Click to enlarge
14/05/2019
الدخول إلى العمق 10: الوثوق بالكلمة :كتبه: الأب مراد مجلع
في لقاءنا السابق تناولنا المرحلة الثانية للدخول إلى العمق في العلاقة مع الله. هي مرحلة الانتباه والإصغاء لحضور الله الكامن في الإنسان، والانتباه لكل ما هو غير الله في النفس البشرية.  لا يمكن للإنسان الدخول إلى عمق ذاته واكتشاف الحضور الإلهي داخله ما لم يعزل نفسه عن الجموع، كما فعل يسوع. هي مرحلة السكون والوحَدة مع الله. هي مرحلة الابتعاد عن البر حيث تخفت أصوات الجموع المتزاحمة على الشاطئ ويكون الإنسان وحيدًا مع الله. تبلغ المياه إلى ركبتيه، لقد بدأ يتذوق حلاوة العلاقة معه. إلا إن مقاومة التيار لقدميه تزداد صعوبةً، فيجد مشقة الوقوف على قدميه وسط المياه التي تشده إلى مزيد من العمق، ويصارع عدم العودة مرة أخرى إلى الأرض الثابتة حيث تنتظره الجموع على الشاطئ، حيث الانشغالات المعتادة حتى في مجال الكرازة والرسالة. هي مرحلة الرجوع إلى النفس، فالصمت هو التسبيح لله (مزمور 65). ويأتي هذا بتهدئة النفس وإسكاتها (مزمور 131) مثل المفطوم في حضن أمه، مترقبًا ماذا يقول له الرب. يقف منتبهًا على حصنه، حريصًا على تسجيل تلك الخبرات الروحية  “واَنْقُشْها على الألواحِ حتى تَسهُلُ قِراءَتُها” ويصبح الصمت حديث ودي مع الرب. يحتاج إلى فترة الهدوء لكي يستطيع اتخاذ قراره. المرحلة الثالثة: المياة إلى الحقوين المرحلة الثالثة هي أصعب مراحل الغوص في العلاقة مع الله، فيها تغمر المياه الجسم البشري حتى الوسط، حتى الحقويين، فيها يعجز الإنسان على أن يثبت قدميه على الأرض فالمياه ترفعه، عليه أن يغامر بالعوم، أن يثق في إن المياه سترفعه كليًا. هي مرحلة القرار ، والتي فيها يُدْعىَ الإنسان لأن يهزم الخوف ويثق بكلامة الله الذي يدعوه إلى مزيد من العمق. إذا لم يثق المدعو بكلمة الله هذه فإنه سيرجع مرة أخرى إلى الشاطئ. الضغط على الحقوين في الكتاب هو تشبيه يدل على الضغط الشديد الذي يتعرض له الإنسان، كما في مزمور 66: “لأَنَّكَ جَرَّبْتَنَا يَا اللهُ. مَحَصْتَنَا كَمَحْصِ الْفِضَّةِ. أَدْخَلْتَنَا إِلَى الشَّبَكَةِ. جَعَلْتَ ضَغْطاً عَلَى مُتُونِنَا” (مزمور 66: 10- 11). يعاني الإنسان الضغط الشديد عند اتخاذه للقرار، لأن مطالب بأن يثق في كلمة تبدو غريبة، لا تتناسب مع قدراته، هكذا يصرخ إرميا بعد أن سمع كلمة الرب إليه: “«آهِ ايُّها السَّيِّد الرَّبّ هاءنَذا لا أَعرِفُ أَن آتكلَمَ لِأَنِّي وَلَد». فقالَ لَيَ الرَّبّ: لا تَقُلْ: «إنِّي وَلَد» فإنَّكَ لِكلِّ ما أُرسِلُكَ لَه تَذهَب وكُلَّ ما آمُرُكَ بِه تَقول” (إرميا 1: 6- 7). لنتأمل في موقفين لرجلين أحدهما وثق في كلمة الله التي بدأت غريبة لكنه تراجع. أما الثاني فوثق إلى النهاية. بطرس الأول هو رفيق رحلتنا في هذه الرياضة، بطرس! فبعد معجزة الخبز والسمك الأولى، ركب التلاميذ السفينة إلى الشاطئ المقابل حتى يصرف الرب يسوع الجموع. ولما صرفهم صعد الجبل ليصلي في العزلة حتى المساء. ابتعدت السفينة عن البر، والريح كانت شديدة والأمواج مرتفعة: متى 14: 26فلَمَّا رآه التَّلاميذُ ماشِياً على البَحْر، اِضطَرَبوا وقالوا: «هذا خَيَال!»