Click to enlarge
14/03/2019
الصوم الكبير.. معناه وفوائده وقوانينه الأب د. لويس حزبون
في بداية زمن الصوم الأربعيني يطرح المؤمنون أسئلة كثيرة على الكهنة: ما معنى الصوم؟ ولماذا نصوم؟ وفي أي وقت نصوم؟ وعلى ماذا نصوم وكيف نصوم؟ فرأينا من الجدير أن نجيب عن هذه الأسئلة الكثيرة من خلال تأملنا الكتاب المقدس وتعاليم الكنيسة الكاثوليكية. 1) ما معنى الصوم؟ لما كان الإنسان نفسًا وجسدًا، فهو بحاجة إلى أفعال الجسد. فالصوم أو الصيام كلاهما مصدر واحد صام يصوم صومًا وصيامًا، وهو لغة الإمساك عن الطعام والشراب لفترة من الزمن، وكأن الحاجة الفيزيولوجية أصبحت في المكان الثاني. وأما الكلمة اليونانية νεστεια (نستيا) تعني الإمساك، ويشير الإمساك هنا إلى ضبط الجسد والنفس فيصبح الإنسان سيدًا على أهوائه وعلى رغباته. فضبط النفس والجسد بإذلالهما يؤدي إلى التواضع وهو شرط لدخول الملكوت. فالصائم كأنه يقول لله أنا تائب نادم، ولست متعاليًا أو متكبرًا، فلا حاجة بك لإذلالي أكثر من ذلك. والصوم في الكتاب المقدس هو الامتناع أيضًا عن العلاقات الزوجية (يوئيل 2/16). ويتضمن أيضًا استرحام الإله، فنجد هذا واضحًا في حالة داود عندما مرض ابنه الذي ولدته يتشبع عقب خطيئته معها. "قد يَرحَمُني الرَّبُّ ويَحْيا الصَّبيّ" (2 صموئيل 12/16-23). وقد يكون الصوم تعبيرًا عن الاتضاع أمام الرب، كما يقول الرب لإيليا النبي عن أحآب الملك عندما جعل المسح على جسده وصام: "أرَأيتَ كَيفَ ذَلَّ أحآبُ أمامَي؟ فلأَنَّه قد ذَلَّ أمامَي، لا أَجلُبُ الشَّرَّ في أَيَّامِه" (1 ملوك 21/27-29). وبعبارة أخرى، الصوم هو الاعتراف بان الله هو السيد المطلق ومصدر حياة الإنسان قبل الخبز الذي يجود به الله علينا: "ليسَ بِالخُبزِ وَحدَه يَحيْا الإِنْسان بل بِكُلِّ كَلِمَةٍ تَخرُجُ مِن فَمِ الله (متى 4:4). وأما كيفية الصوم فهو التبرؤ من الرياء والنفاق إلى صدق الإخلاص وخالص الصفاء للبحث عن وجه الله تعالى الذي يرى في الخفاء، وقد وبخ الرب يسوع صوم الرياء والتظاهر قائلا: وإِذا صُمتُم فلا تُعبِّسوا كالمُرائين” (متى 6/16-18). وبكلمة الصوم فعل من أفعال الديانة الثلاثة (الصوم والصلاة والصدقة) الموجّهة نحو الآب السماوي الذي يرى في الخفية بخلاف الرغبة في أن يرانا الناس على ما جاء في كلام سيدنا يسوع المسيح: "أَمَّا أَنتَ، فإِذا صُمتَ، فادهُنْ رأسَكَ واغسِلْ وَجهَكَ، لِكَيْلا يَظْهَرَ لِلنَّاسِ أَنَّكَ صائم، بل لأَبيكَ الَّذي في الخُفْيَة، وأَبوكَ الَّذي يَرى في الخُفْيَةِ يُجازيك" (متى 6/17-18). 2) لماذا نصوم؟ إن الصوم شريعة إلهية، إذ هي كما يقول القديس باسيليوس الكبير الوصية الأولى في الكتاب المقدس: "وأَمَّا شَجَرَةُ مَعرِفَةِ الخَيرِ والشَّرّ فلا تَأكُلْ مِنها، فإنَّكَ يَومَ تأكُلُ مِنها تَموتُ مَوتًا" (تكوين 2: 17). ثبّت سيدنا يسوع المسيح وصية الصوم بقوله: "سَتَأتي أَيَّامٌ فيها يُرفَعْ العَريسُ مِن بَيْنِهم، فَحينَئذٍ يَصومون" (متى 9/14). الصوم هو شكل من أشكال التوبة الذي يعبر عن الارتداد في علاقة الإنسان مع الذات والله والآخرين. الذات للصوم وجهان جسدي وروحي. فالوجه الجسدي للصوم هو يعرض الإنسان ذاته عن العواطف المنحرفة ويكبح الرذائل وسيما كبرياءه ويُمكّنه من التسلط على غرائزه من حرية القلب ومغريات العالم كي تجدد روحًا ونفسًا ويتعلق قلبه بالله. لذا فالصوم لا يقوم على الفم فحسب، وإنما العين والأذن والقدمين واليدين وكل أعضاء الجسم، ولا يقوم على التبدل الذي طرأ على طعامنا فقط بل على قلبنا. فمن يستطيع أن يسيطر على الأشياء المسموحة يستطيع أن يسيطر على الأشياء الممنوعة. فالصوم يتطلب جهد يقوم بقهر الإنسان لذاته، بغية التقرب من الله ومن البشر، إذ أن "الرُّوحُ مُندَفع وأَمَّا الجَسدُ فضَعيف" (متى 26: 41). أما الوجه الروحي للصوم فهو الامتناع عن الخطيئة، هو موقف القلب، القلب المتواضع التائب، الرحيم، الشفيق، الذي يسعى لتجديد علاقة مع الله. كما يقول يوئيل النبي "مَزِّقوا قُلوَبَكم لا ثِيابَكم وأرجِعوا إِلى الرَّبِّ إِلهكم فإِنَّه حَنونٌ رَحيم طَويلُ الأَناة كَثيرُ الرَّحمَة ونادِمٌ على الشَّر" (يوئيل 2/13). الصوم هو عدم تفكير الإنسان بالشر في قلبه (زكريا 7/1-14)، هذا القلب المجروح بالخطيئة الميّال إلى الشر والأنانية (مز51/7). فهو زمن التوبة والعودة إلى الذات بالتقشّف، وفقًا لأول كملة تفوّه بها يسوع بعد صومه الأربعيني: "فَتوبوا وآمِنوا بِالبِشارة" (مرقس 1 :15). والتوبة باللفظة اليونانية (متانويا) μετανοια تعني تغيير العقلية، وباللفظة العبرية (شوف) שוב تعني الرجوع، إنها ترمي إلى مراجعة الذات، إلى التجديد والتغيير والتطوير في الشعور والحكم والحياة، إلى هجر الإنسان العتيق ولبس الجديد، إلى الانتقال من الحياة القديمة والعودة إلى الشباب المتجدد. ويقول القديس يوحنا السلمي في كتابه "السلم الى السماء" الصوم هو كبح رغبات الجسد وابتعاد عن الأفكار الشريرة وتحرر من التخيلات المذنبة، هو طهارة الصلاة، نور للنفس ويقظة العقل والقلب معًا. فهو انتظار الرب، هو فتح القلب وتحرره من كل شيء يمكن أن يعرقل هبة فصح المسيح.  الله الصوم ليس هدفًا بحد ذاته، وإنما وسيلة للوصول إلى الهدف، إلى الله "خُبزُ الحَياة" (يوحنا 5: 48). لذا لا يمكن أن ينفصل الصوم عن ذكر الرب المحرك الأساسي له. إننا بصومنا نتجه نحو الرب بانفتاح جذري الذي ننتظر منه كل شيء (دانيال 9/3). فمقومات الصوم الأربعيني هي الرجوع إلى الله وطلب رحمته بكل لجاجة، من خلال أعمال التوبة والصلاة والصدقة، وبالطبع هناك أعمال روحية ذات صلة بهذا المثلث وهي الاهتداء، المصالحة الغفران، محبة القريب، والابتعاد عن الكراهية والحقد والانتقام. فنحن بالصيام نعبر أن الله هو مصدر الحياة والعيش وليس الخبز واللحم. "مَكتوبٌ: لَيَس بِالخُبزِ وَحدَه يَحيا الإِنسان". فالله هو مصدر وجودنا فعلينا أن نكون مستعدين أن نفرغ حياتنا لكي نمتلئ منه تعالى. لنصم جميعا متحدين بالرب ولنشبع أنفسنا منه وحده. إذ أن بالصوم ربنا يستجيب لنا " فصُمْنا وطَلَبنا مِن إِلهِنا لِأَجلِ ذلك فآستَجابَنا (عزرا 8:23).  