Click to enlarge
08/11/2018
إميل أمين يكتب: الأعمدة السبعة المصرية.. وطريق العيش المشترك
هل هي مصادفة قدرية أم موضوعية أن يتم اختيار كتاب المفكر المصري الراحل الدكتور ميلاد حنا: "الأعمدة السبعة للشخصية المصرية"، ليكون محور ومركز التفكير في مؤتمر الشباب العالمي الذي استضافته مدينة شرم الشيخ الأيام القليلة الفائتة في الوقت الذي تعرض فيه النسيج المصري لاختبار مؤلم جديد، ترك بصمة حزينة على كافة ربوع المحروسة؟

نحن أمام عدة قضايا متشابكة وغير منفصلة معًا، فقبل انطلاق هذا التجمع الكبير لشباب العالم في ارض مدينة السلام، كانت رصاصات الغدر تنطلق مرة اخرى من فوهات البنادق لتسقط المزيد من المصريين المسيحيين ضحايا لإرهاب أسود أعمى، خلال زيارة مواطنين مسالمين أبرياء لأحد أديرة صعيد مصر، وتحديدًا في محافظة المنيا.

لم يكن هذا الاعتداء هو الأول من نوعه مع أسف شديد، فقد سبقه اعتداء مماثل قبل نحو عام، وقبلهما كانت هناك سلسلة من الاعتداءات على الاقباط اشرسها ما جرت به الايادي الشريرة في اعقاب فض اعتصامي رابعة والنهضة للاخوان المسلمين عام 2013، ويومها وربما حتى الساعة بقي التساؤل: هل هذا عقاب من الإرهاب الأسود للأقباط الذين دعموا وشاركوا في صنع ثورة 30 يونيو؟

مهما يكن من امر الجواب، فإن النتيجة واحدة، اي وجود خلل في التركيبة البنيوية المصرية في بعض من ابنائها مؤخرا، لا سيما وان هذا البعض يرفض الاخر، ولا يرى فيه شريك عيش مشترك، وان كان الاصح تعبيرا والادق توصيفا ان يقال عيش واحد.

والشاهد انه ليس سرا القول ان الارهاب والاصولية هما صنوان لرؤية واحدة تلفظ الاخر ولا تقبل الوجود معه او بجانبه، لا سيما اذا كان هذا الاخر مغاير عقائديا، وهي كارثة في واقع الامر لا تتصل بمصر فقط بل بكافة ارجاء الكون، وعندما تعتمل وتختمر الاحادية الذهنية في العقول، الامر الذي رايناه مؤخرا في مدينة بتسبيرغ الامريكية حين فتح احد المتطرفين من اليمين العنصري النيران على مواطنين امريكيين يهود في معبد "شجرة الحياة" الشهير هناك.

لا تؤمن الاصوليات بفكرة تسلسل العلل الفاعلة ولا تعتقد في مسالة تراكم الطبقات الانسانية المتنوعة، او تباين المعتقدات. الاصوليات التي تقود الى الارهاب هي طريق واحد غير معبد ذهنيا، طريق مفروش بالدم والنار، بالمرارة والكراهية، وهذه هي الاشكالية الكارثية في الامر، وما الحوادث التي تجري بالموت الا ارتدادا لهذا النسق غير الانساني.

لا يمكن للاصوليات ان تقبل فكرة الاخر لانها مطلقيات، والمطلق لا يعرف التعددية والا اصبح زائفا، وهو يعتقد بملكية الحق المطلق، هذا التفكير القاتل الذي عرفته اوروبا في بعض من مواقعها ومواضعها في القرون الوسطى، وامتد من اسف الى عالمنا المعاصر في اشكال عدة، وقد بلغت ببعض الحكام ان علقوا المفاتيح في رقاب الاطفال الصغار، ودفعوا بهم الى قلب الحروب مقنعين اياهم بأنها مفاتيح الجنة، هذا ما حدث من الخوميني القيادة الايرانية لثورة الملالي عام 1979، والتي احيت بدرجة قاتلة الاصوليات في الشرق الاوسط، وكان لمصر منها نصيب سيئ غير قليل لسوء الحظ.

اما الاعمدة السبعة فربما يمكن للمرء ان يجد خلالها ما يفك اضابير الازمة، والاعتقاد في تلك الاعمدة لا يبدأ الا من عند عملية تعليمية مبدعة، لا تلقينية تقليدية بائدة تعلمنا ان الخير في كل سلف والشر من كل خلف.

