه في كِتابٍ وأبعَثْ بِه إِلى الكَنائِسِ السَّبعِ” يتلقى يوحنا أمرًا بالكتابة من يسوع المسيح لينقل “وحي يسوع المسيح”. لا ينقل وحيًا جديدًا، بل تمام الوحي السابق إعلانه ويعرفه جميع المسيحيين: المصلوب يأتي. القائم من الموت يأتي. إنه الشخص الرئيسي في الرؤيا. أَنا، أَخاكم يوحَنَّا الَّذي يُشارِكُكم في الشِّدَّةِ والمَلَكوتِ والثَّباتِ في يَسوع: يبدأ يوحنا بالقول أنه شريك مع أخوته في المحنة والشدة، فهو نفسه قد نُفى إلى جزيرة بطمس، لأنه رئيس الجماعة المسيحية في أفسس. وكما علم بولس الرسول بقوله: “ورَجاؤُنا فيكُم ثابِت لأَنَّنا نَعلَمُ أَنَّكم تُشارِكوَننا في العَزاءِ كَما تُشارِكوَننا في الآلام” (2 كورنثوس 1: 7). إذا كنا نشترك بعضًا لبعض في الشدة والضيق والألام فسوف نشترك معًا في المجد، في الملكوت وصبره (الهاء تعود على المسيح) نقضي هذه الحياة بالصبر على الشدة انتظارًا للملكوت. صفات ثلاث هي في الواقع واحدة. قبلها أل تعريف واحد. ولفظة “في يسوع” ترتبط بكل واحدة منها. إذا تحلى المسيحيين بهذا الثبات يبدّل الله المضطهدين فيجعل منهم مواطني الملكوت. ونحن نعيش كل هذا في يسوع. قال بولس الرسول: “أعرف المسيح وأعرف القوة التي تجلّت في قيامته وأشاركه في آلامه وأتشبّه به في موته” (فل 3: 10). وقال بطرس: “المسيح تألّم من أجلكم وجعل لكم من نفسه قدوة لتسيروا على خطاه” (1 بط 2: 21). اِختطفني الروح (رج 4: 2؛ 17: 3؛ 21: 10). نحن أمام “خروج” من هذا العالم. كان الروح مسيطر على أفكاري هذا ما شعر به بطرس حين كان يصلّي وقبل أن يعمّد كورنيليوس: “أَصابَه جَذْب” (أع 10: 10)، وبولس حين كان يصلّي في الهيكل (أع 22: 17) ثم يصف ما حدث له بهذه الكلمات: “أَعرِفُ رَجُلاً مُؤمِنًا بالمسيحِ اختُطِفَ إِلى السَّماءِ الثَّالِثَةِ مُنذُ أَرَبعَ عَشرَةَ سَنة: أَبِجَسَدِه؟ لا أَعلَم، أَم مِن دونِ جَسَدِه؟ لا أَعلَم، أَللهُ أَعلَم. وإِنَّما أَعلَمُ أَنَّ هذا الرَّجُلَ: أَبِجَسَدِه؟ لا أَعلَم، أَمِن دونِ جَسَدِه؟ لا أَعلَم، أَللهُ أَعلَم، اِختُطِفَ إِلى الفِردَوس، وسَمِعَ كلَمِاتٍ لا تُلْفَظُ ولا يَحِلُّ لإِنسانٍ أَن يَذكُرَها” (2 كورنثوس 12: 2 -4). لا يتوقّف الكاتب عند “كيف” (خطف)، ولكن كلمة الروح تجعلنا نفكر في حالة من سيطرة الروح وليس نقل جسده من مكان لآخر كما حدث مع فيلبيس. فما يهمّه هو الرؤية وواقع الإلهام. اختطفه الروح في يوم الرب، يوم الأحد. هو يوم القيامة. اليوم الذي فيه يحتفلون بالافخارستيا. الذي فيه ينتظرون عودته. فسَمِعتُ خَلْفي صَوتًا كَصَوتِ البوقِ. ياتي الصوت من خلف ليدل على إن الإنسان يسير في طريقه أما الله فهو في مكانٍ آخر ويريد أن نتوجه إلى حيثما يكون. حياة الإيمان تستلزم أن لا تنظر فقط إلى