Click to enlarge
13/05/2019
الدخول إلى العمق (9): المرحلة الثانية كتبه: الأب مراد مجلع
بداية الدخول إلى العمق في العلاقة مع الله هي ترك الإنسان حياته ليقودها الله. في الليل كان بطرس هو قائد سفينته، وفشل فشلاً ذريعًا في إدارتها للهدف، فلم يصطاد سمكة واحدة. في الصباح سَلم قيادتها إلى المسيح، فكان الصيد الوفير. يصارع الإنسان الله في هذه المرحلة، فالمياه عند الكعبين، يرغب في أن ينمو في علاقته مع الله، لكنه يتمسك بإرادته الشخصية وبإدراته لحياته بالطريقة التي يراها. هي مرحلة الصراع لأجل تسليم الحياة كي يديرها الله، “إيلي يدير”، كما حدث مع يعقوب. تبدأ أول مرحلة عندما يكف الإنسان على ثقته الزائدة في نفسه بأنه قادر على إدراة حياته ويترك ليسوع سفيته، لكي يصبح ربّانها وقائدها. هذه هي فترة الصراع بين الإرادة الشخصية وإرادة الله. تفعيل ما نقوله في صلاة الأبانا “لتكن مشيئتك”. وفي فترة الليل والصراع لا يتخلي الله أبدًا عن الإنسان، بل يباركه ويحفظه: ها أَنا مَعكَ، أَحفَظُكَ حَيثُما اتَّجَهتَ “. إذا نجح الإنسان في تسليم حياته ليقودها الله فإن سيعرف من يكون وسيكشف له المسيح عما يكون. ففي العمق يكتشف الإنسان إنه خاطئ ويتذكر نعم الله عليه الذي دعاه إلى الوجود من العدم. وفي نفس الوقت يكشف المسيح عن نفسه له، يتكشف المسيح له، فيعرف إنه الرب ويسجد عند قدميه: “«يا ربّ، تَباعَدْ عَنِّي، إِنِّي رَجُلٌ خاطِئ». المرحلة الثانية: المياة إلى الركبتين تبدأ المرحلة الثانية للدخول إلى العمق فور إنتهاء الأولى. إدراك الإنسان لحالته كخاطئ وتذكره لنعم الله عليه الذي دعاه من العدم إلى الحياة، تدفعه إلى محاولة المزيد من الاكتشاف لسّر الله. سبق لنا أن أشرنا إلى صلاة بولس الرسول في أفسس (3: 17- 19): 17 وأَن يُقيمَ المسيحُ في قُلوبِكم بالإِيمان، 18حتَّى إِذا ما تأَصَّلتُم في المَحبَّة وأسِّستُم علَيها، حَتَّى تَسْتَطِيعُوا أَنْ تُدْرِكُوا مَعَ جَمِيعِ الْقِدِّيسِينَ مَا هُوَ الْعَرْضُ وَالطُّولُ وَالْعُمْقُ وَالْعُلْوُ، 19وتَعرِفوا مَحبَّةَ المسيحِ الَّتي تَفوقُ كلَّ مَعرِفة، فتَمتَلِئوا بِكُلِّ ما في اللهِ من كَمَال. كيف يدرك الإنسان ما هو العرضُ والطولُ والعمقُ والعُلوُ الذي لله؟ هذا لن يأتي إلا بتنمية الإنسان الانتباه والإصغاء لحضور الله الكامن في النفس البشرية، والبركات التي يُغدق بها عليه، والانتباه لكل ما هو غير الله فيه. إن مشكلة الحياة العصرية هي كوننا منشغلين إلى حد الإفراط – في البحث عن تأكيد ذواتنا في مواضع خاطئة!!  فلا نُلاحظ أنّنا مُباركين بحضور الله. ليس من السهل حقاً بالنسبة لنا، نحن المشغولين، أن نعي حضور الله فينا والاستمتاع بما يُقدم لنا من بركات. مرقس 1: “32 وعِندَ المَساء بَعدَ غُروبِ الشَّمْس، أَخَذَ النَّاسُ يَحمِلونَ إِلَيه جَميعَ المَرْضى والمَمَسوسين. 