Click to enlarge
10/02/2019
الصيد العجائبي ودعوة بطرس والتلاميذ الأولين: الأب د. لويس حزبون
يصف لوقا الإنجيلي - في مطلع خدمة يسوع الرسولية في الجليل- دعوته الثانية لبطرس وأخيه اندراوس يعقوب ويوحنا بعد الصيد العجائبي. وهؤلاء التلاميذ الأوائل يمثلون العالم بأقطاره الأربعة حيث سيحملون اليه لواء الدعوة والتبشير بالإنجيل بعد صعود يسوع الى السماء. ومن هنا تكمن أهمية البحث في وقائع النص الانجيلي وتطبيقاته.

أولاً: تحليل وقائع نص انجيل لوقا (لوقا 5: 1-11)

1 وازْدَحَمَ الـجَمعُ علَيهِ لِسَماعِ كَلِمَةِ الله، وهُوَ قائمٌ على شاطِئِ بُحَيْرَةِ جِنَّاسَرِت

تشير عبارة "ازْدَحَمَ الـجَمعُ علَيهِ لِسَماعِ كَلِمَةِ الله" الى ربط إطار التبشير مع معجزة الصيد العجائبي. إذ حيث تمت المعجزة في إطار تعليم يسوع مما يدل على ان المعجزة تبدو بمظهر تعليم يُلقى على التلاميذ وتعزز قول يسوع "سَتَكونُ بَعدَ اليَومِ لِلبَشَرِ صَيَّاداً" (لوقا 5: 10). اليوم هل يزدحم الناس على المسيح؟ هل نحن متلهفين لسماع كلمة الله على مثال الجمع؟ أمَّا عبارة " كَلِمَةِ الله" فتشير الى وحي الله المتعلق بخلق العالم وفدائه وتقديسه وتاريخ معاملة الله لشعبه، ومجموع النبوءات عما سيكون حتى المنتهى، والنصائح الدينية والأدبية التي تناسب جميع بني البشر في كل الأزمنة. أمَّا عبارة "وهُوَ قائمٌ على شاطِئِ بُحَيْرَةِ" الى مكان لقاء يسوع مع الجمع لتعليمهم (مرقس 2:13، 3: 7، 4: 1). أمَّا عبارة "بُحَيْرَةِ جِنَّاسَرِت" فتشير الى بحيرة طبرية (يوحنا 6: 21) او بحر الجليل (يوحنا 6: 1). وتسمّى في العهد القديم "بحيرة" أو "بَحرِ كِنَّارةَ" (كنَّرت) (عدد 34 :11) باسم مدينة كنارة في نفتالي (تثنية الاشتراع 3 :17)، وحيث تُعرف في التوراة اليونانيّة باسم جناسر (1ملوك 11 :67) أو جنيسارت Γεννησαρέτ الذي يشتقّ من كلمة العبرية גִּנֵּיסָר "גן" أي الجنة. وبعد هذا صارت جناسر هي كنارة. تدلّ جنيسارت على سهل الغوير الخصب الواقع غربيّ بحيرة طبريّة (متى 14 :34) وتدلّ على خرائب المنية الحاليّة والتي بُنيت في العهد الروماني في المكان الذي كانت فيه الكنارة القديمة. يُطلق حالياً على البحيرة اسم "بحيرة طبرية"، ويبلغ طولها الأقصى من الشمال إلى الجنوب 21 كم، وعرضها الأقصى من الشرق إلى الغرب 12 كم. ويتراوح عمقها بين 42 و48م، ومساحتها نحو 144 كم2. وأمَّا مستواها تحت سطح البحر المتوسط فتتراوح بين 208 و210 م. ومياهها حلوة وصافية وكثيرة السمك. وتهبُّ على بحيرة طبرية العواصف الهوجاء من حين الى آخر. وكانت تحيط في البحيرة أيام المسيح نحو ثلاثين مدينة للصيادين، وأكبرها مدينة كفرناحوم. ولم يزل الصيد جاريًا عليها حتى يومنا هذا.

2 فَرَأَى سَفينَتَينِ راسِيَتَينِ عِندَ الشَّاطِئ، وقد نَزَلَ مِنهُما الصَّيَّادونَ يَغسِلونَ الشِّباك

تشير عبارة "سَفينَتَينِ" الى قارب لصيد السمك التي عثر عليه الاخوان موشية ويوبال لوفن، من هواة الأثار في كيبوتس، عام 1986 على ضفاف بحيرة طبرية ما بين كيبوتس جنوسار والمجدل. يعود تاريخ القارب الى القرن الاول قبل الميلاد حتى سنة 70م. يبلغ طول القارب 8.20م وعرضة 2.35م. اما سواري القارب فهي مصنوعة من خشب الارز. واما الجناح فهو مصنوع من خشب شجر البلوط. وهذا الاسلوب في صنع السفن كان منتشرا في العالم الروماني في فترة القرن الاول قبل المسيح حتى اخر القرن الأول الميلادي. ويقال انه أحد سبعة القوارب المكتشفة في العالم تعود الى ذلك العصر. كان هذا القارب يستخدم كما يبدو للصيد ولنقل البضائع والركاب بين المدن على ضفاف البحيرة. وتتوفر معلومات عن نشاط وفعاليات السيد المسيح في اوساط صيادي السمك في هذه المنطقة اذ ان الصيادين بطرس ويوحنا واندراوس ويعقوب كانوا يملكون مثل هذا القارب. اما عبارة "الصَّيَّادونَ" فتشير الى التلاميذ الاولين وهم بطرس واخوه واندراوس واخوه يعقوب (متى 4: 1-2). أمَّا عبارة "يَغسِلونَ الشِّباك" فتشير الى الصيادين في بحيرة طبرية الذين يستخدمون شباكاً على شكل جرس، لها أثقالٌ من الرصاص مربوطة بأطرافها. وتُلقى الشبكة مُسطحة مفرودة على المياه. فتقوم أثقال ُالرصاص بسحبها للأسفل فتغطي السمك تحتها حيث يجذب الصيادون بعد ذلك حبلا يسحبون به الشبكة حول السمك. ولا بد ان تُحفظ الشباك في حالة جيدة، لذا تُنظف لإزالة الأعشاب العالقة. أمَّا عبارة "الشِّباك" فتشير الى شباك لصيد السمك (متى 13: 47)، وهذه الشباك على أنواع، فمنها ما يطرح في البحر لصيد السمك، ومنها النوع الكبير الذي يلقى بالقوارب على مساحة كبيرة من الماء لحجز ما فيها من أسماك. وهناك شباك لصيد الطيور والحيوانات (اشعيا 51: 20). واستخدمت الشباك رمزاً لاجتذاب الكثيرين إلى الملكوت (متى 13: 47-48). كذلك استخدمت أيضاً لتدل على الحيلة والغدر (الجامعة 7: 26)، والايقاع في الشراك (حزقيال 12: 13).