الواقع الأليم والصعب، بل تتخطاه حيث يوجد الله عاملا في التاريخ. صوت أولاً. فالكلمة تسبق الرؤية ثم توضحها (آ 17). لا قيمة للرؤية في ذاتها بدون الكلمة التي تشرحها. نقرأ في آ 12: “إلتفتُّ لأنظر الصوت”. فالموضوع الحقيقي للرؤية والمشاهدة هو الكلمة نفسها. والصوت هنا هو صوت ابن الإنسان يأتي كشبه صوت البوق، كمنبه ومحذر من خطر وشيك سيقع. وكثيرًا ما تم تشبيه صوت الرب بصوت البوق في العهد القديم. مضمون الرؤية: فرَأَيتُ … سَبعَ مَناوِرَ مِن ذَهَب، ماذا رأى يوحنا (آ 12- 16)؟ ثم ماذا سمع (آ 17- 20)؟ أُخِذ يوحنا على غفلة، فاجأه الأمر، فالمسيح يأتي ويقف حيث لا نتوقّع ولا ننتظر، كما حدث مع المجدلية. سبع منائر من ذهب. تأثرت الصورة بما في زك 4: 2، 10: “وقالَ لي: «ماذا أَنتَ راءٍ؟» فقُلتُ: «إِنِّي نَظَرتُ، فإِذا بِمَنارةٍ كلُها ذَهَب، وخَزَّانُها على رأسِها، وعلَيها سَبعَةُ سُرُجٍ وسَبعَةُ أَلسِنَةٍ لِلسُّرُجِ الَّتي على رأسِها… هذه هي سَبعُ عُيونِ الرَّبِّ الجائِلَةِ في الأَرضِ كُلِّها”. فالمنارة (شمعدان) فيها سبعة سرج (قناديل) (ي خروج 25: 31- 37). كانت المنارة توضع في قدس الأقداس، كما في 1 ملوك 8: 49، هنا تصير سبع منارات ويفسرها في نهاية الإصحاح بأنها الكنائس: “والمَناوِرَ السَّبعَ هي الكَنائِسُ السَّبعْ” (آيه 20). والسبع سرج أو مشاعر هي رمز للروح المسبّع الأشكال: “سبعة مشاعل هي أرواح الله السبعة”. “سبع عيون هي أرواح الله السبعة” (ي 4: 5 و5: 6). أن المنائر هي الكنائس. ولهذا نفهم النصّ على ضوء مت 5: 14 ي (أنتم نور العالم، فليضىء نوركم قدّام الناس)، فل 2: 15 (تضيئون فيه كالكواكب في الكون)، المسيحيون هم نور العالم بفضل حياتهم وكلماتهم، وهي غاية وجود الكنيسة. ترمز المنائر إلى طاعة الشعب وتقواه أمام الله وأمام البشر بانتظار عودة الملك المسيح الذي سيكون السراج الحقيقي (21: 23: الحمل هو مصباحها). المنائر هي صورة الكنائس التي تنتظر (مت 26: 1 ي) بأمانة، صورة إشعاع الحياة المسيحية في هذه الكنائس. يريد يوحنا أن نعود إلى موقع المنارة في قدس الأقدس أي في قلب الله ذاته، في محضر الرب. وبَينَ المَناوِرِ ما يُشبِهُ ابنَ إِنْسان ابن إنسان. أخذت هذه العبارة من دا 7: 13؛ 10: 5 فدلّت على “الإنسان”. وهي ترد 69 مرة في الأناجيل الإزائية. يقف يسوع الناصري وسط المنائر السبع، في وسط كنيسته، وسط المؤمنين. ليس غريبًا عن أخصّائه، ولم يؤخذ منهم. إنه وسط المنائر، أي قريب من جماعته، على مسافة واحدة من كل الناس مهما كان ظروفها الروحية. هنا تبدأ صورة ابن الإنسان: رأسه، رجلاه، حركاته، وجهه. وتستلهم هذه الصورة دا 10: 5-10 (رج دا 7: 9). إنه شخص عظيم بلباسه الطويل وحزامه الذهبي. إن صورة الثياب تذكّرنا بعظيم الكهنة