33وَاحتَشَدَتِ المَدينةُ بِأَجمَعِها على الباب. 34فَشَفى كثيراً مِنَ المَرْضى المُصابينَ بِمُخَتَلِفِ العِلَل، وطرَدَ كثيراً مِنَ الشَّياطين، ولَم يَدَعِ الشَّياطينَ تَتَكَلَّم لأَنَّها عَرَفَتهُ.  35وقامَ قَبلَ الفَجْرِ مُبَكِّراً، فخَرجَ وذهَبَ إِلى مَكانٍ قَفْر، وأَخذَ يُصَلِّي هُناك. 36فَانَطَلَقَ سِمْعانُ وأَصْحابُه يَبحَثونَ عَنه، 37فوَجَدوه. وقالوا له: «جَميعُ النَّاسِ يَطلُبونَكَ». 38فقالَ لَهم: «لِنَذهَبْ إِلى مَكانٍ آخَر، إِلى القُرى المُجاوِرَة، لِأُبشِّرَ فيها أَيضاً، فَإِنِّي لِهذا خَرَجْت». 39وسارَ في الجَليلِ كُلِّه، يُبَشِّرُ في مَجامِعِهم ويَطرُدُ الشَّياطين. في النص الإنجيلي نجد وصفًا ليوم عملي ليسوع يظهر فيه إنشغاله التام (كانشغالنا نحن في الحياة اليومية ومتطلبات الرسالة). الإضافة إلى ذلك، فبما أنه كان سيبقي في الجليل حتى اليوم التالي، وحيث إن خبره كان قد ذاع في المدن المحيطة، فنستطيع أن نتوقع أن اليوم التالي كان سيصبح مشغولاً أيضًا، تمامًا مثل الذي قبله إن لم يكن أكثر منه. هذا ما حدث في الآيات 36 و37. “إِنَّ الْجَمِيعَ يَطْلُبُونَكَ”. كان الجميع يطلبونه، علم يسوع أن يومه سيكون مشغولاً، فماذا فعل؟ استيقط مبكرًا ليصلي: ” وَفِي الصُّبْحِ بَاكِرًا جِدًّا قَامَ وَخَرَجَ وَمَضَى إِلَى مَكانٍ قَفْر، وأَخذَ يُصَلِّي هُناك”. لا يمكن للإنسان الدخول إلى عمق ذاته واكتشاف ملكوت الله داخله إلا إذا ترك أولاً إنشغالاته واهتماماته، حتى الرسولية والتبشرية كما فعل يسوع. هي مرحلة السكون والوحَدة مع الله. هي مرحلة الابتعاد عن البر حيث تخفت أصوات الجموع المتزاحمة على الشاطئ ويكون الإنسان وحيدًا مع الله. تبلغ المياه إلى ركبتيه، لقد بدأ يتذوق حلاوة العلاقة معه. إلا مقاومة التيار لقدميه أصعب، فيجد صعوبة في الوقوف وسط المياه التي تشده إلى مزيد من العمق، أو أن يعود مرة أخرى حيث الجموع تنتظره على الشاطئ، حيث الانشغالات المعتادة حتى في مجال الكرازة والرسالة.  كان المسيح يعزل نفسه عن الجموع، ويُخصص وقتًا ليصمت ويتوحد مع أبيه، وقتًا يختبر فيه حضور الله، يختبر الملكوت. لذا لا يمكن أن ندخل إلى العمق ما لم نجتهد للدخول في حالة من السكون والتفرُغ لله وحده حتى يتسنى أن يسمع الإنسان صوت الله وبركته. من أراد أن يدخل في علاقة عميقة مع الله، لا بّد له أن يدخل إلى عمق ذاته، وينعزل عن اهتماماته اليومية، ويدخل في مرحلة سكون يمتلء فيها من حضور الله. المقصود بالسكون والوَحدَة أن نكون وحدنا، لا شيء آخر معنا، لا شيء يشغلنا، لا اهتمامات آخرى، كمريم أخت لعازر عند قدمي يسوع. لقد