3فرَكِبَ إِحْدى السَّفينَتَين وكانَت لِسِمعان، فسأَلَه أَن يُبعِدَ قَليلاً عنِ البَرّ. ثُمَّ جَلَسَ يُعَلِّمُ الـجُموعَ مِنَ السَّفينَة

تشير عبارة "إحدى السَّفينَتَين" إلى رمز "كنيسة واحدة من شعبين (اليهود والأمم) اتَّحدا معًا في المسيح بالرغم من أنهما من مصدرين مختلفين" كما يقول القديس أوغسطينوس. أمَّا عبارة " فسأَلَه " فتشير الى سؤال وليس امر يسوع لبطرس حيث لم يتخطى يسوع حق بطرس ليفعل ما أراده بسفينته. ولم يتردد بطرس ان يقدِّم السفينة دون ان يتذرع بالانشغال ليسهِّل عمل المسيح. ونحن، هل نضع تحت تصرف المسيح امكانياتنا من اجل تسهيل عمل الخير ونشر انجيله الطاهر؟ أمَّا عبارة " ِسِمعان" اسم عبراني שִׁמְעוֹן (معناه مُستمع) فتشير الى سمعان بطرس. إذ اخذ سمعان اسما جديدا وهو الاسم الارامي כֵיפָא " كيفا " (يوحنا 1: 42) ويقابله في اليونانية Πέτρος, بطرس (معناه الصخرة) موحي بشخصيته الحقيقية أي صخر الكنيسة بكونه يسوع عيَّنه رئيسا لها. اما عبارة "جَلَسَ" فتشير الى وضعية الواعظ والرابي في ذلك الزمان حيث كان المعلم جالساً لإلقاء التعليم فالمعلم على تلاميذه (لوقا 4: 20(؛ أمَّا عبارة " يُعَلِّمُ الـجُموعَ مِنَ السَّفينَة" فتشير الى السفينة التي حوّلها يسوع الى منبرٍ لإعلان كلمة الله، وهذا المشهد مماثل في إنجيل متى (متى 13: 2-3) وفي انجيل مرقس (مرقس 4: 1-2). المسيح يُسمع صوته وتعليمه حتى في غمرة الاعمال اليومية.

4ولـمَّا فَرَغَ مِن كَلامِه، قالَ لِسِمعان: سِرْ في العُرْض، وأَرسِلوا شِباكَكُم لِلصَّيد.

تشير عبارة "العُرْض" في الأصل اليوناني βάθος (معناها العمق) الى المغامرة مع الاتكال على قدرة الله التي تسند ضعفنا بالرغم من ان الصيد لم يكن بالشباك في العمق بل على الشاطئ! وهنا ينتقل يسوع من الخبرة البشريّة البحتة إلى خبرة الإيمان بكلمته الفعّالة. يعلق القديس اوغسطينوس "أن السيِّد المسيح لم يقل للصيَّادين أن يلقوا شباكهم على الجانب الأيمن ليدخل فيها الصالحون وحدهم، ولا الأيسر ليدخلها الاشرار إنما يلقونها في العمق لتحمل الاثنين معًا، فالدعوة موجَّهة للجميع لدخول شباك الكنيسة لعلهم يتمتَّعون بالحياة الإنجيليّة". السير الى عمق البحر ترمز الى عمق معرفة المسيح وعمق الحب وعمق الإيمان، وعمق كلمة الكرازة. كثيرا ما يطلب إلينا يسوع ان نسير في العمق فم هو رد فعلنا؟ أمّا عبارة " أَرسِلوا شِباكَكُم لِلصَّيد" فتشير الى وقفة يسوع في ساعة الازمة مع الصيادين حيث أتى في لحظةٍ، كان فيها الصيادون - سمعان واندراوس ويعقوب ويوحنا - في ضيق شديد… كانوا قد أمضَوا الليل، ولم يصطادوا شيئاً يحملوه لأولادهم، او للسوق، لكي يكسبوا منه شيئاً، يؤمّنوا به لقمة عائلتهم. اما الصيد بالشباك في بحيرة طبرية فهي أكثر طرق الصيد شيوعاً فيها ، إذ كان الصيد حرفة هامة حول بحيرة طبرية بحيث كانت تحيط في البحيرة أيام المسيح نحو ثلاثين مدينة للصيادين، وأكبرها مدينة كفرناحوم. ولم يزل الصيد جاريًا عليها في أيامنا.

5 فأَجابَ سِمعان: يا مُعَلِّم، تَعِبْنا طَوالَ اللَّيلِ ولَم نُصِبْ شَيئاً، ولكِنِّي بِناءً على قَولِكَ أُرسِلُ الشِّباكَ