ومِن خَوفِهم صَرَخوا. 27فبادَرهم يسوعُ بِقَولِه: «ثِقوا. أَنا هو، لا تَخافوا!» 28فأَجابَه بُطرس: «يا رَبِّ، إِن كُنتَ إِيَّاه، فمُرني أَن آتِيَ إِلَيكَ على الماء». 29فقالَ لَه: «تَعالَ!»فنَزَلَ بُطرُسُ مِنَ السَّفينَةِ ومَشى على الماءِ آتِياً إِلى يسوع. 30ولكِنَّه خافَ عندَما رأَى شِدَّةَ الرِّيح، فَأَخَذَ يَغرَق، فصَرَخ: «يا رَبّ، نَجِّني!» 31فمَدَّ يسوعُ يَدَه لِوَقْتِه وأَمسكَه وهُو يقولُ له: «يا قَليلَ الإِيمان، لِماذا شَكَكْتَ؟» 32ولمَّا رَكِبا السَّفينةَ، سَكَنَتِ الرِّيح، 33فسجَدَ لَه الَّذينَ في السَّفينةِ وقالوا: «أَنتَ ابنُ اللهِ حَقّاً !» كان طلب بطرس بأن يمشي على الماء غريبًا، فهو صياد محترف، يجيد السباحة، ويعرف جيدًا إنه ليس بإمكانه أن يمشي على الماء. وثق بطرس في كلمة الرب “الغريبة” بأن يمشي على الماء. سار بطرس عدة خطوات، لكنه خاف عندما رأى شدة الريح، خاف لأنه نظر في الأسفل ليرى قدميه ففقد التواصل البصري مع يسوع فأخذ يغرق. وثق بطرس لفترة وجيزة في أن يتبع كلمة الرب، ثم فكر في نفسه: كيف له أن يمشي على الماء؟ فسقط!! خادم الملك يوحنا 4: 46 “فَجَاءَ يَسُوعُ أَيْضاً إِلَى قَانَا الْجَلِيلِ، حَيْثُ صَنَعَ الْمَاءَ خَمْراً. وَكَانَ خَادِمٌ لِلْمَلِكِ ابْنُهُ مَرِيضٌ فِي كَفْرِنَاحُومَ. 47 هَذَا إِذْ سَمِعَ أَنَّ يَسُوعَ قَدْ جَاءَ مِنَ الْيَهُودِيَّةِ إِلَى الْجَلِيلِ، انْطَلَقَ إِلَيْهِ وَسَأَلَهُ أَنْ يَنْزِلَ وَيَشْفِيَ ابْنَهُ لأَنَّهُ كَانَ مُشْرِفاً عَلَى الْمَوْتِ. 48فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «لاَ تُؤْمِنُونَ إِنْ لَمْ تَرَوْا آيَاتٍ وَعَجَائِبَ» 49قَالَ لَهُ خَادِمُ الْمَلِكِ: « يَا سَيِّدُ، انْزِلْ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ ابْنِي». 50قَالَ لَهُ يَسُوعُ: «اذْهَبْ. اِبْنُكَ حَيٌّ». يتقابل يسوع مع خادم للملك في كفرناحوم. سافر الرجل مسافة 32 كيلومتر، لأجل أن يرى يسوع الذي سمع عنه كثيرًا، يطلب معجزة من يسوع: “وَسَأَلَهُ أَنْ يَنْزِلَ وَيَشْفِيَ ابْنَهُ لأَنَّهُ كَانَ مُشْرِفاً عَلَى الْمَوْتِ”. يرفض المسيح القيام بالمعجزة. فالمعجزات لا تفيد شيئًا في حياة الإيمان. إذا لم يتغير القلب لن يتغير شيئًا أبدًا. قال يسوع كلمة واحدة للرجل: هل تثق بي؟، هل تثق بكلمتي؟ “اَذهَبْ! اَبنُكَ حَيُّ”. فآمَنَ الرَّجُلُ بِكلامِ يَسوعَ وذهَبَ إلى كَفْرناحومَ. جاء الرجل ليسوع ليقنعه بأن ينزل معه إلى كفرناحوم ليشفى ابنه، إلا أن يعود إلى منزله وحيدًا، ولا يملك شيئًا سوى كلمة. وثق الرجل بكلمة يسوع “الغريبة”، فكيف لكلمة نطق بها أن تشفى مريضًا في بلدة بعيدة؟! في مسيرة عودته، يتلاقي مع خدمه الذين يكررون ذات كلمة يسوع: “اَبنَكَ حيٌّ”. إذا كان لديك طفلٌ مريض وأوشك على الموت، ويُخبرك أخرين بأنه تعافى، فما هو أول تصرف تقوم به؟ بالطبع تسرع لرؤية الطفل حتى تطمئن عليه. لكن الرجل يسأل سؤالا غريب: “متى تَعافى؟”. يُظهر السؤال إن هناك شيء أكثر أهمية يبحث عنه الرجل، أراد أن يتأكد من إن الشفاء تم في التوقيت الذي نطق فيه يسوع بكلمته. الفرق بين موقف الرجلين ما الفرق بين موقف كل من بطرس وخادم الملك؟ الأول: “فكر في نفسه”.. بالرغم من أن بطرس له وضع مميز وسط التلاميذ، وكان في الغالب يتكلم باسم الآخرين عندما تألّم يسوع لعدم فهم الجموع له بعد عظة “خبز الحياة” فسأل: ” أَفلا تُريدونَ أَن تَذهبَوا أَنتُم أَيضاً؟” كان جواب بطرس حاسما: ” يا ربّ، إِلى مَن نَذهَب وكَلامُ الحَياةِ الأَبَدِيَّةِ عِندَك؟” (يوحنا 6: 67-69). كان حاسمًا بالمِثل إعلان الإيمان الذي قام به، باسم الاثني عشر مرّة أخرى، قرب قيصرّية فيليبّس فأجاب بطرس يسوع الذي كان يسأل ” ومَن أَنا في قَولِكم أَنتُم؟” قائلا: ” أَنتَ المسيحُ ابنُ اللهِ الحَيّ” (متى 16: 15-16). وهذا ما دفع يسوع إلى نطق الإعلان المُهيب الذي حددّ، ولمرة واحدة، دور بطرس في الكنيسة: “وأنا أقول لك: أنت صخرٌ، وعلى هذا الصّخرِ سأبني كنيستي… وسأعطيك مفاتيح ملكوت السموات، فما تربطه في الأرض يكون مربوطًا في السماء وما تحُلُّهُ في الأرض يكون محلولا في السماء” (متى 16: 18-19). إلا أن بطرس كان يفكر في نفسه دائمًا، كان تلميذًا مميزًا، لكنه كثيرًا ما كان يخترقه روح العالم والشيطان فلا يثق تمامًا في كلام المسيح، بل يصل به الأمرَ بأن يعاتب يسوع، ويلبس ثوب المعلم، ويرفض كلام المسيح عندما أنبأ بآلامه وموته وقيامته: “فاَنفَردَ بِه بُطرُسُ وأخَذَ يُعاتِبُهُ” (مرقس 8: 32). لذا يصف الوحي الإلهي بطرس في إنجيل الآلام، وهي جملة ذكرها الإنجليون الأربعة، “وتَبِعَه بُطرُسُ عن بُعدٍ” (مرقس 14: 54). وعدَ الرب وعود كثيرة وأظهر عدم تخليه عن يسوع في بستان الزيتون وأكد عدم تخليه حتى لو تركه الجميع: “ولو عَثَروا بِأَجمَعِهم فأَنا لَن أَعثُر” (مرقس 14: 29). كانت هناك هوة بين ما يقوله وبين ما يعمله في الحياة، بين ما يقول إنه ملتزم به كلاميًا وبين ما يلتزم به ميدانيًا على الأرض. هوّة بين ما هو عليه وبين ما يعيشه. هو يتبع الرب “من بعيد”، يغمر جسده حتى الحقويين فقط، ولا يرغب في أن يسلم ذاته كليًا، لا يرغب في أن يثق تمامًا بيسوع ويترك نفسه ليحمله الماء دون مقاومة. الثاني: “وثق بكلمة يسوع”. بحث الرجل أولاً، قبل أن يذهب ليطمئنَ على ابنه، عن “فاعلية” كلمة يسوع. فهم الرجل إن القضية الأساسية هي “الإيمان بكلمة يسوع”، لقد نوه المسيح إن هناك طريق آخر، بديل عن المعجزات، طلب أن يؤمن بكلمته ويقبلها: “هل تؤمن أنت بكلمتي؟” “فتَذكَّرَ الأبُ أنَّها السّاعةُ التي قالَ فيها يَسوعُ: «اَبنُكَ حيُّ«. فآمَنَ هوَ وجميعُ أهلِ بَيتِهِ” (الآية 53). هل نؤمن دون علامات حسية؟ الفعل “يؤمن” في اللغة العربية يدل على الاستناد على شيء ما: “أَمِنْتُ فأَنا أَمِنٌ، وآمَنْتُ غيري من الأَمْن والأَمان. والأَمْنُ: ضدُّ الخوف. “. فالذي يؤمن يستند على شيء يبعث فيه الثقة. يثق في الله ويعتمد على عنايته، فهو الذي يرعاه, هكذا يقول المزمور 124: ” المُتَوَكِّلونَ على الرّبِّ هُم كجبَلِ صِهيَونَ، لا يَتزعزَعُ بل يثبُتُ إلى الأبدِ”. فالمؤمن هو الذي يثق بثبات في عناية الرب له، غير متزعزع، غير متقلب. انظروا مدي الغرابة فالرجل لديه مشكلة كبيرة، وهي مرض ابنه العضال، فيخرج من بيته في مسيرة طويلة لإيجاد حلٌ لمشكلته. فتعطى له “كلمة” فيؤمن بها، فيعود أدراجه واثقًا بها، فيصل إلى الإيمان الحقيقي. هو مثل أبرام الذي يتلقى كلمة: “سيكون لك ابنٌ“، فيقوم بمسيرة مع تلك الكلمة حتى يصل إلى الإيمان، بالرغم من التجربة القاسية التي تعرض لها ليتحرر من تعلقه بالابن. فالإيمان بالكلمة هو مفتاح الخلاص. خاطبك يسوع يومًا قائلاً: “اتبعني”، هو يعلم ضعفك، لكنه يثق بك. فهل تثق بكلمته؟ خلق الله الكون كله بكلمة واحدة: “فليكن نورٌ فكان نور”؛ بكلمة واحدة غير يسوع حياة القائد الروماني بطريقة جذرية. فالكلمة تغير جذريا حياة الإنسان متى قبلها ووثق بها. تقبلت مريمُ كلمة، فتتحول في أحشائها إلى يسوع، ابن الله: “طوبى لَكِ، يا مَنْ آمَنتْ بأنَّ ما جاءَها مِنْ عِندِ الرَّبِّ سيَتِمُّ” (لوقا 1: 45). مسيرة الإيمان، وهي واحدة للجميع. كلمة واحدة لمست قلوبكم وتعمل على تغيير حياتكم. فكل شخص منكم لديه كلمة يؤمن بها. آبرام كان رجلٌ كهلٌ، ليس لديه أبناء. ولديه رغبة وحيدة جامحة أن يكون لديه ولد. فتكون كلمة الله له بأن سيكون له ذريه عديدة مثل نجوم السماء. والرغبة الوحيدة الجامحة للقائد الروماني هي أن يبقي الابن على قيد الحياة. بماذا نطق يسوع؟ “ابنك حيّ”، بمعنى كل ما كنت تتمناه، ستشفى كل آلامك وأحباطاتك. الإيمان هو مسيرة تتطلب أن تثق بالكلمة التي قِيلت لك، وتبقى أمينًا لها. أن تتركَ نفسك لتحملك المياه المقدسة. أن تقبل المسيح سيدًا على الحياة، فلا تمتلك فكرا ليس فكر المسيح، رغبةً ليست رغبة المسيح، مشاعر ليست مشاعر المسيح. كلّ ما تملكه يكون له، كما عبر بولس بصدق: ” فالحياةُ عِندي هِيَ المَسيحُ” (فيلبي 1: 21). ما بين شاول وداوود الدخول إلى العمق في العلاقة مع الله وقبول المسيح سيدًا على الحياة يعنى أن يتغيير الإنسان باطنيّا ليصبح “مسيحًا آخر”. فالمسيح لا يرغب في أن يفهم الإنسان الّذي يختاره بعض الأفكار، بل أن يصبح هو عقله. لا يرغب في التأثير على إرادة الشخص بل أن يصبح إرادته. لا أن يساعد إنسانا على الحياة بصورة أفضل، بل أن يصبح هو ذاته الحياة، لأنّه هو الحياة. يختار الله “مسحاء آخرين” ليكونوا صوته وعنوان حضوره وسط عالم اليوم. لكن البعض يقبل والبعض يخشى المغامرة، فلا يترك المياه تحمله إلى حيثما لا يشاء. ما الفارق بين شاول وداوود فكلاهما مسيحا الرب؟ اختار الله شاول وهو يرعى “أتُن أَبيه”، وهو  بَنيامينِيًّا مِن أَصغَرِ أَسباطِ إِسْرائيل، وعَشيرته أَصغر جَميعِ عَشائِرِ سِبطِ بَنْيامين؟ أختاره الله ليخلص شعبه وقال كلمته له، عن طريق صموئيل: “أُرسِلُ إليكَ رَجلاً مِنْ أرضِ بنيامّينَ، فاَمسَحْهُ رئيسًا على شعبي إِسرائيلَ، فيُخلِّصَ شعبي مِن أيدي الفلِسطيِّينَ”. أخذ شاول كل الفرصة العظيمة، لكنه أنتهي به الأمر مفصول رأسه عن جسده يقول الكتاب ثلاث مرات:  “لأَنَّكَ رَفَضْتَ كَلاَمَ الرَّبِّ, فَرَفَضَكَ الرَّبُّ مِنْ أَنْ تَكُونَ مَلِكاً عَلَى إِسْرَائِيلَ”. أما داوود فقد اختاره الله كشاول، مسيحًا للرب، وهو يرعى الغنم! ولم يتخلى عنه الرب أبدًا بالرغم من أخطائه الكارثية. غفر الرب سقطاته المتكررة لأنه كان يثق بكلام الرب. عندما ذهبت أَبِيجايل لداوود، لتشد أزره وتذكره بأن لا يفقد ثقة الربّ فيه ويسفك دمًا: “28 واغفِرْ مَعصِيَةَ أَمَتِكَ، فإِنَّ الرَّبَّ سيُقيمُ لِسَيِّدي بَيتًا ثابِتًا، لأَنَّ سَيِّدي حارَبَ حُروبَ الرَّبّ، ولم يوجَدْ فيكَ سوءٌ كُلَّ أَيَّامِكَ. 29 وإِذا قامَ رَجُلٌ لِيُطارِدَكَ ويَطلُبَ نَفْسَكَ، كانَت نَفْسُ سَيِّدي مَحْزومة فِي حُزْمَةِ الْحَيَاةِ مَعَ الرَّبِّ إِلَهِكَ. وأَمَّا أَنفُسُ أَعْدائِكَ، فيَقذِفُ بِها في كِفَّةِ المِقْلاع” (1 صموئيل 25: 28- 29). تصف أَبِيجايل داوود بالشخص الذي لم يحارب لنفسه أبدًا، فكيف يرغب في سفك دم لأجل هدف شخصي (بقتله نابال زوج أَبِيجايل الذي رفض أن يعطي معونة لداوود وجيشه). تقول أَبِيجايل لا يصح أن تجلس على العرش وتتذكر إنك قد حاربت يوما لهدف شخصي، لا ترتكب هذه الحماقة، عش لأجل قضية تستحق: حياتك محزومةٌ فِي حُزْمَةِ الْحَيَاةِ مَعَ الرَّبِّ إِلَهِكَ. لقد دعاك الرب مسيحًا له، فثق أنه معك سيُقيمك ملكًا كما وعدك. الدخول إلى العمق هي أن تكون حياتك محزومةٌ في حُزمَة الحياة مع الرب إلهك، أي تكون معه ويكون معك، تثق في كلمته التي نطق بها ودعاك إلى خدمته.  لم يخطئ الله في اختيارنا، فهو عالم بضعفنا وهشاشتنا، ولن يغير رأيه أبدًا، فهو أمينٌ: “وإذا كُنا خائِنينَ بَقِيَ هوَ أمينًا لأنَّهُ لا يُمكنُ أنْ يُنكِرَ نَفسَهُ” (2 تيموثاوس 2: 13). المشكلة هي في قلب الإنسان المتقلب والغير ثابت. لماذا نفقد الثقة في “الكلمة” سمعتم جميعًا في يوم ما، وفي ساعة محددة، تلك الكلمة “اتبعني”، هل مازلتم تؤمنون بها؟ أم تم اهمالها وسط انشغالات الرسالة والحياة؟  