أصاب دوستويفسكي عندما قال أن قلب الإنسان هو ميدان حرب بين الله والشيطان. فقلب الإنسان فسحة حية. القلب يرفض الفراغ. بكلمات أخرى، لا يمكنه أن يعيش دون خيار: فإما أن يختار الخير وإما أن يختار الشر. أما أن يختار الله ليملء كيانه أو يملئه بذاته. من هنا تأتي الصعوبة في العلاقة مع الله. إذا أردنا أن نُقيم معه، علينا أن نستكين وَحدنا، أن نجتهد في أن لا ننشغلا بشيء آخر.   الرجوع إلى النفس نصل إلى “السكون الصافي” في تلك الحجرة الداخلية، القلب. هذا المعنى للانطلاق كان معروفًا في الأدب النسكي لآباء الصحراء المصريين. فالراهب ليس شخصًا رجل جسديًا وخارجيًا إلى البرية، بل هو شخص قد بدأ الرحلة داخليًا، إلى داخل قلبه. ليس هو من قطع نفسه جسديًا من العلاقة بالآخرين بإغلاق باب قلايته، أو داخل أسوار ديره، بل هو هو ذلك الذي “يرجع إلى نفسه” بإغلاق باب ذهنه وأفكاره. لقد قيلت عبارة “رجع إلى نفسه” عن الابن المسرف (لو17:15)، وهذا ما يفعله الراهب الذي يحيا في “السكون”. وكما يقول القديس باسيليوس، “هو يرجع إلى نفسه؛ وهكذا برجوعه إلى الداخل، فإنه يصعد إلى الله”، وبهذه الطريقة فإن راهب الصمت هو شخص يستجيب لكلمات المسيح، ” ملكوت الله داخلكم” (لو21:17)، وهو يسعى أيضًا أن “يحفظ قلبه بكل يقظة وسهر” (انظر أم 23:4). ”فيغوص داخل نفسه، ويكتشف في داخل نفسه، السلم الذي يؤدى إلى الملكوت”. فالعزلة هي حالة خاصة بالنفس، وليست مسألة مكان جغرافي، وأن البرية الحقيقية توجد داخل النفس. أحيانًا عندما ننجح في الصمت لدقائق نُسرع في الصلاة لنملء الفراغ الذي نشعر به. ننسى إن الصلاة ليس كلام، فالله روحٌ، هي  أساسًا ليست شيئًا أعمله أنا بل هي شئ يعمله الله في”، “… لا أنا، بل المسيح” (غلا20:2). يكف الإنسان عن نشاطه الذاتي، لا لكي يكون كسولًا متراخيًا، بل لكي يدخل في فاعلية الله. فسكونه وصمته ليس فارغًا وسلبيًا. وليس فترة توقف غير مثمرة بين الكلمات، أو راحة قصيرة قبل استئناف الكلام ـ بل سكونه إيجابي بقوة: فهو موقف انتباه يقظ، هو موقف سهر، وفوق كل شئ هو موقف “استعداد”. تنشأ الصعوبات من الخوف من الصمت ذاته، الخوف من البقاء وحدنا، الخوف من الشعور بالفراغ، فنحاول أن نملئه بكثير من الكلمات والصلوات والابتهالات، في حين إن لغة الله هي الصمت، الذي من خلاله وحده يخاطب الإنسان. إن اضطراب أفكارنا يمكن مقارنته بالعاصفة التي هزّت مركب التلاميذ في بحر الجليل بينما يسوع كان نائمًا. قد نكون بلا سند مثلهم ممتلئين من القلق وغير قادرين على تهدئة نفوسنا. لكن المسيح يمكنه أن يأتي إلينا ليعضدنا ويهدّئ قلوبنا عندما تموج بالخوف والقلق كما انتهر الريح والبحر، وبعدها “كان هدوءًا عظيمًا” (مرقص 4). لنبقى ساكنين وواضعين