تشير عبارة " مُعَلِّم " في الأصل اليوناني Ἐπιστάτα الى أحد القاب يسوع الذي لم يَرِدْ إلاَّ في انجيل لوقا وعلى لسان التلاميذ دائما الذين يؤمنون بيسوع ويثقون بسلطانه (لوقا 8: 24، 9: 33). وهذا اللقب يشير الى إيمانٍ أعمقٍ بسلطة يسوع من اللفظة اليونانية διδάσκαλος التي تترجم هي أيضا ب‍ " معلم (لوقا: 7: 40). أمَّا عبارة " َتعِبْنا " فتشير الى الإرهاق النفسي والجسدي حيث انهم لم يحصلوا على شيء بالرغم من تعبهم. أمَّا عبارة "طَوالَ اللَّيلِ" فتشير الى الوقت المناسب للصيد ومع هذا لم يحصلوا على شيء. وفي هذا الصدد يقول القديس أمبروسيوس على لسان سمعان بطرس "أنا أيضًا يا رب أعلم تمامًا أن ظلام (الليل) يكتنفني عندما لا تكون أنت قائدي". أمَّا عبارة "لَم نُصِبْ شَيئاً" فتشير الى صعوبة العودة الى الصيد بعدما فشل الصيادون في الصيد شيئا طيلة الليل. أما عبارة " ولكِنِّي بِناءً على قَولِكَ أُرسِلُ الشِّباكَ " فتشير الى ثقة بطرس واصحابه بكلمة معلمهم يسوع على الرغم من الصعوبات حيث انهم وافقوا على إلقاء الشبكة والمحاولة مرة أخرى؛ وهنا ينتقل بطرس من الخبرة البشريّة البحتة إلى خبرة الإيمان بكلمة الرب الفعّالة " بِمَعزِلٍ عَنِّي لا تَستَطيعونَ أَن تَعمَلوا شيئاً" (يوحنا 15: 5)؛ ويعلق القديس أمبروسيوس " ما هي شباك الرسول التي أُمر بإلقائها في العمق إلا العظة وقوّة الحجة". فهل نحن نؤمن بكلام الرب ونتق به ونرسل الشباك، إجابة لطلبه؟ وكثيرًا ما تقودنا خبراتنا البشرية لليأس، ولكن مع الإيمان والاتكال على الرب نرى العجائب. وهذا ما يُذكرنا بترنيمة صاحب المزامير "إِن لم يَبْنِ الرَّبُّ البَيتَ فباطِلاً يَتعَبُ البَنَّاؤون. إِن لم يَحرُسِ الرَّبُّ المَدينة فباطِلاً يَسهَرُ الحارِسون. باطِلٌ لَكم أَن تُبَكِّروا في القِيام وتَتَأَخَّروا في المَنام آكِلينَ خُبزَ المَتاعِب واللهُ يَرُزقُ حَبيبَه وهو نائم" (مزمور 127: 1- 2). يُعلمنا بطرس ان الله موجود وهو حاضر معنا في حياتنا اليومي. هذه الحقيقة هي الهيكل العظمي لحياتنا ولعملنا. ليتنا نُلقي شباك الخير بكلمته تعالى.

6 وفعَلوا فأصابوا مِنَ السَّمَكِ شَيئاً كثيراً جداً، وكادَت شِباكُهُم تَتَمَزَّق

تشير عبارة "فأصابوا السَّمَكِ شَيئاً كثيراً جداً" الى صيدٍ وفير يفوق كل توقعات بطرس ورفاقه. ويذكر يوحنا الإنجيلي في الصيد العجائبي بعد القيامة ان الشبكة امتلأت 153 سمكة (يوحنا 21: 11). وقد جاء على لسان القديس ايرونيموس "ان علماء الطبيعة الاقدمين كانوا يجعلون السمك 153 صنفا". فمهمة شبكة الرسل ان تجمع جميع الاسر البشرية في الكنيسة الواحدة (متى 13: 47-50) علما ان "السمكة" ترمز للسيِّد المسيح نفسه كما ترمز لمؤمنيه. 153سمكة هو رقم رمزي يشير للكنيسة، أبناء الله المؤمنين. ب 153 تتعادل 3 + 50 + 100 بحيث " رقم 3 يشير لله مثلث الأقانيم ولمن آمن بالله (الثالوث) وقام مع المسيح (3 رقم القيامة). القيامة من موت الخطية هنا. ويشير للروح القدس الأقنوم الثالث. ورقم 50 يشير الى يوم العنصرة لأن من قام مع المسيح يعطيه الله أن يتحرر ويحل عليه الروح القدس و50 في العهد القديم هي سنة اليوبيل أي الحرية. وأما رقم 100 فيشير الى قطيع المسيح الذي لا يهلك منه أحد (100خروف) فالمسيح يبحث حتى عن الخروف الضال لكي يرده فلا يهلك. أمَّا عبارة "شِباكُهُم" فيقول إنجيل لوقا انها َتَمَزَّقت؛ أمَّا أنجيل يوحنا فان الشبكة لم تتمزق (يوحنا 21: 11). حين يكرزوا الرسل بالإنجيل، يجمعون الناس كما يجمع الصياد السمك في شبكته. تبدلت حياة الرسل كليا، من شبكة الى شبكة، ومن صيد الى صيد. فالشبكة رمز للكنيسة، ومن يترك الكنيسة يغرق في بحر هذا العالم. اما عبارة " تَتَمَزَّق" فتشير الى وفرة السمك التي تمّ صيده. ويرى البعض ان تمزق الشباك بسبب هروب السمك الصغير منها، وهذا السمك يرمز لمن إيمانهم ضعيف. هل نحن أيضا اختبرنا الخيرات التي أغدق الله علينا وغمرنا بها؟
7 فأَشاروا إِلى شُرَكائِهم في السَّفينَةِ الأُخرى أَن يَأتوا ويُعاوِنوهم. فأَتَوا، ومَلأُوا كِلْتا السَّفينَتَينِ حتَّى كادَتا تَغرَقان.
تشير عبارة " مَلأُوا كِلْتا السَّفينَتَينِ حتَّى كادَتا تَغرَقان" الى نتيجة غير متوقعة من وفرة السمك التي أعطت بطرس اعلانا جديدا عن شخصية يسوع الذي كافأه عن استخدام سفينته. اما عبارة مَلأُوا كِلْتا السَّفينَتَينِ حتَّى كادَتا تَغرَقان" فتشير الى اهتمام يسوع بعمل بطرس الروتيني اليومي ومساعدته في احتياجاته. لا يهتم الله بخلاصنا فقط، بل أيضا بمساعدتنا في حياتنا اليومية.

