Click to enlarge
15/04/2019
الدخول إلى العمق (8): الابتعاد عن البر كتبه: الأب مراد مجلع
يدعو المسيح كل إنسان، على مثال بطرس، أن يدخل إلى العمق في علاقته معه. يدعوه لأن يعمل على ذاته كي تتشكل على مثاله وتعود صورة بطرس إلى بهائها الأول الذي خُلقت عليه فيكتشف إنه حجرًا صغير منحوت من الحجر المختار الكريم، الذي صار رأسا للزواية. لقد حدد الله ملء معين داخل كل نفس بشرية، كما قال الرسول بولس: “لِكَيْ تَمْتَلِئُوا إِلَى كُلِّ مِلْءِ اللهِ” (أفسس 3: 19)، وعلى الإنسان أن يسعي لأن يستوعب داخله الحضور الإلهي. لأجل الوصول إلى هذا الهدف، على الإنسان أن يتخلص من الآلهة الغريبة، تلك القناعات التي تشكلت في عبر تاريخه الشخصي وتعوقه عن الوصول إلى “ملءِ الله”، أن يستوعب محبة المسيح التي تفوق كل معرفة. يأتي الله ليفتقد الإنسان في وقت عبادته للآلهة الغريبة. يحضر ليكشف له الحقيقة. يأتي في صورة امتحان قاسي، يزلزل حياة الإنسان ليجعله يتساءل عن جدوى عبادته وتعلقه بهذا الإله. يسمح الله بألمٍ ليعرف إن الآلهة لا تعطي الحياة بل تسرق الحياة. هي مرحلة الغربلة التي تسبق مباشرة مغامرة الدخول إلى العمق في العلاقة مع الله. هكذا صلى الرب لأجل أن لا يفقد سمعان بطرس إيمانه في وقت التنقية من اللآلهة الكاذبة: “سِمعان سِمعان، هُوذا الشَّيطانُ قد طَلَبكُم لِيُغَربِلَكُم كَما تُغَربَلُ الحِنطَة ولكِنَّي دَعَوتُ لَكَ أَلاَّ تَفقِدَ إِيمانَكَ. وأَنتَ ثَبَّتْ إِخوانَكَ متى رَجَعْتَ”. (لوقا 22: 32- 33). كيف ندخل إلى العمق هناك أربع خطوات عملية للدخول إلى الذات والتقرب إلى الله الساكن في عمق كيان الإنسان والتشكل على صورة المسيح حتى يصبح الإنسان أيقونته الحاضرة في العالم.  هي مسيرة متدرجة، مرحلة بعد مرحلة حتى يمتلء الإنسان بكمال ملء الله في الحياة. المراحل الأربع ذكرها النبي حزقيال، مسيرة من أربع مراحل أساسية للدخول إلى العمق الروحي، كما وردت في سفر حزقيال النبي:- حزقيال 47: “1 ورَجَعَ بي إِلى مَدخَلِ البَيت، فإذا بِمِياهٍ تَخرُجُ مِن تَحتِ البَيتِ نَحوَ الشَّرْق، لأَنَّ وَجهَ البَيتِ نَحوَ الشَّرق، والمِياهَ تَنزِل مِن تَحتُ مِن جانِبِ البَيتِ الأَيمَنِ عن جَنوبِ المَذبَح. 2 وخَرَجَ بي مِن طَريقِ بابِ الشَّمال، ودارَ بي في الطَّريقِ الخارِجِيِّ إِلى البابِ الخارِجِيِّ المُتَّجِهِ نَحوَ الشَّرْق، فإِذا بِالمِياهِ تَجْري مِنَ الجانِب الأَيمَن. 3 ولَمَّا خَرَجَ الرَّجُلُ نَحوَ الشَّرْق، كانَ بِيَدِه حَبْل، فقاسَ أَلفَ ذِراعٍ وعَبَرَ بيَ المِياه، فوَصَلَتِ المِياهُ إِلى الكَعبَين. 4 ثُمَّ قاسَ ألفًا وعَبَرَ بيَ المِياه، فوَصَلَتِ المِياهُ إِلى الرّكبَتَين. ثُمَّ قاسَ أَلفًا وعَبَرَ بي، فوَصَلَتِ المِياهُ إِلى الوَسَط. 5 ثُمَّ قاسَ أَلفًا فإِذا بِنَهرٍ لم أَقدِرْ على عُبورِه، لأَنَّ المِياهَ صارَت طاغِيَة، وكانَت مِياهَ سِباحَةٍ ونَهرًا لا يُعبَر” يتناول النص جدولا للمياه يخرج من تحت عتبة الهيكل نحو المشرق من الجانب الأيمن عند جنوب المذبح. تتعاظم المياه لتصبح قناة صغيرة، تتحول إلى نهر لا يمكن اجتيازه إلا سباحة. على جانبي النهر تنمو أشجار كثيرة، ويعج النهر بأنواع مختلفة من الأسماك. يصب النهر في النهاية في البحر الميت ويحول مياهه المالحة إلى مياه عذبة. كل نفس حية تزحف حيث يجري النهر تحيا، وكل ما يبلغ إليه النهر يحيا. وعلى شاطئه من هنا وهناك ينبت شجر تؤكل ثماره، ولا يزيل ورقه ولا ينقطع ثمره، بل يعطي بواكير جديدة باستمرار. لكن ما هي طبيعة هذه المياه؟ المياه هي عنوان الحياة، هي الدليل على وجود الحياة.. ولكن ما هي طبيعة هذه المياه المحيية؟ ترمز المياه التي تخرج من تحت عتبة الهيكل إلى العلاقة مع الله التي يقودها الروح القدس: “إنْ عَطِشَ أحَدٌ، فليَجئ إليَّ ليَشرَبَ. ومَنْ آمنَ بـي، كما قالَ الكِتابُ، تَفيضُ مِنْ صَدرِهِ أنهارُ ماءٍ حيٍّ” (يوحنا 7: 36- 37). وقد فسر يوحنا اشارة الماء بأن الروح القدس: “وعَنى بِكلامِهِ الرُّوحَ الذي سَينالُهُ المُؤمِنونَ بِه، فما كانَ الرُّوحُ أُعطِـيَ حتى الآنَ”. الروح القدس هو النهر الصافي الذي نقرأ عنه في آخر كلمات الوحي الإلهي، في سفر الرؤيا: “ثُمَّ أراني الملاكُ نَهرَ الحياةِ صافِيًا كَالبلَّورِ يَنبَعُ مِنْ عَرشِ الله والحَمَلِ” (رؤيا 22: 1). الانطلاق إلى الذات لاكتشاف روح الله بعمق كيان الإنسان هي مسيرة شاقة مكونة من أربع درجات متتابعة تتقابل مع رؤية حزقيال النبي. وكلما دخل الإنسان الروحى للعمق يزيد عمق المياه. والعمق هنا هو الدخول في علاقة أعمق مع الله المُعبر عنها برقم 1000 ذراع. وكلما زاد عمق المياه يزداد توَّجِيه الروح القدس للشخص وقيادة حياته. المرحلة الأولى: المياة إلى الكعبين: في بداية الدخول إلى العمق في العلاقة مع الله تكون رغبات الإنسان ضد مشيئة الروح القدس. فيقاوم بإرادته تيار الروح القدس. يمكن التعبير هنا عن مشيئة الإنسان بمفاصل الرّجِل، فالرّجِل هى التى تقود الإنسان فى سيره. ومع حداثة الإنسان في الحياة الروحية لا يكون هناك عمق فيها، وكأن المياه تغمر الكعبين. وإذا أراد الإنسان التوغل في المياه سيصادف مقاومة التيار لخطوات قدميه في تشبيه لمقاومة الإرادة لتسليم الذات لمشيئة الروح القدس. المرحلة الثانية: المياه إلى الركبتين: هي مرحلة الابتعاد عن البر والتوغول وحيدًا في المياه، المياه إلى الركبتين. ستخفت أصوات الجمع المزدحم