رجاءنا في الله. في أحد المزامير يظهر الصمت على أنه أحد أشكال التسبيح. لقد اعتدنا على قراءة مزمور 65: “ينبغي لك التسبيح يا الله” بحسب ترجمة النص من اللغة اليونانية، لكن في النص العبري نقرأ: “الصمت هو تسبيح لك يا الله“. عندما تنتهي كلماتنا وأفكارنا، فإن تسبيح الله يكون في صمت ودهشة وإعجاب. تهدئة النفس وإسكاتها فبالعودة إلى المزامير نكتشف نوع من الصلاة الصامتة، دون طلبات، أو حتى تسبيح. على سبيل المثال المزمور 131 لا يوجد فيه غير الهدوء والثقة: بل أُهَدِّئْ نفْسي وأُسكِتُها مِثلَ مَفطومِ في حِضْنِ أُمِّهِ، مِثلَ مَفطومِ أُهَدِّئْ نفْسي”. أحيانًا تتحول الصلاة إلى صمت لأن الشركة والسلام مع الله يمكنهما الاستغناء عن الكلمات. “لقد هَدَّأتُ وسكَّنتُ نفسي كالطفل الفطيم مع أمه”. كالطفل الذي يشعر بالاكتفاء فيكف عن البكاء بين يدي أمه، هكذا نفسي في حضرة الله. حينئذ لا تحتاج الصلاة إلى كلمات، وربما لا تحتاج حتى إلى أفكار. فالطفل الذي لم يتعلم الكلام، يكون سعيد فقط بالنظر إلى أمه. لا نحتاج إلى الكلام، بل أن نهدئ النفس ونسكتها، نسعى إلى حالة السكون، وننظر فقط إلى الله كمفطوم في حجر أمه. يستكين الإنسان في حضن الله وحضوره ويعمل على أن يتوقف سيل الأفكار والصور والخيالات، ففي صمت القلب والكيان يكون حضور الله. عندما يصلي الإنسان الأبانا يقول: “أبانا” فهو يناجي الله كأب يخاطر بالاقتراب منه كطفل، الذي لم تكن له أي حقوق في زمن يسوع فهو مُقيد تمامًا برغبة والديه، إلا يتوقع كل شيء من الله كأب صالح، لذا لا يقلق من أي شيء، ولا تحبط عزيمته أبدًا بسبب أخطائه لأن الأطفال عادة ما يسقطون في الخطأ. أن أصلي كطفل يعني أن أصلي كأن كل شيء في حياتي يعتمد كليًا على أبي السماوي. ومن ثم لا أعود أحتاج أن أبحث عن “ملكوتك الآتي” لأنه قد أتي فيّ. تَرَّقب ماذا يقول الرب حبقوق 2: 1- 2: ” أقِفُ على مَرصَدي وأنتَصِبُ على حِصْني وأرقُبُ لأرى ماذا يقولُ ليَ الرّبُّ، وماذا يُجيبُ عَنْ شكوايَ. فأجابَني الرّبُّ: «أُكتُبْ هذِهِ الرُّؤْيا واَنْقُشْها على الألواحِ حتى تَسهُلُ قِراءَتُها” اسم حبقوق يعنى: “عِنَاق”. يعاتب الله الذي لا يسمعه وهو في حضنه، كالطفل في حضن والده، “إلى متى يا ربُّ أستَغيثُ ولا تَسمعُ؟ إلى متى أصرخُ إليكَ مِنَ الجورِ ولا تُخلِّصُ؟”. تكلم وصرخ إلى الله في شكواه من الظلم، لكنه لم يسمع صوت الله إلا عندما سَّكَنَ في حضنه. أقِفُ على مَرصَدي وأنتَصِبُ على حِصْني: في الصمت والسكون يترقب الإنسان صوت الله الذي يُسمع في القلوب، كما لو كان تدفق من الأفكار التلقائية. لقد تعلم حبقوق انه لكى يسمع في السكون الصوت الإلهى من أفكار تلقائية ومشاعر داخلية. يجب عليه أولا ان يذهب الى مكان ساكن وهادىء