8 فلَمَّا رأَى سِمعانُ بُطرُسُ ذَلِكَ، اِرتَمى عِندَ رُكبَتَي يَسوعَ وقال: يا ربّ، تَباعَدْ عَنِّي، إِنِّي رَجُلٌ خاطِئ

تشير عبارة " رأَى " الى رؤية بطرس للصيد الوفير، لكن اهتمامه لم يكن بالصيد بحد ذاته، إنما كان انجذابه لشخص المسيح، صاحب السلطان على السماء والأرض والبحار (مزمور 8: 8) نظرا لإدراكه أنه أمام شخصٍ مميزٍ، نبيٍ، شخصٍ مُرسل من قِبل الربّ. أمَّا عبارة "سِمعانُ بطرس" فتشير الى الاسم المزدوج الذي يطلقه يسوع على بطرس للمرة الوحيدة في انجيل لوقا. وفي ضوء الكتاب المقدس من أطلق على أحد اسما جديداً، كان له سلطان عليه (2 ملوك 23: 34)، كسلطان الاب على ابنه عند مولده، وهو يحدَّد له أيضا مصيراً جديداً بفضل الاسم الجديد (تكوين 17: 5). تروي الاناجيل إطلاق اسم "بطرس" على "سمعان" في ظروف مختلفة؛ في انجيل لوقا ومرقس غيَّر يسوع اسم سمعان الى بطرس لدى اختياره الاثني عشر (لوقا 4: 38؛ مرقس 3 :16). أمَّا في انجيل متى فإن تغيير اسم سمعان كان جوابا عن شهادة سمعان انَّ يسوع هو المسيح المنتظر (متى 16:18)؛ أمَّا في إنجيل يوحنا فغيّر يسوع اسم سمعان في اول لقاء يسوع كمعلم وبطرس كتلميذ (يوحنا 1: 42)؛ وعادة نجد هذه الاسم المزدوج في انجيله (يوحنا 21: 2، 3، 7، 11). أمَّا عبارة" اِرتَمى عِندَ رُكبَتَي يَسوعَ" فتشير الى رهبة بطرس امام الصيد العجائبي، فعرف بطرس نفسه على حقيقته. وكانت استجابته الأولى نحوها هي الإحساس بضعفه مقارنة مع هذا الشخص العظيم يسوع القدوس. اما عبارة " يا ربّ " فتشير الى السيد أو المولى دلالة على الاعتبار والإكرام بمعنى المالك الآمر، والسيد المطاع والمعلم. وهنا تدل على بطرس الذي عرف نفسه امام يسوع فخاطبه باللقب "يا رب". فحين ردَّدها بطرس شعر فيها معاني كثيرة، ومنها الانكسار للمسيح الرب فاعترف انه صاحب القدرة والفضل، وأيضا تحمل كلمة "يا رب "معنى الحب العميق لواهب النعم. وفي كلمة "يا رب" أيضا سؤال طلب العون وتفريج الهم والغم، وأخيرا تحمل كلمة "يا رب" معنى الغنى بالمسيح ولو فقد الكثير من أمور الدنيا، وتعني أيضا الفقر من دون المسيح، وإن ملك الدنيا وما فيها. ما أروعها هذه الكلمة إلى كل من ثـقل عليه الهم وضاقت عليه الأرض برحابها إلى أن ضاقت عليه نفسه. والجدير بالذكر بان بطرس نادى يسوع " يا معلّم" (لوقا 5: 5)، أما بعد الصيد العجيب فقد ناداه "يا رب". أمَّا عبارة " تَباعَدْ عَنِّي " فتشير الى بطرس الذي اكتشف في معجزة صيد العجائبي قوة يسوع الإلهية فاعترف أنه غير مستحق ان يمثل أمام الرب وشعر انه ليس أهلا أن يبقى معه؛ كما أكد ذلك شفاعة إبراهيم لأهل سدوم وعمورة في (تكوين 18: 23) وموقف أيوب امام الله (أيوب 42: 6) ورد فعل أشعيا النبي امام دعوة الله له (اشعيا 6: 5). لم يكن تواضع بطرس الرسول كلامًا بل هو تفاعل مع العمل الحيّ الإيجابي، انها عاطفة نجاسة امام القداسة، عاطفة الضعف امام القدرة، عاطفة الحيرة والدهشة امام معجزة الايمان واليقين. ويُعلق القديس يوحنا الذهبي الفم " أعتبر بطرس أنّه لا يستحقّ حضور الرّبّ لأجل خطيئته، لكنّ السّيّد أكبر من خطيئتنا وهو يشتاق لأن يغفر خطايانا أكثر ممّا نشتاق نحن للتّوبة ". أمَّا عبارة ""رَجُلٌ خاطِئ" فتشير الى اختبار بطرس بخطيئته والاقرار ببعده عن الربّ وبعدم استحقاقه. فهناك هوة قائمة بين قداسة يسوع وضُعف الانسان، إذ تجلى مجد الله في يسوع (يوحنا 1: 14). ومن هذه المشاعر تنبع الرَهْبة كما شعر النبي أشعيا لدى رؤيته عرش الله " وَيلٌ لي، قد هَلَكتُ لِأَنَّي رَجُلٌ نَجِسُ الشَّفَتَين، وأَنا مُقيمٌ بَينَ شَعبٍ نَجسِ الشِّفاه" (اشعيا 6: 5). وأمام الله يشعر الانسان بدهشة ملؤها عرفان الجميل (لتكوين 32: 31) او بخافة (قضاة 6: 22-23)؛ ويُعلق القديس يوحنا الذهبي الفم " ليس شيء مقبولًا لدى الله مثل أن يحسب الإنسان نفسه آخر الكل". وفي هذا الصدد يقول البابا فرنسيس "إن لم نتعلّم أن ندين أنفسنا فلن نتمكّن من السير في الحياة المسيحيّة. هذه هي الخطوة الأولى لكلِّ فرد منا إن أراد أن يسير قدمًا في الحياة الروحيّة، في حياة يسوع وخدمته".

9 وكانَ الرُّعْبُ قدِ استَولى علَيهِ وعلى أَصحابهِ كُلِّهم، لِكَثَرةِ السَّمَكِ الَّذي صادوه.

