Click to enlarge
12/02/2019
التقسيم: دور الكاهن في خلاص النفوس : الخوري بولس مطر
البعد الرّاعوي

إنّ الأشخاص الّذين يطلبون المساعدة هم أشخاص ينتمون إلى رعيّة وبالتالي إلى أبرشيّة. أفلا يحقّ لهم أن يجدوا من يسمعهم؟ أليس على كاهن الرّعيّة مسؤوليّة الإهتمام بالأنفس مباشرة؟ أو على الأقل معرفة خرافه عن كثب؟ “أنا أعرف خرافي وخرافي تعرفني” يقول السيد المسيح[1]. إنّهم أشخاصٌ يتألّمون إضافةً الى ما يعانون من اضطرابات لعدم وجود من يصغي إليهم ويفهمهم. وحين لا يجدون آذانًا صاغية من قبل كهنة أو متخصّصين في مجال الإصغاء والمرافقة، كما نوّه التعميم البطريركي متحدّثًا عن أهميّة إنشاء لجنة لهذا الأمر، يُصبح من البديهي أن يبحثوا خارجًا ويذهبوا إلى من يقسّم عليهم هنا وهناك، هذا إن لم يلجأوا إلى العرّافين والدّجالين الأمر الذي “يزيد الطّين بلّةً”.

فالمجمع البطريركي المارونيّ في نصّه السّابع، يلقي الضوء على مسؤوليّة خادم الرّعيّة لخلاص النّفوس، ما يُلزمه التعرّف على خرافه والاعتناء بهم بمحبّة أبويّة. ويحملنا على التفكير بجديّة التنشئة في هذا الموضوع وعدم تهميشه والتعامل معه بموضوعيّة سواء في الإكليريكيّات أم في كلّيات اللاّهوت. فما الّذي يمنع أن يكون ثَمَّةَ مادة اختياريّة في كلّيات اللّاهوت تتناول هذا الموضوع كما هو جارٍ في جامعة الغريغوريانا في روما؟[2] أليس هدف التنشئة اللّاهوتيّة تحصين الطّالب علميًّا وفكريًّا، فلسفيًّا ولاهوتيًّا ضدّ البدع والهرطقات كما يذكر ذلك أيضًا المجمع البطريركي الماروني الذي لحَظَ عدم رضى بعض الآباء عن التنشئة المكتسبة إن في الإكليريكيّات أو كلّيات اللّاهوت؟ يجب تعميق المواضيع الّتي تتعلّق بحاجات النّاس المستجدّة وفي مقدّمتها موضوع التقسيم فيُعالَج بطريقة واضحة في الأماكن الخاصّة وليس في وسائل الإعلام ولا عظات الكهنة بطريقة دائمة وعشوائيّة. فالإعلام والوعظ هما للتبشير بالمسيح وبتدبيره الإلهي، وفي ذلك جوابٌ على ما تطرّق إليه مجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك في لبنان في دورة 17-18 أيلول 2010. كما أننا نجد في الإرشاد الرّسولي للبابا القدّيس يوحنا بولس الثّاني “أعطيكم رعاة” Pastores dabo vobis، الرّابطَ الوثيق بين تنشئة الكهنة، الأنجلة الجديدة والبعد الرعوي. يقول البابا إنه من خلال التنشئة تُكمل الكنيسة عملَ المسيح مستشهدًا بالإنجيلي مرقس في مشهد اختيار يسوع للرّسل حين “صعد إلى الجبل ودعا الّذين أرادهم فحضروا إليه. فأقام منهم إثني عشرَ سمّاهم رسلاً يرافقونه فيرسلهم مبشّرين، لهم سلطانٌ به يطردون الشياطين…” (مت 3: 13-15). نستنتج من ذلك، الرابطَ بين اختيار الرّسل وإعطائهم السلطان لطرد الشياطين، كعلامةٍ للتبشير بالمسيح وسلطانه الفاعل في الكنيسة من خلال جماعة الرّسل بالذات. من هنا أهميّة البُعد الرعوي لدور المقسّم في الاصغاء والمرافقة الروحيّة والأنجلة الجديدة، بهدف بلسمة الجراح وعزاء النفوس فتتقوى في جهادها الروحي لكي تسلك في المسيح نحو الآب بقوّة الرّوح القدس وعون الكنيسة. فالمقسّم هو رجل كنسي بامتياز. وذلك يدفعنا للتحدّث عن بعدين مهمّين في خدمة الكاهن المقسّم ورسالته:

1.2 مكان إصغاء وأنجلة جديدة!