الآخرين الصوم هو زمن العودة إلى بعضنا البعض بأفعال المحبة والصدقة والرحمة وبالمصالحة. فالصدقة هو موقف القلب، القلب الرحيم، الشفيق، الذي يسعى لتجديد علاقة مع الآخرين. فلا حب بلا تضحية والتضحية بلا حب أمر خارجي. "الصيام وحده لا يوصلك إلى السماء بل يلزمك لتصعد إليها على أجنحة المحبة". بالصوم يشعر الإنسان بالجوع وبالتالي مع الجائع. ما نصوم عنه ليس من حقنا، وإنما هو من حق الفقير. ما تحرم نفسك منه، قدّمه إلى شخص آخر. الصوم المقبول عند الرب يقول اشعيا النبي "أَلَيسَ هو أَن تَكسِرَ للجائِعِ خُبزَكَ وأَن تُدخِلَ البائسينَ المَطْرودينَ بَيتَكَ وإذا رَأَيتَ العُرْيانَ أن تَكسُوَه وأَن لا تَتَوارى عن لَحمِكَ؟" (اشعيا 58/6) الم يقل المسيح: "تَعالَوا، يا مَن بارَكَهم أَبي، فرِثوا المَلكوتَ المُعَدَّ لَكُم مَنذُ إِنشاءِ العَالَم: أَنِّي جُعتُ فأَطعَمتُموني، وعَطِشتُ فسَقَيتُموني، وكُنتُ غَريباً فآويتُموني، وعُرياناً فَكسَوتُموني، ومَريضاً فعُدتُموني، وسَجيناً فجِئتُم إِلَيَّ… كُلَّما صَنعتُم شَيئاً مِن ذلك لِواحِدٍ مِن إِخوتي هؤُلاءِ الصِّغار، فلي قد صَنَعتُموه" (متى 25: 34-40). الصوم كالطير لا يطير إلا بجناحين الصلاة والصدقة. هذا هو الصوم الذي يفضّله الربّ: الصوم الذي يظهر له أيادٍ مليئة بالحسنات وقلبًا ممتلئًا بحبّ الآخرين؛ صوم مليء بالطيبة. 3) في أي وقت كان يصوم المؤمن؟ في العهد القديم نجد أن وقت الصيام كان في أيام مختلفة حسب الظروف منها: أ‌) يوم الكفارة: هو اليوم الوحيد الذي أمرت الشريعة بالصوم فيه. وهو اليوم العاشر من الشهر السابع حسب التقويم العبري وكل ما هو مطلوب: تذليل النفوس، والامتناع عن كل عمل، وهو يوم عطلة مقدسة، يصومون فيه ويقدمون قربانًا للرب (لاوي 16/29-34 وعدد 29/7). ب‌) وقت الشدة: كان اليهود يصومون في أوقات أخرى لم تأمر الشريعة بها وهي: وقت الاستعداد لملاقاة الله، كما حدث مع موسى (خروج 34/28) ومع دانيال (9/3). زمن الحرب أو التهديد بالحرب (قضاة 20/26). وقت المرض: صام داود عندما مرض ابنه (2 صموئيل 12/16). وقت النوح: صام داود سبعة أيام من أجل مقتل شاول (1 صموئيل 31/13). وقت الندم والتوبة: كانت المصائب تعتبر دليلا على غضب الله، فكان الندم والتوبة وسيلة الخلاص منها. صام أخاب واتضع أمام الله عندما أنذره إيليا بالمصير الذي ينتظره لقتله نابوت اليزعيلي (1 ملوك 21/27). وقت الخطر الدائم: نادى عزرا بصوم ليطلب رعاية الرب له وللشعب الراجع من بابل إلى وطنه (عزرا 8/21). في ذكرى الكوارث: اليوم 10 من الشهر الخامس الذي فيه احرق الهيكل (ارميا 52/12). واليوم العاشر من الشهر العاشر الذي بدأ فيه البابليون حصار أورشليم (2 