تشير عبارة " كانَ الرُّعْبُ قدِ استَولى علَيهِ " الى الخوف امام قداسة الله وقدرته بحيث اكتشف بطرس انه غير مستحق ان يمثل امام الرب كما كان الحال مع قائد المائة الذي قال ليسوع "يا رَبّ، لَستُ أَهْلاً لأَن تَدخُلَ تَحتَ سَقفِي" (متى 8: 8) فالرهبة هي علامة تسامي الله وعظمته كما يقول العالم الاجتماعي رودلف اوتُّو. نجد أن المسيح قد أظهر سلطانه أمام تلاميذه في هذه المعجزة التي جعلتهم يطمئنون لتدبير الله نظراً لاحتياجاتهم المادية. ويُعلق المطران بيير باتتيستا "أن أفضل لحظة لمعرفة الرب هي لحظة الفشل والإرهاق والهزال: وهناك حيث تنهار مقاومتنا وغطرستنا، يستطيع الربّ عندها الاقتراب منّا ليقول لنا بأنّ اقترابه هو هبة مجانيّة مضمونها الرحمة والغفران.

10 ومِثلُهُم يَعقوبُ ويوحنَّا ابنا زَبدَى، وكانا شَريكَي سِمْعان. فقالَ يسوعُ لِسِمْعان: لا تَخَفْ! سَتَكونُ بَعدَ اليَومِ لِلبَشَرِ صَيَّاداً

تشير عبارة " لا تَخَفْ " الى دعوة يسوع الى بطرس الى الاطمئنان والثقة، فالخوف لا يغيّر أي شيء، لكن الثقة بالرب يسوع تغيِّر كل شيء. لكن من البديهي ان يخاف المرء امام قدرة المسيح وعظمته من ناحية، وضعفه البشري وعدم استحقاقه من ناحية أخرى. فالخوف دليل الاكرام لاسمه القدوس. وهذه العاطفة مرتبطة بوجود الانسان أمام الله الذي هو سرّ يحيطنا بخشيته ويسحرنا بحضوره. الحضور أمام الله الحيّ أمر رهيب كما يقول صاحب الرسالة الى العبرانيين " ما أَرهَبَ الوُقوعَ في يَدِ اللهِ الحَيّ! " (عبرانيين 10 :31). هذا الاله الذي يستطيع أن يخلّص وأن يهلك (يعقوب 4 :12). اما عبارة "سَتَكونُ بَعدَ اليَومِ لِلبَشَرِ صَيَّاداً" فتشير الى أقدم وعد عن دعوة للإنجيل الذي يوحي انَّ العمل الرئيسي للدعوة في العالم هو ان يربح المرء آخرين للمسيح، فيجمعهم من أجل الدينونة والدخول الى الملكوت (متى 13: 47-50). يدعو يسوع بطرس ليتبعه لا كسامع فقط، بل كمعاون وشاهد لملكوت الله وعامل في حصاده (متى 10: 1-27). والمسيح يدعو بطرس ليس لما هو عليه، بل لما يجعله ان يكون، إذا كان مستعداً لطاعته. وفي مفهوم يوحنا الإنجيلي يسوع يعهد الى بطرس المهمة الرعوية لقطيعه إذ جعله راعي الخراف (يوحنا 21: 15-19). لذلك ترك بطرس مهنة يعيش منها، وأخذ مهنة أخرى، حين يكرز بالإنجيل، يجمع الناس كما يجمع الصياد السمك في الشباك. فتبدَّلت حياته كليا من شبكة الى شبكة، ومن صيد الى صيد؛ وتحوّل من صيّاد سمك إلى صيّاد بشر. فالأوّل يصطاد ليأكل، وأمّا الثّاني فيصطاد ليُطعم النّاس كلام الحياة الأبديّة. ان الدعوة الإلهية تغيّر مصير الانسان في لحظة. ويُعلق القديس كيرلس الكبير" فلنمدح الطريقة التي أصبح بها التلاميذ صيَّادي العالم قاطبة، أنه طُلب منهم أن يصطادوا الشعوب الأخرى إلى حظيرة المسيح الحقيقيّة".

11 فرَجَعوا بِالسَّفينَتَينِ إِلى البَرّ، وتَركوا كُلَّ شَيءٍ وتَبِعوه

تشير عبارة "تَركوا كُلَّ شَيءٍ" الى التخلي بحرية عن سفينتهم وشباكهم وصنارتهم والاسماك التي صادوها ومهنة الصيد. فكان التشديد هنا على التجرد التام المطلوب من تلاميذ يسوع؛ ومن هذا المنطلق يستلزم إتباع يسوع هجر الحرفة على مثال متى العشار (لوقا 5: 28)، وقصم عُرى الروابط العائلية. إنها دعوة الى ولاءٍ وإخلاص من القلب. إذ لا يمكن معاينة الحقيقة والبقاء عند شاطئ العالم. ويعلّق القديس يوحنا الذهبي الفم على هذا الترك بالقول" أخبرني أي شيء عظيم تركه بطرس؟ أليست مجرد شبكة ممزقة (لوقا 5: 11) وعصا وصنارة؟! ومع ذلك فقد فتح له الرب بيوت العالم، وبسط أمامه الأرض والبحر". أمَّا عبارة "تَبِعوه" في الأصل اليوناني ἠκολούθησαν(معناها يسير وراء شخص) فتشير لفظياً الى التلاميذ الذين "جاءوا وراء يسوع" (متى 4: 20) وهو امر أكثر من مجرد الاعتراف به مخلصا، إنما ترك الماضي خلفهم، وتكريس مستقبلهم للمسيح ليصبحوا مبشرين بإنجيله الطاهر. وفي هذا الصدد يقول الفيلسوف واللاهوتي سورين كيركغور " لا يريد المسيح أناسا معجبين به، بل أناسا يتبعونه" مبينا أهمية اختيار الإنسان والتزامه. وهذا الاتباع يتطلب الزهد بالنفس وحمل الصليب والسير وراء يسوع كما صرّح يسوع "مَن أَرادَ أَن يَتبَعَني، فَلْيَزْهَدْ في نَفْسِه ويَحمِلْ صَليبَه ويَتبعْني" (مرقس 8: 34). فإتباع يسوع يتطلب الزهد في النفس المعبّر عنه بقبول الصليب، أي بتعريض حياته للخطر في سبيل يسوع والبشارة (مرقس 8: 35-37). فيلازم يسوع. وأخيرا عندما نتبع يسوع لا بد لنا من الاعتراف بطبيعتنا البشرية الخاطئة، فنحن لا نقدر ان نخلص أنفسنا، وليس سوى الله وحده الذي يقدر ان يخلصنا. هذا ما فعله سمعان بطرس واندراوس، وهذا ما فعله اندراوس ويعقوب ويوحنا. سمع الاربعة النداء تركوا كل شيء وتبعوا يسوع (متى 4: 18-22) علما ان هؤلاء التلاميذ كانوا قد عرفوا يسوع المسيح من قبل وقد دعاهم لإتباعه (متى 4: 18-22). سمعان بطرس ممثِّل صخرة الإيمان، وأندراوس ممثِّل الجِدِّية والرجولة، ويعقوب ممثِّل الجهاد والتعقب المستمر، ويوحنا ممثِّل حنان الله ونعمته. اقترب يسوع من التلاميذ الاولين وحوّلوهم من مجموعة اختبروا ضعفهم البشري إلى أشخاص التقوا بالحياة الحقيقية، التي مكّنتهم من ترك كلّ شيء للبقاء مع الربّ كي يحملوا رسالته الى العالم. إن الدعوة الإلهية تغيِّر مصير الانسان في لحظة. والرب لا يزال يدعو كل واحد منا لنتبعه بالرغم من ضعفنا وعدم استحقاقنا.

