Click to enlarge
08/11/2018
لمحة من العالم الغير منظور: كتبه: الأب مراد مجلع
تأمل في الإصحاح 12 لسفر الرؤيا

جاء رجلٌ تبدو عليه الهموم المتراكمة مع سنين عمره الستين وطلب الاعتراف، كان لا يجد الكلمات في البداية، ثم أستفاض في رواية حياته الطويلة وبعده عن الكنيسة طوال أربعين عامًا. كان الرجل يرغب في إزاحة حملْ ثقيل لا يقدر على حمله. انتهي الرجل من الاعتراف وظهر كمَن تحرر  من حمله الثقيل، من الهموم التي خبأها في صدره، عاد مبتسمًا، مبتهجًا، مقبلاً على الحياة، كمن ولد من جديد.

فرح الرجل بإزاحة الحِمل الثقيل، لكن في عالم آخر، كان هناك فرح في السماء بعودته، هكذا يقول الكتاب في لوقا 15: “هكذا يكونُ الفَرَحُ في السَّماءِ بِخاطِئٍ واحِدٍ يَتوبُ أَكثَرَ مِنه بِتِسعَةٍ وتِسعينَ مِنَ الأَبرارِ لا يَحتاجونَ إِلى التَّوبَة”. نعيش في العالم ولا نعرف إلا القليل عنه، ولا نعرف إن هناك عالم آخر غير منظور تحدث به أمور مختلفة. هناك تليمحات عن هذا العالم نجدها في سفر أيوب وسفر الرؤيا.

هناك أمور تبدو عادية بالنسبة لنا، لكن في العالم الغير المنظور من الممكن أن يكون لها تأثير كبير ورهيب. فمثلا توبة إنسان واحد وعودته إلى الآب تبدو أمرً طبيعيًا بالنسبة لنا، فكثير من الأشخاص يتوبون يوميًا، لكن هناك في عالم آخر يكون فرحٌ في السماء: “أَقولُ لَكم: هكذا يَفرَحُ مَلائِكَةُ اللهِ بِخاطِئٍ واحِدٍ يَتوب” (لوقا 15: 10). أرسل يسوع التلاميذ السبعين ليكرزوا بالملكوت، فعند عودتها أن عملها جعل الشيطان يسقط كالبرق من السماء: “كُنتُ أَرى الشَّيطانَ يَسقُطُ مِنَ السَّماءِ كالبَرْق” (لوقا 10: 18).

لذا ما نقرأه في إصحاح 12 من سفر الرؤيا ليس أحداث تخص المستقبل أو نهاية الأزمنة، بل تقدم لمحات من العالم الغير منظور لما حدث بالفعل في تاريخ الكنيسة في الوقت الذي كتب فيه يوحنا. لنتأمل هذه الصورة: “امرأة حُبلي متسربلةُ بالشمس، وعلى رأسها أكليل من اثني عشر كوكبًا، تقاوم تنينًا أحمر هائلاً جدًا يستطيع أن يزيح تُلث نجوم السماء بجرةٍ واحدة من ذَنَبه. وقف أمام المرأة التي توشك أن تلد ليلتهم الوليد عند ولادته. تندلع حرب شرسة بين التنين وميخائيل وملائكته، كان من نتيجتها سقوط هزيمة التنين وسقوطه. هربت المرأة إلى الصحراء وحاولت الحية أن تغرقها في نهر خرج من جوفها، لكن أُعطيت للمرأة جناحي العُقاب طار بها إلى البرية في مأمن من شر الحية، التي لم تجد إلا أن تصب غضبها على نسل المرأة.