ملوك 25/1). زمن الأزمات: يحدث الصوم حالة دمار البلاد (يوئيل 14:1). أما في العهد الجديد فنجد مناسبتين يطلب الله فيها الصيام: أ) لطرد الشياطين: هناك شياطين لا تخرج إلا بالصلاة والصوم. ويشير الصوم هنا كمؤشر للإيمان (متى 17/21 ومرقس 9/29). وعلى هذا المبدأ سار المسيح الذي صام السيد أربعين يوما وحارب بعدها الشيطان وجابهه، وعلى خطاه سار الرسل وآباء الكنيسة فيقول على سبيل المثال القديس باسيليوس: "الصوم يهدئ النفس، ينقي الفكر، يبعد الشياطين ويطردهم بعيدًا ويقرّب الإنسان إلى الله". كما اتبع هذه الطريق القديسون، ونذكر منهم القديس جان ماري فيانيه، شفيع الكهنة، الذي اعتمد على الصوم والصلاة لطرد الشيطان: "سأقهرك، أيها الشيطان الخطّاف، بنعمته تعالى". ب) للقيام برسالة الدعوى: عندما قال الروح القدس للتلاميذ في أنطاكية: "أَفرِدوا بَرْنابا وشاوُلَ للعَمَلِ الَّذي دَعَوتُهما إِليه. فصاموا وصلَّوا" (أعمال الرسل 13/1-3). 4) ما هي مدة الصوم حسب الكتاب المقدس؟ في العهد القديم كان الصوم عادة لمدة يوم واحد من شروق الشمس إلى مغربها (قضاة 20/26)، إذ صموئيل (14/24) وربما كان لليلة واحدة (دانيال 6/18) واستمر صوم استير ثلاثة أيام ليلاً ونهارًا (استر 4/16)، وصام أهل يابش جلعاد سبعة أيام لموت شاول (1 صموئيل 13/13)، وصام داود سبعة أيام عند مرض ابنه (2 صموئيل 12/16-18). وقد صام موسى أربعين يومًا (خروج 34/28، تثنية الاشتراع 9/9) وكذلك صام إيليا (1 ملوك 19/8). ويدل رقم "أربعين" وهو عمر جيل بكامله على فترة زمنية طويلة لا تعرف مدتها معرفة دقيقة. يرجح أن هذه المدة تشير إلى الوقت الذي قضاه موسى على الجبل أو إلى الأربعين سنة التي قضاها إسرائيل في البرية (عدد 14/34) والتي تشير إلى مسيرة إيليا أربعين يومًا (1 ملوك 19/8). وأما في العهد الجديد فكان الفريسيون يصومون يومي الاثنين والخميس من كل أسبوع بدافع من تقواهم الخاصة (لوقا 2/37، 18/9-12). الخميس هو يوم ذهاب موسى النبي للجبل لاستقبال الوحي الإلهي، والاثنين هو اليوم الذي عاد فيه من الجبل. وأما كرنيليوس فكان صائمًا لمدة أربعة أيام عندما ظهر له الملاك (أعمال الرسل 10/1-3). وصام الرجال الذين مع بولس في السفينة مدة أربعة عشر يومًا (أعمال الرسل 27/33). وأما الأرملة حنّة فكانت تواظب ليل نهار على الصلاة والصوم "لا تُفارقُ الهيكلَ، مُتعبِّدةً بالصوم والصلاة ليلَ نهار" (لوقا 2:37). وصام يسوع أربعين يومًا ليفتتح رسالته بفعل تسليم لأبيه بثقة كاملة (متى 4/1-4). إن هذه الأربعين يومًا هي أيام مسيرتنا الجماعية إلى ليلة الفصح المقدسة، إنها تمثل صعود يسوع إلى أورشليم. إنها تمثل طول الطريق التي تبعدنا عن الله، وسلوكنا لدرب العودة والرجوع وملاقاة الله ومصالحته في عيد الفصح. "فلا نترك الفصح يمرّ من غير أن ندخل في حقيقته وفي مطالبه" كما أوصانا قداسة البابا بولس السادس (10 نيسان 1968). 5) ما هو دور الكنيسة في شريعة الصوم؟ رسم السيد المسيح لنا الخطوط الرئيسية للصوم، غير أن لم يحدد أيامًا للصيام، ولا ساعة لبداية الصوم، كما لم يحدد لهذا الصيام التزامات أو ممنوعات أو مباحات، إنما أنهى عن الصوم الشكلي والظاهري، تاركًا التفاصيل للكنيسة لتبتّ فيها، ولتفسر للمؤمنين كيفية الصوم بحسب البيئة والظروف، وبما تراه مناسبًا لتحقيق مفهوم وهدف الصوم. فوضعت الكنيسة قوانين للصيام. وغايتها أن تكفل للمؤمنين الحد الأدنى الذي لا بد منه في روح الصلاة وفي الجهد الأخلاقي كي يتحد الجميع في ممارسة مشتركة لأعمال الصوم والانقطاع للكفر بذواتهم والنمو ونمو في محبة الله والقريب. فهناك صيام واجب وصيام مستحب. الصيام الواجب هو ما جاء في الوصية الرابعة من وصايا الكنيسة: "انقطع عن أكل اللحم وصم الصوم في الأيام التي تقرّها الكنيسة" (التعليم المسيحي رقم 2043). يقوم الصوم بالاقتصار على وجبة واحدة في النهار، مع تناول شيء من الطعام صباحًا ومساء، وفقًا للعادات المحلية الموافق عليها، من حيث النوع والكمية (منشور: توبوا، البابا بولس السادس القسم 3: 3: 2). والانقطاع يعني الامتناع عن "الزفر". والزفر هو عندنا اللحوم ومشتقاتها (كتاب التعليمات، 23). ويحافظ على الصوم والانقطاع معًا يومي: أربعاء الرماد والجمعة العظيمة في ذكرى آلام ربنا يسوع المسيح وموته (منشور: توبوا البابا بولس السادس القسم 3:3:2). وتلزم فريضة الانقطاع وحدها كل يوم جمعة مدة الصوم الأربعيني الذي يمتد من أربعاء الرماد إلى ما قبل عشاء الرب. وقد جرت العادة أن يوضع الرماد على الرؤوس في أربعاء الرماد وفقًا لما عهده العهد القديم (ايوب 42: 6، المراثي 2: 1) دلالة على التوبة والحداد، كما تدل هذه الإشارة على حالة الإنسان الخاطئ الذي يقرّ بذنبه بين يدي الله بطريقة ظاهرة وبها يعرب عن عزمه الباطن على الرجوع لله راجياً منه تعالى أن يكون به رؤوفا رحيمًا. يلزم بفريضة الانقطاع (عن اللحم، أو طعام آخر، وفقًا لما تقرره الهيئة الأسقفية،) من أتموا الرابعة عشرة من العمر. أما قانون الصوم، فيُلزم جميع من بلغوا سن الرشد (21 من العمر) وحتى بداية الستين من عمرهم، غير أنه، على رعاة النفوس والوالدين أن يسهروا، على تربية من هم غير ملزمين، لصغر سنهم، بالانقطاع والصوم على اكتساب معنى صادق للتوبة (الحق القانوني للكنيسة الكاثوليكية اللاتينية، 1252). وهناك الصوم قرباني الواجب ورد في قوانين الكنيسة "على المؤمنين أن يراعوا الصوم المفروض في كنيستهم ليحسنوا الاستعداد لقبول هذا القربان المقدس" (الحق القانوني رقم 1387) حيث يصبح فيها المسيح ضيفنا. في الكنيسة الكاثوليكية اللاتينية ينص قانون الصوم القرباني على ما يلي: "على المقبل على تناول الافخارستيا المقدسة أن ينقطع لمدة ساعة على الأقل قبل المناولة المقدسة عن كل طعام وشراب، عدا الماء والدواء" (الحق القانوني للكنيسة الكاثوليكية اللاتينية 919، البند1). وأما الصيام المستحب فما يفرضه