ثانياً: تطبيقات نص الإنجيلي (لوقا 5: 1-11)

بعد دراسة وقائع النص الإنجيلي نستنتج انه يتمحور حول الصيد العجائبي ودعوة بطرس ورفاقه الثلاثة. فبعد الدعوة الأولى للتلاميذ (متى 4: 18-22، ومرقس 1: 16: 20) عاد بطرس واندراوس ويعقوب ويوحنا الى صيد السمك. فقابلهم يسوع في عملهم واعانهم في عملهم ودعاهم. ومن خلال دعوة يسوع اثناء صيد السمك العجائبي تمّت مواجهة بين سيدنا يسوع في عظمته وسره من ناحية، وبين بطرس الذي ظهر على حقيقته بما فيه من خوف وثقة وإيمان من جهة أخرى. ومن هنا نتساءل عن نقطتين: على ماذا تقوم دعوة سمعان بطرس وشركائه، وما علاقة الصيد العجائبي في الدعوة؟

أولا: على ماذا تقوم دعوة سمعان بطرس والتلاميذ الأولوين؟

بطرس هو سمعان واسم ابيه يونا (متى 16: 17) واسم أخيه اندراوس واسم مدينته بيت صيدا. فلما تبع سمعان يسوع سمَّاه يسوع "كيفا" Κηφᾶς "يوحنا 1: 42) وهي كلمة آرامية כֵיפָא معناها صخرة والصخرة باليونانية Πέτρος أي بطرس (متى 16: 18). وبعد قيامة يسوع، حقَّق بطرس ما أنبأ المسيح عنه "أَنتَ صَخرٌ وعلى الصَّخرِ هذا سَأَبني كَنيسَتي" (متى 16:17). وقد دعا يسوع بطرس ثلاث مرات. فأولاً دعاه ليكون تلميذا، (يوحنا 1: 15-42) ودعاه ثانيةً ًلكي يكون رفيقا له ملازما باستمرار (لوقا 5: 10) ثم دعاه ثالثة لكي يكون رسولا له (لوقا 6: 13-14).

إن الدعوة هي نداء يوجّهه الله للإنسان الذي اختاره لذاته، والذي يخصُّه لعمل معيّن في تدبيره الخلاصي وفي مصير شعبه. وعليه فإن لدعوة بطرس عنصران: نداء وجواب. نداء من يسوع يوجّه إلى قلب بطرس. اذ قالَ يسوعُ لِسِمْعان: "لا تَخَفْ! سَتَكونُ بَعدَ اليَومِ لِلبَشَرِ صَيَّاداً" (لوقا 5: 10). وهذا النداء هو نداء شخصيّ موجّه إلى أعماق ضمير بطرس، فَقَلَب يسوع أوضاع كيانه، لا في ظروفه الخارجية فقط بل أيضا في عمق قلبه. فجعل منه شخصاً آخر. إذ أطلق عليه اسما جديدا وهو بطرس (يوحنا 1:42). إن الدعوة تفترض تغييراً في الحياة. المسيح يدعو الناس، ليس لما هم عليه، بل لما يجعلهم هو ان يكونوا، إذا ما كانوا مستعدين لإطاعته. فنِداء يسوع لبطرس جعله ينتقل من صيَّاد سمك الى صيَّاد بشر (لوقا 5: 9) ودفع به نحو مكان لا يعرف سرَه إلا يسوع المسيح: "ترك كل شيء وتبع يسوع" (لوقا 5: 11) كما قالَ الرَّبُّ لأَبْرام: "اِنطَلِقْ مِن أَرضِكَ وعَشيرَتكَ وبَيتِ أَبيكَ، إِلى الأَرضِ الَّتي أُريكَ" (تكوين 12: 1). وترك بطرس ومعه شركائه بطرس ويعقوب واندراوس الصيد والسفينة في البحر وتبعوا يسوع لصيد آخر، على بحر آخر. تركوا شباكهم في السفينة، واتخذوا للصيد شباكا غيرها.

ولكل نداء جواب. على النداء، انتظر يسوع جواباً، أي موافقة واعية تعبِّر عن الإيمان والطاعة. فجواب بطرس كان تكريس قلبه وحياته بأكملها للمسيح. "تَرك كُلَّ شَيءٍ وتَبِع يسوع (لوقا 5: 11). لكن جواب بطرس بالموافقة لم تتم فورياً، قد خالجه شعور بالخوف كما تبيّن من كلام يسوع لبطرس "لا تَخَفْ! " (لوقا 5: 9)، كما خالجه شعور بعدم الاستحقاق كما نستنتج من كلام بطرس "يا ربّ، تَباعَدْ عَنِّي، إِنِّي رَجُلٌ خاطِئ (لوقا 5: 7). ويلمّح هذا الكلام الى تأثر بطرس السريع في معجزة الصيد العجائبي التي صنعها المسيح، فآمن بيسوع، ابن الله ووضع ثقته فيه. فأجابه يسوع بكلمة تشجيعية وأخبره أنه سيصبح صيّاد البشر. وباختصار، الدعوة هي عمل الله، وجواب الانسان للمبادرة الإلهية، ولا يجب أن يخاف من ضعفه عندما يدعوه الله، بل عليه أن يثق بقدرته التي تعمل في ضعفه البشري وبقوة رحمته التي تحوّله وتجدده.

