Click to enlarge
15/05/2019
الدخول إلى العمق (11): السباحة في نهر الله : كتبه: الأب مراد مجلع
بلغت المياه إلى الحقوين، وتمارس ضغطًا شديدًا على الراغب في الدخول إلى العمق في العلاقة مع الله. يعاني الإنسان في هذه المرحلة من صعوبة القرار لأن مطالب بأن يثق في كلمة الله التي تدعوه إلى الدخول إلى العمق. كلمة تبدو في كثير من الأحيان غريبة وصعبة التحقيق ولا تتناسب مع قدراته. هكذا كانت دعوة الأنبياء وذكرنا في لقاءنا السابق النبي إرميا الذي صرخ، تحت ضغط صعوبة القرار، بأن يكون نبى الله قائلا: “«آهِ ايُّها السَّيِّد الرَّبّ هاءنَذا لا أَعرِفُ أَن آتكلَمَ لِأَنِّي وَلَد». تأملنا في موقف رجلين أحدهما وثق في كلمة الله التي بدأت غريبة: خادم الملك الذي عاد إلى بيته البعيد وهو لا يحمل سوى كلمة يسوع: “”اَبنَكَ حيٌّ”. آمن بكلمة يسوع وانتظر أن يرى فاعليتها لذا سأل عن التوقيت الذي تم فيه شفاء وحيده: “فتَذكَّرَ الأبُ أنَّها السّاعةُ التي قالَ فيها يَسوعُ: «اَبنُكَ حيُّ». فآمَنَ هوَ وجميعُ أهلِ بَيتِهِ” (يوحنا 4: 53). أما رفيق رحلتنا، القديس بطرس، فقد وثق لفترة، لكنه عاد ففكر في نفسه، اخترقه العالم والشيطان فظل مترددًا على الغوص في علاقته مع يسوع. وبالرغم من كل المميزات التي تمتع بها، إلا أنه: “وتَبِعَه بُطرُسُ عن بُعدٍ” (مرقس 14: 54). تبع يسوع عن بعد، كانت هناك هوة بين ما يقوله وبين ما يعمله في الحياة،. هو أتبع الرب “من بعيد”، يغمر جسده حتى الحقويين فقط، ولا يرغب في أن يسلم ذاته كليًا، لا يرغب في أن يثق تمامًا بيسوع ويترك نفسه ليحمله الماء دون مقاومة. الدخول إلى العمق هي أن تكون حياتك محزومةٌ في حُزمَة الحياة مع الرب إلهك، مثلما كان داوود بالرغم من أخطائه الكبيرة. فطول حياته بقي أمينًا أن يحارب حروب الرب ولم يحارب لنفسه أبدًا. وعندما سقط في تجربة الفكرة أن يحارب لأجل نفسه، أرسل الله إليه إَبِيجايل، زوجة نابال، لتُعيد إليه صوابه. الدخول إلى العمق هي أن تكون مع الله ويكون معك، تثق في كلمته التي نطق بها ودعاك إلى خدمته.  لم يخطئ الله في اختيارنا، فهو عالم بضعفنا وهشاشتنا، ولن يغير رأيه أبدًا، فهو أمينٌ: “وإذا كُنا خائِنينَ بَقِيَ هوَ أمينًا لأنَّهُ لا يُمكنُ أنْ يُنكِرَ نَفسَهُ” (2 تيموثاوس 2: 13). المشكلة هي في قلب الإنسان المتقلب والغير ثابت المرحلة الرابعة : السباحة في النهر هي مرحلة كمال العمق الروحى والتي يشعر الإنسان وكأنه محمولاً بالروح القدس هو يسيره حسبما يشاء. هي كمال العلاقة مع الله. يصل المؤمن لهذه المرحلة من العمق بعد أن يأخذ قرار حياتي بأن: “يترك نفسه لتحمله المياه“. من أراد السباحة في المياه عليه أن يترك جسده للماء الذي يحمله فيطفو على سطح المياه المقدسة، كما