ما وصفه يوحنا هو لمحة للعالم الغير منظور وقت ميلاد الرب يسوع في بيت لحم. لقد أحدثت ولادة المسيح في بيت لحم زلزلة عظيمة في الكون. فالميلاد لم يكن فقط تلك الصورة الجميلة للمذود والرعاة والمجوس، لكن هناك شيء كبير قد حدث في عالم آخر لا نعرفه. عالم محجوب عن أنظارنا. لقد تجسد المسيح، ابن الله ذاته، الذي بموته وقيامته سيقود الكنيسة إلى انتصار على إبليس واتباعه ويدفع به إلى الهاوية.
يبدأ الاصحاح بصورة المرأة التي تبدو وكأنها في بيتها وهي تمتلك كل صفات المجد، تستعد لأن يكون لها ولد، وهو حدث سعيد في حدّ ذاته. غير أنها تبكي: جُعل الفعل في الحاضر للدلالة على أن الألم يمتدّ طويلاً. هي إمرأة تعيش الآن الآلام. ثم صورة “تنين عظيم” يتحرك بحرية ليهاجم المرأة ونسلها من بعدها. وقف أولاً  تجاه المرأة والطفل الذي سوف تضعه. إنه يريد أن يبتلع الطفل. حارب التنين ولم يصل إلى نتيجة. فهناك “شخص خفيّ” ينظّم أمور المرأة والطفل.

وضعت المرأة طفلها، وهو ولد معدّ لأن يملك على العالم بعصا من حديد. ثم “اختطف” الولد إلى الله وإلى عرشه، فشارك الله نفسه في سلطانه: هل ستبقى المرأة تحت رحمة التنين؟ كلا. لقد هربت إلى الصحراء حيث هيأ الله لها موضعاً تُعال فيه. إذن، التنين ضعيف أمام الله، وهو لا يستطيع أن يواجهه مباشرة.

وتوسّع القتال. وتواجه جيشان: جيش ميخائيل وجيش التنين الذي لم تكن له المبادرة هنا، فأجبر على الدفاع عن نفسه. ميخائيل هو قائم مقام الله (من مثل الله. مي- كا- ايل). قيل عنه وعن جيوشه: وجب عليهم أن يقاتلوا. جاءت الأوامر من الله اللامنظور ومن شريكه، الولد الذي اختطف إلى عرشه. فالله والطفل هزما التنين بواسطة “القائد” ميخائيل. لا مواجهة مباشرة: فالله والولد هما فوق المواجهة. وخسر التنين ولم يعد له مكان في السماء. صارت السماء كلها لحزب الله. والنتيجة: ألقي التنين إلى الأرض وملائكته معه. ويقول لنا الكاتب من هو هذا التنين: الحية القديمة، إبليس، الشيطان، خادع الدنيا. ويُسمع في السماء نشيد النصر.

هاجم التنين المرأة مرة آخرى، لكن قبل أن يصل إلى المرأة أعطى الله ومسيحه للمرأة جناحي نسر عظيم فهربت إلى الصحراء في مكان آمن. لم ييأس التنين. أفلت منه الهدف. أفلتت منه المرأة، فيبقى عليه أن يهاجم نسل المرأة، سائر أولادها بعد أن اختُطف الأول إلى السماء. قد يحاول أن يخدع المرأة لا تكون أماً. ولكن بما أنها هنا، فغضبه يتضاعف (آ 12 ب). ولكنه يطلب الأولاد.

باقي نسل المرأة هم المسيحيون الذين شاركوا المصلوب، فدفعتهم هذه المشاركة إلى إعلان إيمانهم، إلى عيش شهادة تقودهم إلى الاستشهاد. هم أولئك الذين أنشد النشيد إنتصارهم (آ 11). غير أن التنين، وهو من مقام سماوي، لا يستطيع أن يقاتل بنفسه المسيحيين. لهذا سيجد ممثلين له على الأرض ومن بين البشر. أناس تراهم عيوننا، ولكن قلوبنا تعرف من أين جاؤوا.