ليسكن افكاره وانفعالاته. وهذا ما تكلمنا عنه في النقاط السابقة. يراقب الإنسان تلك الأفكار المتدفقة التي تأتي من الله. لأن الأفكار التلقائية تأتي من مصدر تركيز الإنسان. فإذا ركز على بعض الرغبات، ستأتي الأفكار من تلك الرغبات. وإذا تم تركيزها على المسيح، ستأتي الأفكار متدفقة منه، يسمعها الإنسان ويعمل بها. ترديد الإسم الإلهي في هذه المرحلة يساعد على تدفق الأفكار التلقائية. عندما نصلي “أبانا الذي في السموات… ليأتِ ملكوتك” نبدأ القيام برحلة قاسية لن تنتهي إلى أن تبدأ الأبدية. هي رحلة قاسية لأن أبانا يرفض أن يؤجل ملكوته حتى نهاية الزمان، بل يريد أن يكون حاضرًا بالكامل، هنا والآن، فينا. لذا على الإنسان الانتباه الكامل، كمثل الحارس الذي يقف على سور المدينة، واقفًا على المرصد ليرى من يأتي من بعيد. هذا الترقب المنتبه هو الشرط الأساسي لسماع صوت الله، ونوال بركته الأبدية. “أرى ماذا يقولُ ليَ الرّبُّ”:  يفتح الله عيون قلب الإنسان ليري رؤى، ليكشف له عما يريد منه أن يفعل. فبعد أن صلى حبقوق يجاوبه الرب قائلا: “فأجابَني الرّبُّ: «أُكتُبْ هذِهِ الرُّؤْيا”. والمسيح أظهر ذلك من خلال صلاته الصامتة في أوقات أختلائه مع الآب: “لأَنَّ الآبَ يُحِبُّ الابنَ ويُريه جَميعَ ما يَفعَل وسيُرِيه أَعْمالًا أَعظَمَ فتَعجَبون” (يوحنا 5: 20). هكذا كشف الله لفرنسيس عن إرادته في حلم أو رؤية: “وفي إحدى الليالي وبينما كان نائما سمع صوتا كان يلحّ عليه بالسؤال عن وجهته. فعرض عليه فرنسيس نيّته في الرحيل إلى پوليا ليشارك في المعركة. وإذا بالصوت يزيد إلحاحا ويسأله عمّن بوسعه أن يكون ذا فائدة أكبر له السيّد أم العبد. فأجاب فرنسيس: «السيّد». فسأله الصوت: «لمَ إذن تبحث عن العبد عوض السيّد؟«أجاب فرنسيس: «ماذا تريدني أن أفعل يا رب؟». يُحادث الله الإنسان بهذه الطريقة، على مثال يوسف خطيب مريم: “وما نَوى ذلك حتَّى تراءَى له مَلاكُ الرَّبِّ في الحُلمِ وقالَ له: «يا يُوسُفَ ابنَ داود، لا تَخَفْ أَن تَأتِيَ بِامرَأَتِكَ مَريمَ إِلى بَيتِكَ. فإِنَّ الَّذي كُوِّنَ فيها هوَ مِنَ الرُّوحِ القُدُس، وستَلِدُ ابنًا فسَمِّهِ يسوع” (متى 1: 20). وفي أحيان أخرى يفتح الرب بصائر (عيون) القلب ليكشف إرادته للإنسان: وأنْ يُنيرَ بَصائِرَ قُلوبِكُم لِتُدرِكوا إلى أيِّ رَجاءٍ دعاكُم وأيَ كُنوزِ مَجدٍ جَعَلَها لكُم ميراثًا بَينَ القِدِّيسينَ (أفسس 1: 18). تنفتح عيون القلب فيكتشف إنه “محبوب ومُختار منذ البدء ومُبارك من الله”. يُنير الله بصائر قلب الإنسان ليدرك لأي رجاء دعاه، وأي ميراث أعده له. يكتشف إن الله يتدخل في حياته بطريقة عجائبية ويقوده إلى ذلك المجد الذي أعده له. “واَنْقُشْها على الألواحِ حتى تَسهُلُ قِراءَتُها“: طلب الرب من حبقوق أن يسجل الروية وينقشها على لوح. فكل الكتاب المقدس تم بهذه الطريقة، كالمزامير مثلا. عملية التسجيل اليومي هي لا غنى عنها لتمييز صوت الرب بوضوح. وكتابة الخبرة الروحية، كالقديس تريزا للطفل يسوع، لا تأتي مباشرة، بل بعد فترة طويلة من الوقت، بعد أن يتم تمييزها، واختبارها إنها متوافقة مع كلمة الله. مع ملاحظة إن الأمر يأتي تلقائيًا، فلا نأخذ الأمر جديًا فوق المعتاد، لئلا نكون مشدودين وسيفتقد الإنسان روح الألهام. كل علم أو فن يتطلب شروطًا صعبة وجادة لإكتسابه، فالفنان يخضع لساعات طوال للتدريب المستمر والمتكرر لأجل  أن يكتسب تقنيه أو مهارة أو صناعة خاصة لفنه. هكذا الصمت والصلاة تتطلب الجدية للحصول على مهارة تسمح للشخص بامتلاك فن الصمت في الصلاة لسماع صوت الله. فالصلاة  الصامتة تحتاج الى الجدية عن طريق أعمال مناسبة وموافقة حتى يتسنى للإنسان الوصول الى أن يكون أبنًا للصلاة الصامتة، وأن يجيد فنها. علينا أن نتواضع وأن نقر بصعوبة الدخول فى حياة الصمت والأصغاء الحقيقي، وأن كان ليست بمستحيل. فالإقرار بالصعوبة لايعنى استحالتها كما أنه لايترك مجالًا للتساهل أو التهاون. ومما يزيد من صعوبة الدخول فى حياة الإصغاء هو صعوبة المشاغل والمشغوليات المتراكمة والمتزاحمة الموجودة فى كيان الإنسان على عقله أثناء صمته في الصلاة، وبالتالى يتطلب مجهودًا كبيرًا من المصلى لكى يتجاوز هذه التجربة ويركز فيها بإمعان. فإذا ضعف الإنسان المصلى أمام هجوم مجموعة الأفكار عليه أثناء الإصغاء في صلاته، ولم يستطيع أن يتصدى لها، عليه أن يقدم مثل هذه الافكار كمادة صلاة إلى الآب السماوى، باسم الابن الحبيب يسوع المسيح. وسوف نرى أن الروح القدس يتقبل هذه الصلاة كهدية من المؤمن، ويعمل على تحقيقها، فإذا كانت هناك أفكارًا للنجاسة أو للشر، قام الروح القدس بعمليه تطهير للذهن وللقلب من هذا الشر، واذا كانت رغبات مقدسة وطموحات تبغى الفائدة العامة، ينهض الروح القدس لمساعدة المصلى على تحقيقها. “التأمل هو حوار صداقة… نجريه غالبًا على انفراد مع مَن نعرف أنه يحبنا”  (القديسة تريز الآفيلية( في التأمل يصبح الحديث صامتًا ويتحوّل إلى نوع من الانتباه الودّي نحو يسوع، ذلك الانتباه الودّي الذي يجب أن يتروحن دومًا وأن يصبح إرادة هادئة وعازمة على الحياة والتألم من أجله” (من كتاب مع يوحنا للصليب، ص64). إذا تأملنا في صلاة حبقوق “معانق الله” نجد إن الله لم يحل مشكلاته، لم يزهر التين، والكروم، والحظائر فارغة دون غنم وبقر. الذي تغير هو حبقوق. الدخول إلى العمق في العلاقة مع الله، لن تغير الظروف التي من الممكن أن تتعقد، ستغيرك أنت من الداخل. هل تريد أن تدخل إلى العمق: هَدِّئْ نفْسك وأُسكِتُها بين يدي الله