أشرنا إلى نبؤة أشعيا التي فيها يُظهر الرب مجده وعظمته فلا يسير قارب بمقذافٍ ولا يعبرها مركبٌ عظيمٌ:- أشعيا 33 : 21- 22 “حَيثُ الرّبُّ يُظهِرُ عَظمَتَهُ، وحَيثُ الأنهارُ والضِّفافُ الواسِعةُ، لا يسيرُ فيها قارِبٌ بمِقذافٍ ولا يَعبُرُها مَركبٌ عظيمٌ، لأنَّ الرّبَّ حاكِمُنا ومُشتَرِعُنا، ومُخلِّصُنا هوَ ومَلِكُنا” خسارة النفس كيف يترك الإنسان نفسه لتحملها المياه الغزيرة؟  لنعود لموقف بطرس حينما عاتب الرب يسوع على تصريحه بموته الوشيك:- مرقس 8: “31وبَدأَ يُعَلِّمُهم أَنَّ ابنَ الإِنسانِ يَجِبُ علَيه أَن يُعانيَ آلاماً شديدة، وأَن يرْذُلَه الشُّيوخُ وعُظماءُ الكَهَنَةِ والكَتَبَة، وأَن يُقتَل، وأَن يقومَ بَعدَ ثَلاثةِ أَيَّام. 32وكانَ يقولُ هذا الكلامَ صَراحةً. فانفَرَدَ بِهِ بُطرُس وجَعَلَ يُعاتِبُه. 33فالتَفَتَ فَرأَى تَلاميذَه فزَجَرَ بُطرسَ قال: «إِنسَحِبْ ! وَرائي ! يا شَيطان، لأَنَّ أَفكارَكَ لَيسَت أَفكارَ الله، بل أَفكارُ البَشَر». 34ودَعا الجَمعَ وتَلاميذَه وقالَ لهم: «مَنْ أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ وَرَائِي فَلْيُنْكِرْ نَفْسَهُ وَيَحْمِلْ صَلِيبَهُ وَيَتْبَعْنِي. 35فَإِنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُخَلِّصَ نَفْسَهُ يُهْلِكُهَا، وَمَنْ يُهْلِكُ نَفْسَهُ مِنْ أَجْلِي وَمِنْ أَجْلِ الإِنْجِيلِ فَهُوَ يُخَلِّصُهَا. 36لأَنَّهُ مَاذَا يَنْتَفِعُ الإِنْسَانُ لَوْ رَبِحَ الْعَالَمَ كُلَّهُ وَخَسِرَ نَفْسَهُ؟ 37وماذا يُعطي الإِنسانُ بدلاً لِنَفسِه؟ “وبَدأَ يُعَلِّمُهم” هكذا يبدأ هذا الحدث، بالرغم من أن يسوع قد بدأ حياته العلنية منذ سنوات، وعلم في كل المدن والقرى! إلا أن مرقس أراد أن يُظهر أهمية التعليم الذي سيقوله المسيح فهو خاص بـ “النفس البشرية”. تكلم المسيح أولاً عن نفسه هو، باعتبارها النموذج الأمثل للنفس البشري فقد خلقت على صورته، وليكشف ماذا يعنى أن يكون الإنسان إنسانًا. قال إن هذه النفس ستعاني آلامًا شديدة، وتدخل في صدام عنيف مع الشيوخ والكتبة، أعدى أعداء النفس البشرية كرجال الدين والكتبة، وسيقتلونه. لكن هناك خبر رائع أن هذه النفس لا يمكن أن تموت. تتألم نعم، لكنها حتما ستقوم. النفس بحسب فكر الله لن تموت. كانت صدمة كبيرة للتلاميذ ولبطرس الذي لم يقبل بأن يتعرض المسيح للآلام والموت فعاتب يسوع بشدة على تصريحه هذا. غضب الرب من بطرس، بصورة لم تصدر منه عندما أنكره بطرس، وقال له: “«إِنسَحِبْ ! وَرائي ! يا شَيطان، لأَنَّ أَفكارَكَ لَيسَت أَفكارَ الله، بل أَفكارُ البَشَر». كيف نفهم ردة فعل المسيح الغريبة عن طبيعته المسالمة والمحبة؟ في دلالة قوية يقول مرقس (الذي أهتم بأفعال يسوع ونظراته أكثر من بقية الإنجيليين) عبارة مهمة للغاية: “فالتَفَتَ فَرأَى تَلاميذَه فزَجَرَ بُطرسَ” قبل أن يعنف بطرس على كلامه، صمت يسوع للحظة والتفت إلى تلاميذه، كأنه يقول لبطرس: “تريدني أن لا أموت، فمَن يخلص هؤلاء إذا لم أذهب حتى الصليب. اذهب عني يا شيطان، أنت لا تفكر في الآخرين يا بطرس، أنت تتكلم بلسان الشيطان الذي يريد أن يذبح ويهلك هؤلاء، أما أنا فقد جئتُ لكي تكون لهم الحياة الأبدية، اذهب عني يا شيطان”. للأسف تأثر بطرس بالسقوط والعالم والشيطان، فالخطيئة جعلته يدور حول نفسه ويستقل عن إلهه، فلا يفكر فيما يفكر فيه الله. لم يعد الله يقود خطواته، فهو يقود نفسه، يفكر بثقافة العالم الذي يحفز كل إنسان أن يحقق نفسه على حساب الآخرين. كان بطرس تلميذًا للمسيح لكن ما كان يحكم فكره ويُشكل ذهنه  هي الخطيئة الساكنة فيه. نحن تلاميذ المسيح المكرسون في حياة رهبانية. جاهرنا بإتباعنا للمسيح وأعلنا بوضوح أمام الكنيسة والعالم بأننا سنبقى أمناء لهذه الدعوة والعيش في عفة وطاعة وفقر. إلا أن الكثيرين ما يقود تفكيرهم ويُشكل ذهنهم، الذي به يقرأون الحياة من حولهم، هي الخطيئة الساكنة فيهم، بفكر العالم، وتنفيذًا لإرادة إبليس. هنا يكشف المسيح عن تعليمه عن النفس البشرية ومتى تحقق ذاتها وكمالها. “التبعية اختيار أما حمل الصليب ليس اختيار”. من أراد أن يأتي ورائي (هنا حرية اختيار الإنسان، فيقول المسيح مَن أراد بحريته الكاملة أن يأتي ورائي). ليس هناك اجبار على أن يكون الإنسان تلميذًا للمسيح. إما إذا قبل الإنسان أن يصير تلميذًا فلابد له أن يحمل الصليب، أن تكون أفكاره هي أفكار المسيح، رغباته هي رغبات المسيح، مشاعره هي مشاعر المسيح، توجهاته هي توجهات المسيح. كما بذل المسيح ذاته على الصليب لأجل خلاص العالم، هكذا التلميذ عليه أن يضحي بحياته. إذا قبل الإنسان أن يكون تلميذًا فعليه أن يقبل شروط التلمذة فهي ليست اختيارية. خلاص النفس هنا يصل المسيح لقلب تعليمه بقوله: “مَنْ أَرَادَ أَنْ يُخَلِّصَ نَفْسَهُ يُهْلِكُهَا، وَمَنْ يُهْلِكُ نَفْسَهُ مِنْ أَجْلِي وَمِنْ أَجْلِ الإِنْجِيلِ فَهُوَ يُخَلِّصُهَا “. يبدو الكلام متناقضًا فالذي يرغب في خلاص نفسها سيهلكها، أما الذي يهلك نفسه يخلصها. يضع المسيح طريقة غريبة لخلاص النفس وهو اهلاكها. يحتاج الإنسان أن يهلك نفسه لأجل أن يخلصها. ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه. النفس هي أثمن من العالم، وقد تجسد المسيح لأجل خلاصها: “لأَنَّ ابنَ الإِنسانِ لم يَأتِ لِيُخدَم، بل لِيَخدُمَ ويَفدِيَ بِنَفْسِه جَماعةَ النَّاس” (مر10: 45). ماذا نقصد بالنفس؟ جوهر الإنسان المخلوق على صورة الله والذي يُشكل وعيه ويحيي جسده. مشاعره، رغباته، أفكاره، معتقداته، إرادته الحرة. وإذا غاب وعي الإنسان تعطلت كل هذه الامكانيات التي تعبر عن جوهر الإنسان الفريد وسط الآخرين والمميز جدًا ولا يمكن تكراره. هلاك النفس: عندما يعلن الرب: “مَنْ أَرَادَ أَنْ يُخَلِّصَ نَفْسَهُ يُهْلِكُهَا” فلا يعنى حرقها أو تدميرها لأن النفس البشرية شيء غير مادي قابل للتحلل والفساد والدمار. هلاك النفس هنا يعني تعطيل تلك الامكانيات العظيمة المخلوقة على صورة الله من حيث المشاعر والفكر والرغبات والمعتقدات والإرادة الحرة. فهي نفس محطمة لا تنمو ولا تحقق وظيفتها وقصد الله بخلقها على صورته في الحياة. تجسد الرب يسوع لأجل خلاص وفداء نفوس البشر: “ويَفدِيَ بِنَفْسِه جَماعةَ النَّاس” (مر10: 45). الفداء هنا هي استرجاعها واستردادها لتلك الصورة عينها التي خلقت عليها منذ البدء. استرداد النفس لتعيش في مناخ معين وبفكر خاص، وحب لا محدود وامكانيات تتفجر لصالح الآخرين كما أراد الخالق منذ البدء. نكران النفس: “مَنْ أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ وَرَائِي فَلْيُنْكِرْ نَفْسَهُ وَيَحْمِلْ صَلِيبَهُ وَيَتْبَعْنِي“. النكران هنا ليس الإختفاء والتواري وتزيل الصفوف كما يعتقد البعض. كان يسوع في المقدمة دومًا، مقاتلا ومصارعًا لأجل نشر الملكوت حتى بذل دمه على الصليب. من الحماقة أن نقلل من قدر النفس البشرية التي مات المسيح لأجل خلاصها. إن انكار النفس بالتقليل منها يخفي كبرياء دفين في القلب، فالإنسان في هذه الحالة يريد أن يجذب الانتباه إليه من خلال نكرانه المبالغ فيه لنفسه. انكار النفس في مفهوم المسيح هنا هي أن لا تنافس الله وتسعى لبناء ملكوتك الشخصي، بل شارك الله بناء ملكوته هو: “لياتي ملكوتك” هكذا نصلي في الأبانا. انكار النفس هي أن لا يكون هناك انفصال بين حياتي الشخصية كمكرس وبين حياة الله، إن عملي ورسالتي هي أعظم مجال لإتمام عمل وقصد الله. لقد جعلنا الله في دائرة منفصلة عن دائرة الإنسان، لكنها دائرة واحدة. فصلنا عمل الله عن عملنا فأصبحت الحياة الروحية هي الوقوف عن الارتباط المُشبع والانتظار البهيج لمجئ المسيح، وننسى أن الله لم يدعونا لكي يساعدنا لكي يبني كلٍ منا مشروعه الخاص، بل دعانا لكي يشركنا في مشروعه هو: تأسيس ملكوت الله. لم يدعونا لبناء ملكوت شخصي، ولكن لكي أشترك في مشروعه من خلال حياتي ومواهبي وقدراتي ورسالتي وعملي وزواجي. كل مشاريع البشر غير مبنية على أساس وتنهار، لكن المشروع الوحيد هو مشروع الله. انكار النفس أن لا تكون النفس هي مرجعيتي، هي غرضي وغايتي في الحياة، لكن تكون النفس عاملة مع الله، وإذا أقتضى العمل أن يحمل الإنسان صليبه فسيحمله طوعًا. سيسير خلف المسيح ويرتبط به، حتى لو كانت التكلفة حمل الصليب. وقد عبّر بولس كثيرًا عن دعوة الاتّباع هذه بالقول: أَمَّا أَنا