لماذا نفقد الثقة في تلك “الكلمة”؟ في الإصحاح الثامن من إنجيل القديس يوحنا يعلن الرب للفريسيين: “«أَنا نُورُ العالَم مَن يَتبَعْني لا يَمْشِ في الظَّلام بل يكونُ له نورُ الحَياة». ثم يقول لهم: يوحنا 8: “43لِماذا لا تَفهَمونَ ما أَقول؟ لأَنَّكُم لا تُطيقونَ الاستِماعَ إِلى كَلامي.44أَنتُم أَولادُ أَبيكُم إِبليس تُريدونَ إتمامَ شَهَواتِ أَبيكم.كانَ مُنذُ البَدءِ قَتَّالاً لِلنَّاس ولَم يَثبُتْ على الحَقّ لأَنَّه ليسَ فيه شَيءٌ مِنَ الحقّ. فَإِذا تكَلَّمَ بِالكَذِب تَكَلَّمَ بِما عِندَه لأَنَّه كذَّابٌ وأَبو الكَذِب” إذا سمعنا يومًا “الكلمة” التي تدعونا إلى أن ندخل إلى العمق، أن نمشي في النور، فإنه سرعان ما يأتي إبليس ليزرع كلمة أخرى، أو أن يشكك الإنسان في كلمة الله التي سمعها بأكاذيب كثيرة. فيهوذا مثلا تم اختياره ليكون أحد الإثني عشر. يكتب الإنجيلي لوقا عنه عندما يُدرج اسمه في لائحة أسماء الرسل: “ويَهوذا الإِسخَرْيوطِيُّ الَّذي انقَلَبَ خائِنًا” (لوقا 6، 16). لم يولد يهوذا خائنًا ولم يكن خائنًا عندما اختاره يسوع ولكنه أصبح خائنًا!  فقد مع الوقت الثقة بالكلمة التي سمعها يومًا من الرب. عندما قال له: “اتبعني”!! وترك كلمة أخرى تستحوذ على تفكيره، زرعها أبليس داخله، وهي الجشع. وهذا ما حصل مع بطرس. فعلى الرغم من حماسه وغيرته ومحبّته ونظرة يسوع المسيح وتمييزه له، عندما وصل إلى وقت العطاء والتضحية والإماتة والتنازل، تنحّى جانباً. إذاً أنْ أقدّم ذاتي يعني أن أقدّم ذاتي دائماً. بطرس تعهّد باتباع يسوع إذ قال له: “إلى مَن نذهب يا ربّ وعندك كلام الحياة”. فأكّد بطرس عدم تخلّيه عنه حتى لو تركه الجميع. فقال له يسوع قبل صياح الديك ستنكرني ثلاث مرّات. غيرة بطرس رائعة ولكن وقت المحنة والشهادة حتى الإستشهاد تراجع إلى الوراء وكان يتدفأ قرب النار وأنكر يسوع في ثلاث مناسبات. لذا زجر المسيح بطرس عندما عاتبه على قوله أن سيتألم ويُقتل ثم يقوم بعد ثلاثة أيام وقال له: «إِنسَحِبْ! وَرائي! يا شَيطان، لأَنَّ أَفكارَكَ لَيسَت أَفكارَ الله، بل أَفكارُ البَشَر» (مرقس 8: 33). فإذا أردت أن تكون معي فعليك أن تعيش بتضحية وتنازل وتخلي، فابن الإنسان قد جاء ليَخدُم ويفدي الكثيرين. ثم يُكمل حديثه لبطرس والتلاميذ: ” لِأَنَّ الَّذي يُريدُ أَن يُخَلِّصَ حَياتَه يَفقِدُها، وأَمَّا الَّذِي يَفقِدُ حَياتَه في سبيلي وسبيلِ البِشارَة فإِنَّه يُخَلِّصُها” (مرقس 8: 35). إذا أردت أن تكون معي فعليك أن تتعلم التخلي عن ذاتك، لا تفكر بنفسك كثيرًا، بل عليك أن تزهد بنفسك وتحمل صليبك وتتبعني. تعلم يا بطرس أن تفقد حياتك عندئذ تُخلصها. هل تثق بكلمة الله الذي دعاك يومًا قائلا: “اتبعني”؟ هل لديك الاستعداد أن تنسى نفسك وتفقدها في سبيل المسيح والبشارة؟ هل تقيم تكون حياتك بأنها محزومةٌ في حُزمَة الحياة مع الرب إلهك؟