في العهد القديم (خر 28: 4 ي؛ 39: 1 ي). فابن الإنسان هو عظيم الكهنة والمحتفل بليتورجية الميثاق الجديد (عب 4: 4- 5: 10). والثوب الطويل الذي يصل إلى القدمين يلامس الأرض. فمن أجل الأرض كلها أتمّ عمل الخلاص. نقرأ في حك 18: 24: “كان يلبس ثوباً طويلاً مزيّناً برموز العالم كله”. ويدلّ حزام الذهب على الكهنوت والملك (1 مك 10: 89) اللذين يتمتّع بهما ابن الإنسان. في هذه الرؤية، يصل سرّ الشخص إلى الكهنوت السامي “حسب مليكصادق” (عب 5: 10)، وهو سيدوم في الميثاق الجديد. وكان رَأسُه وشَعرُه أَبيَضَينِ كالصُّوفِ الأَبيَض، كالثَّلج: يستلهم يوحنا صورة ابن الإنسان الواردة في دانيال 7: “فجَلَسَ قَديمُ الأَيَّام، وكانَ لِباسُه أَبيَضَ كالثَّلْج وشَعَرُ رَأسِه كالصُّوفِ النَّقِيّ وعَرشُه لَهيبَ نار” (دانيال 7: 9).الأبيض هو لون المجد المشعّ، كما ظهر يسوع في تجليه على جبل طابور أمام التلاميذ. الشعر الأبيض يدل على عدد كبير من السنين، على الأبدية، لذا فهو “قديم الأيام”. هو أكبر وأحكم من أي شيخ مهما كانت أيامه. وهي اشارة لطبيعته الإلهية، فهو الله المتجسد. والشعر الأبيض يشير إلى الحكمة والهيبة. هو رمز للمسيح أنه أزلي حكيم ومهيب. وعَيناه كلَهَبِ النَّار: العينان تدلاّن على المعرفة. فنار النظر الإلهي تتغلغل في الإنسان وتكشف خباياه، اشارةً إلى نظرة المسيح الثاقبة، فقد كان يعرف أفكار الناس دون أن ينطقوا بها بعد ويعرف دوافعهم الداخلية. إنّ النار ترمز إلى حضور الله كما في العليقة الملتهبة (خر 3: 1 ي). رجلاه كالنحاس المصقول. النحاس هو في الواقع مزيج من فضّة وذهب. يتميّز بلمعانه. وهو ثمين جداً. ثم هو نقي بعد أن حمي في الأتون. هذا المعدن (دا 10: 6) يدلّ على ثبات الشخص وقوته. تجاه هذا، كانت رجلا التمثال في دا 2: 33 من حديد وطين (أو: خزف). هذا يدل على الضعف وسرعة العطب. أما ابن الإنسان فيتميّز بالصلابة والنقاوة. هكذا يصف حزقيال أقدام الملائكة: “وأَرجُلُها أَرجُلٌ مُستَقيمة. وأَقْدامُ أَرجُلِها كقَدَم رِجلِ العِجل، وهي تَبرُقُ مِثْلَ النُّحاسِ الصَّقيل” (حزقيال 1: 7). وصَوتُه كصَوتِ مِياهٍ غَزيرة: قد يكون يوحنا نظر إلى شاطىء الجزيرة فسمع صخب الأمواج، فأفهمته هذه الصورة تنوّع وغنى رؤية المسيح التي لا يستنفدها نظر. نتذكّر هنا صوت الله (حزقيال 43: 2): “فإِذا بِمَجدِ إِلهِ إِسْرائيلَ قد أَتى مِن جِهَةِ الشرَّق، وصَوتُه كصَوتِ مِياهٍ غَزيرَة، والأَرضُ قد تَلألأَت مِن مَجدِه”. يقتبس يوحنا كل شيء من العهد القديم ويطبقه على المسيح، لأنه مكمل لكل النبؤات وختام كل شيء. هدير مائج. موسيقى متواصلة. كل هذا يدلّ على عظمة ابن الإنسان وبهائه، فهو يشير إلى الشدة والرهبة إي إلى سلطان المسيح. بالنسبة للمؤمنين يبعث