على الشاطئ، سيكون الإنسان في عزلة مع الله، عندها يأخذ الإنسان قرارًا في حياتي الروحية، أما  فلا يتراجع إلى نقطة البداية. أو أن يثق بكلمة الله التي تدعوه للمغامرة ويستكمال المسيرة أم يرجع إلى الشاطي ويكف عن المحاولة. المرحلة الثالثة: المياه عند الحقوين: هي أصعب مراحل الغوص في معرفة الله، فيها تغمر المياه الجسم البشري حتى الوسط، حتى الحقويين، فيها يعجز الإنسان على أن يثبت قدميه على الأرض فالمياه ترفعه، عليه أن يغامر بالعوم، أن يثق في إن المياه سترفعه كليًا، عليه أن لا يخاف، فإذا خاف فإنه سيتراجع إلى الشاطئ. المرحلة الرابعة: السباحة في النهر: هي مرحلة كمال العمق الروحى والتي يشعر الإنسان وكأنه محمولاً بالروح القدس هو يسيره حسبما يشاء. هي كمال العلاقة مع الله والتي عبر عنها إشعيا النبي بقوله: أشعيا 33 : 21- 22 “حَيثُ الرّبُّ يُظهِرُ عَظمَتَهُ، وحَيثُ الأنهارُ والضِّفافُ الواسِعةُ، لا يسيرُ فيها قارِبٌ بمِقذافٍ ولا يَعبُرُها مَركبٌ عظيمٌ، لأنَّ الرّبَّ حاكِمُنا ومُشتَرِعُنا، ومُخلِّصُنا هوَ ومَلِكُنا” “قارِبٌ بمِقذافٍ” أى القارب الذى له إمكانية التحكم فيه بالمجداف، أما “المَركبُ العظيم” فهي السفينة التي لها دفة وأشرعة تسير أينما يرغب ملاحوها. ولكن الله لنا نهر يحملنا إلى حيث ما يريد هو.  يتفق هذا مع قول السيد المسيح لبطرس “كُنتَ، وأنتَ شابًّ، تَشُدُّ حِزامَكَ بِـيَدَيكَ وتذهَبُ إلى حَيثُ تُريدُ. فإذا صِرتَ شيخًا مَدَدْتَ يَدَيكَ” (يو 21 : 18). ليس الاشارة هنا فقط لطريقة الموت التي سيعانيها بطرس، بل إلى دخوله إلى العمق في علاقته مع الله، يدخل إلى كمال العمق الروحي، إلى أن يصل إلى أن تحمله المياه المقدسة. وهذا معنى “لتكن لا إرادتى بل إرادتك” وهذا ما نصليه دائماً لتكن مشيئتك”. المرحلة الأولى: المياة إلى الكعبين قبل مغامرة الدخول إلى العمق في العلاقة مع الله، كان محور تأملاتنا في التخلي عن بعض الأفكار والقناعات التي تعوق المسيرة مع الله. لنتأمل موقف الرب من التلاميذ في صباح ذلك اليوم: لوقا 5: 1-  3: ” وَإِذْ كَانَ الْجَمْعُ يَزْدَحِمُ عَلَيْهِ لِيَسْمَعَ كَلِمَةَ اللهِ، كَانَ وَاقِفاً عِنْدَ بُحَيْرَةِ جَنِّيسَارَتَ. فَرَأَى سَفِينَتَيْنِ وَاقِفَتَيْنِ عِنْدَ الْبُحَيْرَةِ، وَالصَّيَّادُونَ قَدْ خَرَجُوا مِنْهُمَا وَغَسَلُوا الشِّبَاكَ. فَدَخَلَ إِحْدَى السَّفِينَتَيْنِ الَّتِي كَانَتْ لِسِمْعَانَ، وَسَأَلَهُ أَنْ يُبْعِدَ قَلِيلاً عَنِ الْبَرِّ. ثُمَّ جَلَسَ وَصَارَ يُعَلِّمُ الْجُمُوعَ مِنَ السَّفِينَةِ”. اختيار الرب لهذا لتوقيت الصباح الباكر، بعد ليل فشل مرعب، ليصنع معجزة الصيد العجائبي، له سبب عميق. لقد سبق