أمَّا غاية الدعوة فهي الارسال. يوجه الله هذا النداء إلى جميع من يختارهم كأداة لعمله أي تنفيذ الأمر الإلهي. دعا يسوع بطرس ليرسله كما ردَّد نفس الأمر لإبراهيم (تكوين 12: 1)، ولموسى (خروج 3: 10)، ولعاموس (عاموس7: 15)، ولأشعيا (إشعيا 6: 9)، ولإرميا (إرميا 1: 7)، ولحزقيال (حزقيال 3: 1). فبطرس دعي كرسول لتَبْشيرِ المَختونين (غلاطية 2: 8) وواصل بعد ما وضعت اساسات الكنيسة تبشيره حيث يوجد اليهود تاركا اورشليم لقيادة يعقوب، أخو الرب (اعمال الرسل 12: 17) وأمَّا قيادة كنيسة الأمم فدعي بولس الرسول الى تبشيرها. واستشهد كما سبق الرب وأخبره ذلكَ "مُشيراً إِلى المِيتَةِ الَّتي سيُمَجِّدُ بِها الله" (يوحنا 21: 19). وبحسب تقاليد الإباء ايرونيموس واكليمندس الاسكندري وترتوليانس وأوريجانوس ويوسابيوس فانه قد استشهد في روما. وهكذا يبرز سمعان بطرس امامنا مثالا في تلبية الدعوة والثبات في الايمان ونموذجا للرجاء.

ثانيا: معجزة الصيد العجائبي ودعوة بطرس والتلاميذ الاولين

يربط لوقا الانجيلي رواية الصيد العجائبي بدعوة سمعان بطرس. وحدثت هذه المعجزة في إطار تبشير الجموع. ولما انتهى يسوع من التبشير تمّت المعجزة. وتبدو هذه المعجزة خاصة بمظهر تعليم يُلقى على التلاميذ، وتعزز كلمة يسوع سمعان بطرس "لا تَخَفْ! سَتَكونُ بَعدَ اليَومِ لِلبَشَرِ صَيَّاداً " (لوقا 5: 9).

في نظر لوقا الانجيلي، ان المعجزة عمل من اعمال الله من حيث انها تدعو الانسان إلى الإيمان؛ وإنَّ بطرس حر في قبوله او رفضه. فهي دعوة موجّهة الى بطرس من قبل يسوع ليتقبّل بحرية هذه الدعوة ليكون صيادَ بشرٍ.

يبدأ يسوع بتحضير بطرس وباختباره بطلب عادي ومن خلال حياته وعمله اليومي لا بل الروتيني المتعب وهو الصيد. وهنا يترك لبطرس الحرية التامة في تلبية دعوته أولا " أَن يُبعِدَ بسفينته قَليلاً عنِ البَرّ " (لوقا 5: 3)؛ ثم ثانياً يطلب من بطرس أمراً أكثر صعوبة " سِرْ في العُرْض " (لوقا 5: 4). فأطاع بطرس كلمة الرب يسوع وعلى هذه الكلمة كان اكتشف عمق الذات وعمق الكلمة الفاعلة المثمرة روحياً وعمق المسيح وقداسته وقدرته على تغير مجرى حياته. ثالثاً: وبناءً على هذا الاكتشاف أخذ بطرس يعترف بأنه "رَجُلٌ خاطِئ " (لوقا 5: 8). رابعا: بدأ تغيير مسار حياته حيث يصبح صياداً للبشر (لوقا 5: 10) بدلاً من صياد السمك بتشجيع المسيح وقوته. وأخيراً ترك بطرس ورفاقه الثلاثة كل شيء وتبعوا يسوع بلا جدال أو شروطٍ (لوقا 5: 10).

المعجزة كانت علامة لبطرس. فالعلامة الأولى للمعجزة هي رهبة او خوف بطرس امام المعجزة، وكانت استجابته الأولى نحوها هي الإحساس بضعفه البشري مقارنة مع يسوع هذا الشخص العظيم. عرف بطرس نفسه امام المسيح، ولم يتمالك نفسه امام المعجزة "وِارتَمى عِندَ رُكبَتَي يَسوعَ وقال: يا ربّ، تَباعَدْ عَنِّي، إِنِّي رَجُلٌ خاطِئ "(لوقا 5: 8)، وهي عاطفة جليلة من التواضع العظيم، عاطفة من الذهول والضعف امام القدرة، عاطفة من الحيرة والارتباك أمام معجزة الايمان واليقين.

والعلامة الأخرى التي يجب ان ننتظرها من يسوع هي دعوته لبطرس الى الايمان به، الايمان بشخصه الذي يدعوه الى حمل رسالته. فقبل بطرس دعوة المسيح، لان الايمان مكَّنه من الاعتراف به من خلال المعجزة. فالمعجزة مهّدت لدعوة بطرس؛ والدعوة تُضفي معنى على المعجزة، والمعجزة بدورها مكّنت الدعوة من ان تتحقق عمليا.

ونستنتج مما سبق ان هناك شرطان يسبقان إتباع المسيح. مطلوب أولا ان يعترف الانسان بطبيعته البشرية الخاطئة الآثمة، فالإنسان لا يستطيع ان يخلص نفسه، وليس سوى الله يقدر ان يخلصه. وثانيا مطلوب من الانسان ان يعترف بعدم جدوى جهوده، فقد جاهد بطرس ورفاقه الصيادون طوال الليل بدون فائدة.

ومن هذا المنطلق نجد صلة قائمة بين الكلمة (التبشير) والعمل (المعجزة). لم يكتف يسوع بالتبشير في الملكوت، بل اظهر هذا الملكوت في الاعمال. فقد أدخلت معجزة الصيد العجائبي التأهب والانفتاح على قلب بطرس بل هي دعوة لبطرس لاتخاذ موقف تجاه يسوع. فمن خلال صيد السمك العجائبي اكتشف بطرس نفسه يسوع المسيح، وعرف ان الله تدخل في حينه عن طريق المعجزة. فالمعجزة هي علامة أنارتها كلمة الايمان، وبالإيمان قبل بطرس دعوته في حمل رسالة يسوع للخلاص والحياة الأبدية بان يكون صيَّاد بشر. فتخلي بطرس ورفاقه عن حرفة الصيد وصاروا أتباعا ليسوع. وكانت مهنة صيد السمك تدريبا حسنا على الاحتمال والانتظار وطول البال والصبر اللازم للعمل في صيد البشر وربح النفوس للمسيح.