فمَعاذَ اللهِ أَن أَفتَخِرَ إِلاَّ بِصَليبِ رَبِّنا يسوعَ المسيح! وفيه أَصبَحَ العالَمُ مَصْلوبًا عِنْدي، وأَصبَحتُ أَنا مَصْلوبًا عِندَ العالَم” (غلاطية 6: 14). انكار النفس أن لا تكون مرجعية الإنسان هو نفسه، ماذا سيستفيد! بل يخدم على مثال الرب يسوع. يعمل لأجل ملكوت الله وليس لبناء ملكوته الشخصي: “فما أَنا أَحْيا بَعدَ ذلِك، بلِ المسيحُ يَحْيا فِيَّ. وإِذا كُنتُ أَحْيا الآنَ حَياةً بَشَرِيَّة، فإِنِّي أَحْياها في الإِيمانِ بِابنِ اللهِ الَّذي أَحبَّني وجادَ بِنَفْسِه مِن أًجْلي” (غلاطية 2: 20). أنت مُعطَى بالعطاء وحده يخلص الإنسان نفسه! بعطاء وبذل الذات لأجل تحقيق ملكوت الله وخدمة الإنسان يحقق الإنسان الغرض الذي من أجله خُلقت نفسه، على مثال الابن الذي: “هو الَّذي في صُورةِ الله لم يَعُدَّ مُساواتَه للهِ غَنيمَة  بل تَجرَّدَ مِن ذاتِه مُتَّخِذًا صُورةَ العَبْد …” (فليبي 2: 6- 7). إذا أردت أن لا تهلك نفسك، لا تكون مرجعية نفسك، لذا يقول بولس في البداية: “لا يَنظُرَنَّ أَحَدٌ إِلى ما لَه”، بل تعلم العطاء وبذل الذات: “بل إِلى ما لِغَيرِه”. ثم يؤكد إن هذا كان الشعور الذي في المسيح يسوع: “فلْيَكُنْ فيما بَينَكُمُ الشُّعورُ الَّذي هو أَيضاً في المَسيحِ يَسوع” (فيلبي 2: 4- 5). الذي هو في صورة الله أصبح خبزًا. ماذا يعني هذا؟ أصبح الشيء الذي يفقد خاصته تمامًا لأجل أن يعيش الإنسان آكله. ، يُهضم تمامًا ليصير أنزيمات تغذي كل عضلة وعضو في الجسد عن طريق الدم. ما هو الأهم: الذي يأكل أم الطعام؟ فالطعام، كما هو واضح، هو في خدمة الآكل، يفقد الطعام هويته الذاتية تمامًا لأجل أن يعطى كل شيء للآكل. فالطعام يصبح أنت “الآكل”. لا يوجد شيء في الحياة يُصبح نحن مثل الطعام. فالملابس هي ملكك والمنزل الذي تعيش فيه هو ملكك، لكنه يبقي دائمًا شيء منفصل عنك، لكن الطعام يفقد هويته تمامًا ليُصبح نحن، يُصبح جسدك وقوتك، يصبح حياتك. ما هي فكرتنا عن المسيح؟ المسيح هو: “هُوَ بَهاءُ مَجدِ الله وصُورَةُ جَوهَرِهِ، يَحفَظُ الكَونَ بِقُوَّةِ كلِمَتِهِ” (عبرانيين 1: 3)، فهو صورة جوهر الله، فما هي فكرتك عنه؟ هو يقول عن نفسه: هو يقول عن نفسه: “أنا الخُبزُ، أنا أعطي ذاتي تمامًا للإنسان، أفقد هويتي الذاتية لأجلك. فجسدي هو مأكل حقيقي، عطية كاملة لأجلك، أنا خادمك، أنا أقل أهمية منك، أنا فقط لأجل أن تحيا. كان لكلام المسيح واقع الصدمة على الجموع التي أكلت الخبز والسمك منذ لحظات. يقول الوحي الإلهي: “فتخَلَّى عَنهُ مِنْ تِلكَ السّاعةِ كثيرٌ مِنْ تلاميذِهِ واَنقَطَعوا عَنْ مُصاحبَتِه” (يوحنا 6: 66). رُفض المسيح لأنهم رأوا: “هذا كلامٌ صَعبٌ، مَنْ يُطيقُ أنْ يَسمَعَهُ؟”