أن دعى التلاميذ لكي يكونوا صيادي الناس، ولكنهم للأسف عادوا مرة أخرى للصيد. وفي مشهد بديع في تصويره الإبداعي نجد يسوع يصطاد الناس بمفرده والتلاميذ يحاولون صيد السمك، هناك انفصال بين يسوع وتلاميذه الذين دعاهم ليعملوا معه. كانت الرسالة إذا رفضنا دعوتنا بأن نتبعه لكي نصطاد الناس وانشغلنا بصيد السمك، والذي ما حدث مع بطرس، إنه لم يصطاد ناس ولا سمك، وتصبح الحياة رحلة مستمرة من الفشل. فشل روحي وفشل حياتي. صباح الدخول إلى العمق لا يُشرق إلا بعد ليل طويل من الصراع والفشل. الاستنارة التي بها يمكن للإنسان أن يغير تفكيره في الحياة تأتي بعد صدمة، ما مِن شيء يمكن أن يجبره  على إعادة التفكير في سطحية حياتنا إلا الصدمة التي تكون علاج من الله ليجبر الشخص إلى الدخول إلى العمق. فالحياة المثمرة لا تأتي إلا بعد يتخلى الإنسان عن ثقته المبالغ فيها في امكانياته وكفاءته والذي تصور له قدرته على إدارة حياته بمعزل عن الله. “فَدَخَلَ إِحْدَى السَّفِينَتَيْنِ الَّتِي كَانَتْ لِسِمْعَانَ وَسَأَلَهُ أَنْ يُبْعِدَ قَلِيلاً عَنِ الْبَرِّ. ثُمَّ جَلَسَ وَصَارَ يُعَلِّمُ الْجُمُوعَ مِنَ السَّفِينَةِ”. ترك بطرس سفينته إلى يسوع، الذي أصبح ربّانها وقائدها فأعطى أوامره بالابتعاد عن البر ثم الدخول إلى العمق. في الليل كان بطرس هو قائد سفينته، وفشل فشلاً ذريعًا في إدارتها للهدف، فلم يصطاد سمكة واحدة. في الصباح سلم قيادتها إلى المسيح، فكان الصيد الوفير. أول خطوات الدخول إلى العمق إذن هو قرار تسليم الحياة إلى الرب. فتح الأبواب أمام المسيح حتى يتمكن من صنع شيء في حياتنا. لكن علينا ملاحظة:- “إيلي يدير” ماذا فعل بطرس؟ ترك القارب ليديره الرب يسوع، وهو الصياد المحنك والخبير، قال له المسيح ابتعد عن البر فأطاع، ثم ألقي الشباك فأطاع أيضًا متخليا عن خبرات كصياد. الدخول إلى العمق لا يبدأ إلا بعد أن يصير يسوع هو ربان سفينة الحياة. يصارع الإنسان الله في هذه المرحلة، فالمياه عند الكعبين، يرغب في أن ينمو في علاقته مع الله، لكنه يتمسك بإرادته الشخصية وبإدراته لحياته بالطريقة التي يراها. كمن يدخل إلى الماء من الشاطئ الرملي، فيجد مقاومة لتيار الماء لقدميه، ويجد صعوبة في المشي في المياه. في قصة يعقوب، كانت مشكلته هي ثقته الزائدة في امكانياته فتصور إن له القدرة على إدارة حياته. لذا غير الله اسمه إلى “إسرائيل” التي معناها، يهوه يدير “إيلي يدير“. قال له الرب كلمة عتاب: “لأَنَّكَ صارَعتَ اللهَ والنَّاسَ فغَلَبتَ” بمعنى أنك كنت تصارع في الحياة معتقد إنك قادر على تديرها وحدك مع الله ومع الناس. غلبت في النهاية، ولكن ليس بالصراع، يقول هوشع: “صارَعَ مَلاكاً وغَلَبَه، وبَكى وتَضَرَّعَ إِلَيه وفي بَيتَ إِيلَ وَجَدَه” (هوشع 12: 5). عندما توقف عن الصراع، قال يعقوب للملاك: “لا أَصرِفُكَ أَو (حتى) تُبارِكَني”. كيف باركه الله؟ قال: «لا يَكونُ آسمُكَ يَعْقوبَ فيما بَعْد، بل إِسْرائيل، لأَنَّكَ صارَعتَ اللهَ والنَّاسَ فغَلَبتَ» (تكوين 32: 29). غّير الرب اسمه إلى إسرائيل، أي “إيلي يدير”. المعنى: يباركك الرب متى كففت عن الثقة الزائد في نفسك بأنك قادر إدارة حياتك وحدك. فعوضا على اعتمادك على تفكيرك وخططك، تسجد أمام إلهك. لا تجعل عقلك يعمل بالإنفصال عن ركبتيك “أدخل إلى مخدعك وصلي لأباك الذي في الخفاء”، عندما تصلي بصورة صحيحة يعمل تفكيرك بصورة صحيحة. صراع يعقوب امتد عشرين عامًا، منذ أن خطط أن يسرق الباكورية من أخيه عيسو. الله يريد أن يبارك يعقوب لكن البركة لا تأتي بهذه الطريقة. في مرات كثيرة عارفين أن ما نصنعه خطأ، ولكن نحاول أن نستعجل في الوصول بطرقتنا ولا ننتظر طرق الله التي نرى إنها بطيئة جدًا. أراد البركة لكنه حصد الكثير من المعاناة: ماتت أمه رفقة دون أن يراها، ذهب إلى خاله لابان الذي غير أجرته عشر مرات. ثم أحب رحيل التي ضيعت 14 سنة من حياته. الله هو الذي يصنع المعنى، وهو الذي يدير دفة الحياة. الألفاظ في الكتاب مهمة للغاية في تكوين 28 وهو يخرج من بيت أبيه يقول الكتاب: “وغابت الشمس” (تك 28: 11)، في تكوين 32 يقول الكتاب عند عودته مرة أخرى إلى بيت أبيه “وأشرقت الشمس” (23: 31)، معبرًا عن كل تلك الفترة التي غاب فيها كانت ليلٍ طويل ودامس في حياة يعقوب. في فترة الليل والصراع لا يتخلي الرب عنا أبدًا. وأنت في ليل الصراع والفشل، وأنت تحصد نتائج اختياراتك وخططك لا يتخلى عنك الرب. بدأ الليل يعقوب بوعد: “وها أَنا مَعكَ، أَحفَظُكَ حَيثُما اتَّجَهتَ، وسأَرُدُّكَ إِلى هذه الأَرض، فإِنِّي لا أَترُكُكَ حتَّى أَعمَلَ بِما كَلَّمتُكَ به”. بالرغم من خطيئة يعقوب فإن أعظم رؤية شاهدها كانت في ليلة انحرافه عن الرب وتصوره أن يحصل على البركة بمجهوده وذكائه. كذلك كرر الأمر مع رفيقنا سمعان بطرس، فيظهر له مجددًا بعد أن سبق أن أنكره ثلاث مرات، ليجدد محبته له ويوصيه أن يرعى خرافه.  الرب معي في ليل حماقتي وغبائي، الله هو أب، هو معنا دائما، وبالرغم من القرارات الغبية إلا إنه يظل وفيًا، “ها أَنا مَعكَ، أَحفَظُكَ حَيثُما اتَّجَهتَ “. أنتهي ليل الفشل والخيبة بعملية كسر، صدمة، صارع الملاك حتى طلوع الفجر، انخلع حق وركه فاحتاج إلى عصا، وظلت هذه العصى معه، والكتاب كان جميلاً فيذكر في نهاية حياته إنه سجد، كأن العصى أصبحت تذكرة له ليعيش متكلاً على الراعي. في العمق صيد وفير يعوض عن كل الألام بعد الكسر هناك بركات كثيرة جدًا: “اَلنَّازِلُونَ إِلَى الْبَحْرِ فِي السُّفُنِ الْعَامِلُونَ عَمَلاً فِي الْمِيَاهِ الْكَثِيرَةِ هُمْ رَأُوا أَعْمَالَ الرَّبِّ وَعَجَائِبَهُ فِي الْعُمْقِ” (مزمور 107: 23- 24). بعد الليل والمعاناة يعطى الرب بركات كثيرة. احسبوا كل فرح يا أخوتي عندما تقعوا في تجربة، فالفرح هنا ليس في الوقوع في التجربة والليل المظلم، لأن التجربة تحمل ألم ومعاناة، لكن “احسبوا” أي فكروا إن هناك شيء مُنتظر، خبرة نمو وحياة في التجربة. في التجربة “أحسب” إنه مستحيل أن الله يسمح بالتجربة دون أن يكون خيرًا. فامتحان إيمانكم يُنشء صبرًا، أي قوة احتمال أكبر وصلابة في الشخصية: “اِحْسِبُوهُ كُلَّ فَرَحٍ يَا إِخْوَتِي حِينَمَا تَقَعُونَ فِي تَجَارِبَ مُتَنَوِّعَةٍ، عَالِمِينَ أَنَّ امْتِحَانَ إِيمَانِكُمْ يُنْشِئُ صَبْرًا. وَأَمَّا الصَّبْرُ فَلْيَكُنْ لَهُ عَمَلٌ تَامٌّ، لِكَيْ تَكُونُوا تَامِّينَ وَكَامِلِينَ غَيْرَ نَاقِصِينَ فِي شَيْءٍ” (يع 1: 2- 4).  فكل تجربة تهدف إلى مزيد من النمو. في العمق فهم للنفس ولمَن يكون المسيح في العمق أخيرًا، فهم لما نكون وفهم لمن يكون المسيح، هناك سجد بطرس على ركبتيه وطلب من يسوع أن يخرج من سفينته، لأنه رجل خاطئ. في العمق تدرك النفس حقيقتها. الابتعاد عن البر يعنى بداية الدخول إلى عمق العلاقة مع الله، نحمل أمامه كياننا، ماضينا وحاضرنا ونكل اليه مستقبلنا. هي أن نختار الله كوجهة سير لنا حين نحتاج الى ملجأ ومعين. يكتشف الإنسان ذاته كخاطئ عندما يعود إلى المصدر، فالكائن الخارج من العدم يذكر نعمة الله التي أخرجته من عدمه وأعطته الوجود. هي عودة الكائن الترابيّ الى الخالق الّذي نفخ فيه نسمة من روحه، فجعل وجود الإنسان يتخطّى البعد المادّي والوجود الأرضيّ. يعترف الإنسان بإنه في حاجة إلى الرحمة الإلهيّة، على مثال بطرس الذي صرخ قائلا: «يا ربّ، تَباعَدْ عَنِّي، إِنِّي رَجُلٌ خاطِئ» (لوقا 5: 8). في العمق أيضًا تدرك النفس مَن هو يسوع. فبالرغم من كون الإنسان مخلوق ضعيف خاطئ، إلا إنه قادر أن يدخل بعلاقة مع الخالق، بعكس كل المخلوقات الأخرى، وبهذه العلاقة تتجلّى حقيقة الإنسان كابن لله، مدعوّ الى مشاركته الحياة الألهية. يقول بطرس ليسوع: “«يا ربّ، تَباعَدْ عَنِّي، إِنِّي رَجُلٌ خاطِئ»، فهو يشعر بعدم استحقاق، إلا أن المسيح يقول له: «لاَ تَخَفْ! مِنَ الآنَ تَكُونُ تَصْطَادُ النَّاسَ!». الدعوة الأولى كانت: «هَلُمَّ وَرَائِي فَأَجْعَلُكُمَا صَيَّادَيِ النَّاسِ». لكن بعد اقرار بطرس بضعفه ومحدوديته وتسليم حياته ليقودها الرب، يقول له المسيح: : «لاَ تَخَفْ! مِنَ الآنَ تَكُونُ تَصْطَادُ النَّاسَ!». وهذا التطور في الدعوة يأتي بعد الليل المظلم.