الخلاصة

معجزة صيد السمك امر واقع، والمسيح حقَّقها وعبّر من خلالها عن قدرته الإلهية. لا يركز لوقا الإنجيلي على معجزة الصيد بقدر كان تركيزه منصبَّا على دعوة الإنسان لاختبار كلمة الله وعيشها في حياته. فرسم لنا كيف أنّ يسوع قد دخل في عمق حياة الناس، ودعاهم ليتبعوه، تمامًا في تفاصيل حياتهم اليوميّة، من على قوارب الصيد. فلم يسألهم أولاً أن يذهبوا إلى المجمع، ولا طلب منّهم تأجيل استجابتهم لله حتى يتخلّصوا من ضعفهم البشري وشوائبهم، وخطاياهم. إن استجابتهم لله تنمو وتتعمّق مع الزمن. فهي مسيرة، وليست حدث.

ولكن دعوة يسوع استلزمت معجزة ليقتنع بها سمعان بطرس كي يتبعه. إذ طلب منه أن يترك صيد السمك "ليصبح صياد البشر" ويأتي بالآخرين الى الله ويربح الناس الى ملكوت الله. ما عمله يسوع في الماضي على الأرض، لا يزال يعمله اليوم. فالحياة المسيحيّة هي دعوة، لأنها حياة في الروح، ولأن الروح يقودنا إلى عالم جديد (رومة 8: 16). ولأن الروح هو منشئ الدعوة المسيحية. ويوجد داخل هذه الدعوة الواحدة، مواهب على أنواع... وخدمات على أنواع... وأعمال على أنواع... "ولكن، رغم هذه المواهب المختلفة، لا يوجد إلا جسد واحد وروح واحد" (1 قورنتس 12: 4-13).

لا يزال الرب يسوع يدعو كل واحد منا لنتبعه. إتباع يسوع يعني أننا نترك نظرتنا ونأخذ بمشروعه. ترك الصيد والشبكة والسفينة في البحر لكي نتبعه لصيد آخر وهو صيد النفوس، وترك شبكة لنأخذ شبكة الدعوة الانجيلية التي تنتشل الناس من قعر ظلمات الجهل والضلال الى الأفق المنير، وترك سفينة العالم لنأخذ سفينة الكنيسة. فيسوع الناصري هو نفسه الذي أولي كل سلطان في السماء والأرض وهو الباقي مع كنيسته حتى نهاية العالم كما وعد تلاميذه قبل صعوده الى السماء "إِنِّي أُوليتُ كُلَّ سُلطانٍ في السَّماءِ والأَرض. فاذهَبوا وتَلمِذوا جَميعَ الأُمَم، وعَمِّدوهم بِاسْمِ الآبِ والابْنِ والرُّوحَ القُدُس، وعَلِّموهم أَن يَحفَظوا كُلَّ ما أَوصَيتُكُم به، وهاءنذا معَكم طَوالَ الأَيَّامِ إِلى نِهايةِ العالَم" (متى 28: 18-20)، هذه هي دعوة يسوع المسيح لسمعان بطرس ولرسل والتلاميذ ولجميع المسيحيين في العالم.

دعاء

نعترفَ بك يا يسوع المسيح ربًّا كما اعترف بك بطرس فقالَ: "يا ربّ، تباعَدْ عنّي، إنّي رجلٌ خاطئ، لأنّنا لسنا سوى إنسان وأنتَ الإله الإنسان. إننا خاطئون وأنتَ القدّوس، نحن الخدام وأنتَ الربّ. فها نحن بين يديك فأرسلنا صيادي بشر كي نرمي شباك كلمتك المقدسة ونجذب الجميع الى شاطئ الأمان في ملكوتك. آمين

قصة صيادة النفوس ويوميات والقدّيسة تيريزا الطفل يسوع

"جعلني الرب صيّادة نفوس؛ فشعرت برغبة كبيرة في العمل على اهتداء الخطأة...سمعتُ عن مجرم كبير اسمه "برانزيني" حُكم عليه بالإعدام لارتكابه جرائم مريعة، وكان كلّ شيء يدلّ على أنّه سيموت في الخطيئة.

كنت أريد منعه من الذهاب إلى الجحيم مهما كلّف الأمر...

كنت أشعر في أعماق قلبي بأنّه سيتمّ تلبية هذه الرغبات، لكن بغية اكتساب الشجاعة الكافية للاستمرار بالصلاة من أجل الخطأة، قلت لله إنّني متأكّدة من أنّه سيغفر للمسكين برانزيني، ومن أنّني سأصدّقه حتّى لو لم يعترف ولم يتلفّظ بأيّ كلمة ندم، وذلك نتيجة ثقتي الكبيرة برحمة الرّب يسوع اللامتناهية، لكنني كنت أطلب منه إشارة توبة لمواساتي فحسب. تمّت الاستجابة حرفيًّا لصلاتي!

منذ هذه النعمة الفريدة من نوعها، بدأت رغبتي في إنقاذ النفوس تزداد يومًا بعد يوم؛ بدا لي أنّني أسمع الرّب يسوع يقول لي كما للمرأة السامريّة: "اِسْقيني!" (يو 4: 7). كانت عملية تبادل للحبّ حقيقيّة؛ للنفوس، كنت أقدّم دم الرّب يسوع. وللرّب يسوع، كنت أقدّم هذه النفوس نفسها التي أنعشتها قطرات الندى الإلهيّة. هكذا، بدا لي أنّني كنت أرويه، وكلّما كنت أسقيه، كلّما كان عطش نفسي المسكينة يزداد، وكان هذا العطش المتّقد الذي يشعرني به بمثابة شراب محبّته اللذيذ" (مخطوط السيرة الّذاتيّة)