كل شخص من صيام على نفسه وعائلته حسب ظروفه الصحية وعمله. هناك من يصومون يومي الأربعاء والجمعة طوال السنة لأنَّ الأربعاء تمًّت فيه المؤامرة على السيد المسيح عندما وعد يهوذا رؤساء الكهنة أنْ يسلمه لهم مقابل ثلاثين من الفضة. أما الصوم يوم جمعة فهو تذكار لليوم الذي صُلب فيه السيِّد المسيح ومات على الصليب. فالكنيسة الكاثوليكية منفتحة في هذا الخصوص تحترم حريتنا وتعطينا المجال للاختيار فهي تعرض ولا تفرض، ولكي يتم تجنب الفوضى تحدد عمر الصائم وفترة الصوم وأنواع المأكولات وغايات الصوم وطرقها وتطلب من المؤمنين تطبيقها طواعية وليس بالإكراه من باب الروح يحيي والحرف يقتل. أما شريعة الصوم في كنيسة الروم الكاثوليك كما وردت في الكتب الطقسيّة وفي نشرات الأبرشيّات والرعايا فهي كما يلي: 1- الصوم الأربعيني الكبير: أيام الصوم هي أيام الأربعاء والجمعة من أسبوع مرفع الجبن. وأيام الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس والجمعة من أسابيع الصوم والأسبوع العظيم المقدّس. ما عدا اليوم الذي يقع فيه عيد البشارة 25 آذار. 2- سبت النور. هو السبت الوحيد الذي يجب الصوم فيه. بينما يمنع الصوم في السبوت الأخرى لارتباط السبت بأحد القيامة 3- أيام القطاعة تشمل الصوم الأربعيني بكامله بما فيها أيام الآحاد. بالإضافة إلى الأسبوع العظيم المقدّس. ما عدا عيد البشارة وأحد الشعانين حيث يسمح بأكل السمك. 4- القطاعة هي الامتناع عن اللحم ومرق اللحم، وعن البياض، أعني البيض والجبن والألبان والزبدة الخ. أما السمك فيسمح به في أيام معيّنة. وكذلك الزيت والخمر في أيام معيّنة. هذا مع العلم أن السينودس المقدّس قد ترك لكلّ مطران أن يعطي تعليمات وتوجيهات إضافيّة مناسبة لأبرشيّته الخلاصة بعد أن حاولنا أن نجيب على الأسئلة التي يطرحها الإنسان على نفسه نجد أن الأهم هو أن يصوم الإنسان ويختبر معنى الصوم وحينئذ يفهم ويكتشف فائدته، إن لم يصم لن يكتشف حقيقة الصوم ولو قرأ وسمع الكثير عن هذا الموضوع. لذا فخير ما نختتم هذا التأمل هو ما قاله القديس يوحنا فم الذهب في إحدى عظاته عن الصوم: "اشحذ منجلك التي أتلفتها الشراهة، اشحذها بالصوم"… فليكن طعامنا في زمن الصوم الأربعيني الكلمة التي تخرج من فم الله، لأنه "ليسَ بِالخُبزِ وَحدَه يَحيْا الإِنْسان بل بِكُلِّ كَلِمَةٍ تَخرُجُ مِن فَمِ الله" (متى 4:4)، والعمل بمشيئته وهو القائل "طَعامي أَن أَعمَلَ بِمَشيئَةِ الَّذي أَرسَلَني وأَن أُتِمَّ عَمَلَه" (يوحنا 4: 34) وان نلبي دعوته ونقبل بتوبة وإيمان إلى تناول جسده وشرب دمه وهو القائل: "لأَنَّ جَسَدي طَعامٌ حَقّ وَدمي شَرابٌ" (يوحنا 6: 55). دعاء امنحنا، يارب، أن تؤهلنا رحلة الصوم هذه للاحتفال بأسرار موتك وقيامتك المجيدة. وامنحنا يا ربّ أن تكون كلّ أفكارنا، أقوالنا، وأفعالنا موافقة لإرادتك لأنك إله حنون رحيم طويل الأناة كثير الرحمة لكلّ من يدعونك بقلب نادم متواضع. آمين.