. هذه هي طبيعة الله التي خُلق على مثالها النفس البشرية. أصبح الله هو المأكل الحقيقي للإنسان: “إِذا لم تَأكُلوا جَسدَ ابنِ الإِنسانِ وتَشرَبوا دَمَه فلَن تَكونَ فيكُمُ الحَياة” (يوحنا 6: 53). يرغب الله أن يكون معنا، يُصبح قوتنا، حركتنا، طاقتنا، حياتنا. كثيرًا ما نعتقد إننا نقدم شيئًا لله، من خلال التكريس مثلا، لكن الله خبز يفقد هويته الذاتية من أجلنا. وإذا أردنا أن نكون تلاميذه علينا أن نعمل معه، وبنفس طريقته التي بها أحب العالم والإنسان، أن نعطي ذواتنا كخبز مكسور للآخرين. أن نعمل لبناء ملكوته وليس ملكوتنا الشخصي. قَدم المسيح نفسه خبزًا للبشر أجمعين، ليحيا معهم إلى الأبد. هذا هو مفهوم العطاء الذي من خلاله نحقق إنسانيتنا وذواتنا. نحن مخلوقين على صورة الله ومثاله، نشارك في عطائه الغير محدود من خلال عطائنا بعضًا لبعض. لذا يُصبح القداس الإلهي مجرد احتفال طقسي، أو تقليد متجذّر، فرض إلهي تفرضه العبادة، ما لم يقودنا إلى عطاء الذات للآخرين، على مثال يسوع. السباحة في نهر الله نعود إلى رؤية حزقيال النبي: “فقاسَ أَلفَ ذِراعٍ وعَبَرَ بيَ المِياه”(كان حزقيال مفعول به وليس فاعل). الدخول إلى العمق لا يستطيع أن يفعله الإنسان وحده، بل الله هو الفاعل الذي يعبر بالإنسان من عمقٍ إلى عمق في العلاقة معه. لا يوجد شخص سطحي يفهم إنه سطحي، إذا فهم فإن هذا دليل على دخوله إلى العمق. يقودنا الله إلى مزيد من العمق، مرحلة بعد مرحلة، حتى نصل لأن نكون، على مثاله، خبزًا مكسورًا للآخرين. عندما نشارك الله في مشروعه الخلاصي هذا، ونهلك أنفسنا في عطاء متجدد ودائم، فإننا نخلصها. كل مرحلة تحمل ألمٍ للإنسان لأنه ينكشف أمام نفسه. لقد فشل بطرس 7 مرات في الكتاب لكنها كانت ضرورية لينتقل من عمقٍ إلى آخر حتى يصل إلى قمة الألم في نكراه للمسيح أمام جارية. أكد بطرس مرارًا عدم تخليه عن يسوع حتى لو تركه الجميع، لكنه انكره في ثلاث مناسبات، وفي الأخيرة: “فخَرَجَ مِنَ الدَّارِ وبَكى بُكاءً مُرًّأ” (لوقا 22: 62). لم يفهم بطرس أن الله أراد تنقيته تمامًا، أراد تعليمه أن خلاص نفسه في إهلاكها، في تقدمتها لله، في العمل مع الله في مشروعه لبناء الملكوت. ذاك الخائف من جارية، خرج يوم العنصرة ليعلن: “فَلْيَعْلَمْ يَقينًا بَيتُ إِسرائيلَ أَجمَع أَنَّ يَسوعَ هذا الَّذي صَلَبتُموه أَنتُم قد جَعَلَه اللهُ رَبًّا ومَسيحًا” (أعمال 2: 36). هل نترك ذواتنا للسباحة في نهر الله الصافي؟ هل لدينا الاستعداد لبذل الذات، لاهلاك أنفسنا، لانكارها بأن لا نكون مرجعية أنفسنا، بل نشارك الله في بناء ملكوته على الأرض؟ هل لدينا الاستعداد أن نهلك أنفسنا بأن نصير على مثال المسيح خبزًا للآخرين؟ هل نسمح لله أن يعبر بنا، من مرحلة إلى مرحلة، أن ينقينا من التمركز حول ذواتنا، كما فعل مع بطرس؟