على الطمأنينة والسلام. وفي يَدِه اليُمْنى سَبعَةُ كَواكِب (أو: نجوم). رج 2: 1؛ 3: 1. فابن الإنسان متسلّط حتى على الكواكب في السماء. سلطانه يشمل الكون كله، يشمل السماء والأرض. اليد اليمنى هي يد البركة والعناية المحبّة. وهذه الكواكب هي رعاة الكنائس: “فإِنَّ الكَواكِبَ السَّبعَةَ هي مَلائِكَةُ الكَنائِسِ السَّبعْ”(1: 20)، في اشارة إلى الخادم المرسل من الله لكنيسته. كيوحنا المعمدان فهو مرسل من الرب، التي تدل عليها كلمة ملاك. هكذا يقول بولس في أعمال الرسل: “فتَنَبَّهوا لأَنفُسِكم ولِجَميعِ القَطيعِ الَّذي جَعَلَكُمُ الرُّوحُ القُدُسُ حُرَّاساً لَه لِتَسهَروا على كَنيسَةِ اللهِ الَّتي أكتَسَبَها بِدَمِه” (أعمال 20: 28). فالرعاة في يده، أحيانًا يشجعهم وأحيانًا يؤدبهم. ومِن فَمِه خَرَجَ سَيفٌ مُرهَفُ الحَدَّين: يرمز السيف إلى الكلمة بدليل ما نقرأ في أش 49: 2: “فمي جعله كسيف قاطع”. وفي حك 18: 16: “يحمل حكمك الصارم كسيف قاطع”. وفي عب 4: 12: “وكلمة الله حية فاعلة، أمضى من كل سيف له حدّان”. وقد يدلّ السيف على الروح كما في أف 6: 17: “تقلّدوا سيف الروح الذي هو كلام الله”. أما في رؤ، فالسيف يميّز الديان الذي يزيل الهراطقة والكافرين (2: 12، 16؛ 19: 15). فبعد صورة حبّ الله وعنايته (اليد اليمنى)، تتحوّل الصورة فجأة فتجعلنا أمام دينونة لا ترحم يتلفّظ بها الربّ في يوم من الأيام. حيث يظهر المسيح، تتفجّر أزمة تخلق انقساماً (جئت لألقي ناراً) وتفرض خياراً. فلا يستطيع أحد أن يتفلّت من هذا الحضور. فالسيف مسنون ومن يقاومه؟ ووَجهُه كالشَّمسِ تُضيءُ في أَبْهى شُروقِها. وجهه كالشمس. لا نستطيع أن نتحمّل بهاء ابن الإنسان وضياءه. فالأعين البشرية لا تقدر أن تنظر إلى ملء النور الإلهي. من يستطيع أن يرى وجه الله (ونوره) ويبقى على قيد الحياة. هنا نتذكّر يسوع في التجلّي (مت 17: 2)، ويضيئ وجه المؤمنين يصبح ليس كالشمس بل كالكواكب التي تعكس ضوء الشمس. هكذا يقول دانيال: “ويُضيءُ العُقَلاءُ كضِياء الجَلَد، والَّذينَ جَعَلوا كَثيراً مِنَ النَّاسِ أَبْراراً كالكَواكِبِ أَبَدَ الدُّهور” (دانيال 12: 3). فالمؤمن يصبح كالكوكب المنير متى رد آخرين إلى البر. كما نتذكر تمجيد الأبرار في العالم الآتي (قض 5: 31: يكون محبّوك كالشمس المشرقة في بهائها). قال يسوع في نهاية مثل الزارع: “وأما الأبرار فيشرقون كالشمس في ملكوت أبيهم” (مت 13: 43). فلَمَّا رَأَيتُه ارتَمَيتُ عِندَ قَدَمَيه كالمَيْت: المسيح صوته كصوت مياه غزيرة، ووجهه كالشمس وعيناه كلهيب نار في مجد عظيم. كان هذا المجد مخفيًا في الجسد جعلت يوحنا يضع رأسه على صدره دون خوف. أظهر بعض من مجده على جبل طابور فسقط التلاميذ على وجوههم. لكن الآن أمام مجد المسيح