فكرة الأعمدة السبعة باختصار غير مخل تعبر عن شخصية مصر بل الشخصية المصرية فكل مصري مهما كانت درجة علمه او ثقافته، ابتداء من استاذ الجامعة المتعمق والمتفتح على حضارات عصرية، الى الفلاح البسيط الذي لا يقرأ ولا يكتب في عمق الريف او صعيد مصر، متأثر بالزمان والمكان، ومن ثم فكل مصري في اعماقه تاريخ امته من العصر الفرعوني والى يومنا هذا، مرورا بمراحل التاريخ اليوناني فالروماني، ثم القبطي فالاسلامي، ولا بد ان يكون متأثرًا بالمكان أي بالموقع الجغرافي المعاصر، ومن ثم فهو عربي لان مصر تقع في موقع القلب بالنسبة للمتكلمين بالعربية، ثم هو بحر اوسطي بحكم الاطلالة التاريخية والجغرافية على هذا الحوض العتيد الذي تكونت من حوله حضارات العالم من السلوم ومرسى مطروح غربا الى العريش ورفح شرقا.

هذه هي الاعمدة الحضارية التي تكونت منها الشخصية المصرية وفي داخل كل مصري مزيج فريد يندر ان يوجد في شخصية اخرى حول العالم، ليس من قبيل الشوفينية ولكن بحكم التجربة التاريخية. نفس الفكرة التي طرحها الراحل ميلاد حنا تحدث أيضًا بشأنها من قبل الدكتور لويس عوض عن الطبقات الحضارية المصرية وتراكماتها فوق بعضها البعض، وجميعها أثرت تلك الشخصية حتى وقت قريب.

ما الذي حدث للمصري حتى انه بات يرفض الآخر ويحاول عزله واقصاءه إلى حد الموت قتلا ورعبا وارهابا؟

شيء ما عميق اعترى منظومة الاعمدة المصرية، شيء ما اثر تاثيرًا سلبيًا على الارابيسك المصري الذي تحدث عنه الكاتب المصري الكبير والجميل الراحل أسامة انور عكاشة في مسلسل مصري شهير، حاول فيه ان يبحث مع المصريين عن الشخصية المصرية والتطورات والتغيرات التي جرت عليها بفعل النوازل والمستجدات.

والشاهد أن هناك طروحات وشروحات أمنية عديدة يمكن أن تلاقي الإرهاب والإرهابيين، وهنا لا نوفر أن قضية الإرهاب في عمقها لم تعد قضية محلية، فهناك من القوى الدولية والأجنبية من يرسم الخطط ويبلور المناهج الذهنية المغرقة في الدموية من أجل تحقيق مصالح استراتيجية عظمى، ومن أسف يجد من الطوابير الخامسة في الداخل المحلي والإقليمي من يمد له يد العون، ويتفاعل معه وهو مغرر به.

غير أن الحل الأمني سوف يبقى قاصرًا ما لم يعرف الإزدواجية المحبوبة والمرغوبة التي تعيد اكتشاف البناء الانساني المتعدد الطبقات، البناء الذي افرزته تجارب التاريخ وحكمة الأيام.

ليس المطلوب أن نكون كشعوب نسخ مكررة أو متطابقة فالاختلاف المحمود والتنوع الخلاق غنى كبير يكسب المجتمعات تناغمًا جميلاً وإنسانيًا يدفع في طريق النبل والكرامة، شرط احترام الآخر والاعتداد به كأخٍ في الإنسانية، قبل أن توقفنا عصابات الإجرام الفكري واللوجستي التي لا تنفك تطلق شعارات كراهيتها على الآخر وتترك إرثًا من العدواة في نفوس الأجيال القادمة واللاحقة.

ما عاشته مصر الأيام المنصرمة مثير جدًا، ويستدعي تناديًا وطنيًا، يكشف عن الأصل والقوة في النسيج المصري الواحد الذي تحدى عوائد الزمن، وهو أمر يحتاج إلى إرادة قوية لا تهن ولا تلين، وإدارة حازمة حاسمة للقضاء على بواعث الشر، وهي غالبًا موجودة وتعمل بالفعل في هذا الإطار، ولا يحتاج المشهد الوطني المصري إلا لإعادة مسح الغبار من على سطح الأحداث والعودة إلى مصر الواحدة، مصر التي تسأل الجبل أن ينقلع من موضعه وموقعه وينطرح في البحر فيطيع في الحال والاستقبال.

حمى الله الكنانة من الشرور ورد عنها كيد المرجفين والمتآمرين أمس واليوم وإلى الأبد.