قبل صلاة التقسيم يُصغي المقسّم بدوره إلى قاصديه[3]، هو ليس ساحرًا ولا تاجرًا[4]، إنّما رجل إصغاء وإيمان ورجاء. وهذا أوّل ما يجب أن يزرعه في قلبهم وفكرهم[5]. علمًا أن الّذين يقصدون المقسّم يرغبون أن يبدأ مباشرة بالتقسيم عليهم. ولكنه يستمع ويصغي إليهم ليس إرضاءً لرغبتهم[6]، وعليهم أن يعوا أن خدمته لا تنحصر في التقسيم،  فهو كاهنٌ أوّلاً وفي خدمة الإصغاء والأنجلة الجديدة[7]. لذلك على من يقوم بهذه الخدمة أن يكون شخصًا موهوبًا ومؤهلاً للإصغاء والمرافقة الرّوحيّة، عليه أن يكون لاهوتيًا بامتياز، مطّلِعًا على العلوم الإنسانيّة وبخاصة علم النفس، من دون أن يضطلع بدور المعالج النفسي. لذلك على من يأتمنه الأسقف لهذه الخدمة أن يتحلّى بالنضج: الإنسانيّ، النفسيّ، الروحي، العاطفي والإجتماعي، إلخ. ونستطيع القول إنّ على الكاهن المقسّم أن يتّصف بمزايا حُسن الإستقبال، الإصغاء، الرأفة، المرافقة الروحيّة، وإتقان صلاة التحرير. بإختصار هو مدرسة في الإيمان والصلاة، بهِ  وبأمثالهِ تقوم أهميّة دور المُقسّمين حتّى  يومنا هذا[8].

2.2 وسيلة تقودنا الى معرفة المسيح!

معروفٌ أن هدف الحياة الرّوحيّة هو الاتحاد بالله في المسيح وبواسطة الروح القدس. وكلنا نؤمن أنّ المسيح هو الطريق والحق والحياة (يو 14، 6) وأن لا أحدَ يستطيع أن يأتيَ إلى الآب إلّا به. فالوسيط بين الله والإنسان هو يسوع المسيح الّذي بذل نفسه من أجلنا (1 تيم 2، 5). ومركز حياتنا هو المسيح وليس الشيطان. لذلك على المقسّم أن ينتبه جيّدًا لهذا الأمر لئلّا يقع في فخ التحدّث عن الشيطان أكثرَ منه عن المسيح[9]. وعليه أن يعيَ أنّه أداة في خدمة الكنيسة يحرّكها الروح القدس، ومكمّل لعمل المسيح الذي وحده يبقى المثلَ والنموذج. كلُّ ذلك يجعلنا نُدرك أهميّة خدمة المقسّم من حيث أنّها عملُ المسيح في الكنيسة، ما يجعل منها عملاً كنسيًّا بامتياز. فمن خلال التعاقب الرسوليّ إلى يومنا هذا عبر الكنيسة لا يزال سلطان المسيح المعطى لرسله مستمرًّا وفاعلًا. هذا ما يجعل من إذن الأسقف أمرًا ضروريًا. فالمقسّم هو خادم للمسيح ولكنيسته، وسلطانُه ليس منه بل من المسيح بواسطة الكنيسة. وتفويض الأسقف حمايةٌ له ودرعٌ لأنّه يصلّي على قاصديه ليس باسمه ولا بقوّته ، بل بقوّة الكنيسة والسلطان المعطى له منها. و زينةُ دعوتِه أن يتحلّى بروح التواضع والشجاعة بالإضافة إلى الصفات الأخرى المهمّة والضروريّة، فعليه ألّا يكون مُحبًا للإعلام وإذا إضطرّ له فليتجنّب التطرّق  إلى الموضوع في عظاته و في محاضراته بإستثناء ما يدرّ على النفوس بالخير ويقوّي الإيمان والرّجاء مُحذّرًا من المزالق، مُركّزًا حديثه على ما تعلّمه أمُنا الكنيسة، وليمتنع عن توثيق الحالات التي يُعالجها بالصورة، مدركًا أنّ كل ما يتمّ من تحرير ونِعَم خدمتِه  إنّما يعود لمجد المسيح  بفضل قوّة انتصاره على الصليب وقيامته وحضوره الحقيقيّ والفعليّ من خلال جسده السّري. ذلك كلّه يجعل من هذه الخدمة مكانًا تظهر فيه قوّة قيامة المسيح الحيّ في الكنيسة. إضافةً الى تحلّيه بحسّ التمييز، بروح المحبّة الرعويّة، كأمر ضروريّ نحتاج إليه اليوم أكثر من أيّ يوم مضى. وهكذا ننتقل لمعالجة النقطة الثالثة والأخيرة من موضوعنا.

يتبع –