يسقط يوحنا كالميت. فبين الله القدوس والإنسان الخاطىء إختلاف جذري، هوّة سحيقة. فأمام الله القدير والكلّي القداسة، يبدو الإنسان خليقة، وخليقة خاطئة. يبدو قريباً. من العدم. فوَضَعَ يَدَه اليُمْنى علَيَّ: فوضع يده اليمني، التي يمسك بها السبع كواكب (بالرعاة والخدام) على يوحنا مشجعًا له،لن نتساءل ببلاهة: أين يضع الكواكب في ذلك الوقت. نحن لسنا أمام صورة مرسومة، بل أمام مدلول لاهوتي يدلّ على تعطف الله وحنانه على يوحنا وعلى كل واحد منا. فيقول ليوحنا: ” لا تَخَفْ، أَنا الأَوَّلُ والآخِر، أَنا الحَيّ. كُنتُ مَيتًا وهاءَنَذا حَيٌّ أَبَدَ الدُّهور“. هذا ما يعزي المؤمنين كنت ميتًا ولكني حيًا إلى الأبد. الذي يرعانا هو الله الحي إلى أبد الأبدين، رب الحياة، معطي ومصدر الحياة. وهذا مقارنة بالآلهة في تلك الأيام، كان الاضطهاد أن يسجد المسيحيون إلى الآلهة كالأباطرة من البشر. هنا المسيح يعلن أنه الحي الذي بيده مفاتيح الموت ومثوى الأموات. أي أنه لديه السلطان على الموت والأقامة من بين الاموات فمن معه مفتاح الأبواب وحده يسمح للبعض أن يدخل او يخرج. أن يدخل إلى الموت وأن يخرج من الموت. في يوحنا يقول: ” فتَأتي ساعةٌ فيها يَسمَعُ صوتَه جَميعُ الَّذينَ في القُبور فيَخُرجونَ مِنها أَمَّا الَّذينَ عَمِلوا الصَّالحات فيَقومون لِلحيَاة وأَمَّا الَّذينَ عَمِلوا السَّيِّئات فيقومونَ للقضاء”.(يوحنا 5: 28- 29). يكرر يوحنا صفات يسوع عند حديثه مع الكنائس، فيخاطب أفسس قائلا: “إِلَيكَ ما يَقولُ الَّذي يُمسِكُ بِيَمينِه الكَواكِبَ السَّبعَة” أما كنيسة إزمير فيقول: “إِلَيكَ ما يَقولُ الأَوَّلُ والآخِر، ذاكَ الَّذي كانَ مَيتًا فعادَ إِلى الحَياة”، ولكنيسة رغامس: “إِلَيكَ ما يَقولُ صاحِبُ السَّيفِ المُرهَفِ الحَدَّين” وهكذا ليدل على صفات الرب القائم والديان. الله قاسٍ لا يدرك للإنسان المتكبّر (برج بابل) ولكنه يفتح قلبه للمتواضعين. في يوم الدينونة، الله هو القاضي الرهيب. وفي زمن المحنة والإضطهاد، هو الراعي الصالح في جماعته، هو الإنسان الذي يسحرنا بحنانه. حين يقنط الإنسان وتخور قواه، يحسّ بيد الله تعزّيه وتسانده. فحبّ الله ليس فكرة مجرّدة ولا مفهوماً فلسفياً. حبّ الله تجسّد في المسيح وحلّ في قلب البشر لكي يستطيع البشر أن يقتربوا من عمق قلب الله وحياته الحميمة. هذا هو أول إعلان للمسيح وهو يفتتح الرؤيا ويعدّ يوحنا ليسمع الأمر بالكتابة. هذا الإعلان يبرز طبيعة ومدلول سيادة المسيح على الكنائس. هو ديّان كلّي القدرة وكلّي الرؤية. ولكنه قبل كل شيء ذاك المنتصر على الموت، ذاك الذي يُحيي ويعطي الحياة. فمع قيامة المسيح بدأ فداء الكون كله. فكانت لنا الحياة جميعاً وتجلّى الكون بانتظار أن يصبح أرضاً جديدة وسماء جديدة.