الفكرة الأساسية

يتحدث يوحنا، بصفة أساسية، عن انتصار الله على التنين الذي ألقي من السماء على الأرض: يصور النصر في آ 4 ب- 9، 13- 16. يحُتفل بالنصر في آ 10- 12. في الظاهر، كانت المبادرة للتنين، وهو يبدو متفوّقاً. فهو الذي يهاجم دوماً (آ 4 ب، 13، 17). ولكن عمله في الواقع ذاهب إلى التفتت. أفلت منه الطفل، ثم المرأة، وأخيراً نسل المرأة. أخذ مجال عمله يتقلّص: في السماء أولاً. ثم على الأرض فقط ولمدة محدودة.
يستكمل النص المواجهة بين المرأة والحية القديمة. في آ 9 يُقال لنا أن التنين يتماهى مع “حية البدايات وخادع العالم كله” (رج آ 15: قذفت الحية من فمها). وحرب التنين ضد باقي نسل المرأة (آ 17) يحيلنا إلى تك 3: 15: “أجعل عداوة بينك (أيتها الحية) وبين المرأة، بين نسلك ونسلها”. ينتصر الله وتهزم ملائكته إبليس الذي يسقط على الأرض، تنجو المرأة وتُكلل بالمجد لأنها قبلت أن يعولها الله، ولم تنغوي مثل حواء الأولى التي أعتبرت إنها “إلهًا” يعرف ويقرر ما هو خير وما هو شر “المرأة أُغويَت فوقعت في التعدي” ( 1تيمو2: 14). لذا رأي آباء الكنيسة إن المرأة هي صورة للعذراء مريم التي بفضل طاعتها “أبطلت” خطيئة حواء: ” من حواء الموت، ومن مريم الحياة” كما لخص القديس جيروم تقاليد الآباء الأولون.
تُمثل المرأة شعب الله الذي يهرب إلى البرية من فرعون الذي يصفه الكتاب بالتنين: “شَقَقْتَ البحرَ بِقُدرَتِكَ، وكسَرْتَ رُؤوسَ التَّنانينِ على المياهِ” (مزمور 74: 13)؛ “هكذا قالَ السَّيِّدُ الرَب: هاءَنَذا علَيكَ يا فِرعَونُ، مَلِكَ مِصرَ التَنّينُ العَظيمُ الرَّابِضُ في وَسَطِ رَوافدِ النِّيلِ” (حزقيال 29: 3)؛ “في ذلِكَ اليومِ يُعاقِبُ الرّبُّ بسَيفِهِ القاسي العظيمِ لُوياثانَ الحيَّةَ الهارِبَةَ، (…) ويقتُلُ التِّنينَ الذي في البحرِ” (أشعيا 27: 1). هرب شعب الله إلى البرية وأعاله الله بطريقة عجائبية (عن طريق المًّن والسلوى)، ثم أعطيت المرأة جناحي نسر عظيم، على مثال ما أعطى لشعب لاله في الخروج: “رأيتُم ما فعلْتُ بالمِصْريِّينَ وكيفَ حَمَلتُكُم على أجنِحَةِ النُّسورِ وجئتُ بكُم إليَ” (خروج 19: 4) لينجو من الخطر. والنهر الذي قذفته الحية لكي يبتلع المرأة (الماء علامة الشّر) يذكرنا بملاحقة الجيوش المصرية للعبرانيين كما في خر 14. “مددت يمينك فابتلعتهم الأرض” (كما ابتلعت النهر)؛ رج عد 16: 30- 32. ثم نقرأفي النهاية نشد النصر الذي به نتذكر نشيد العبرانيين بعد عبور البحر الأحمر في خروج 15.
خلاصة التعليم

رغم الظواهر المعاكسة، ملكوت الله هو فاعل الآن حقاً، فلا نضلّ حين نرى الاضطهادات. الخلاص أي إن نصر الله النهائي هو هنا. لقد غلب وانتهى الأمر بالنسبة إليه. والسلطان الحقيقي، في هذا العالم، لا يمارسه الشيطان وأعوانه (كما يظنّ البعض)، بل المسيح باسم الله. منذ البداية، دفعت الحية القديمة الإنسان لكي يعارض الله. أغوت العالم كله وأضلّته. وحين تلتصق الخطيئة بالانسان، تجعله غريباً عن العهد وبعيداً عن الله. جرّ التنين بذنبه ثلث نجوم السماء ورماها على الأرض (رج دا 8: 10؛ روم 3: 9: الجميع هم تحت الخطيئة؛ أف 2: 1 – 3: “وفيما مَضى كُنتُم أمواتًا بزلاَتكم وخَطاياكُمُ التي كُنتُم تَسيرونَ فيها سِيرةَ هذا العالَمِ، خاضِعينَ لِرَئيسِ القُوّاتِ الشِّرِّيرَةِ”.
“ولكِنَ الله بِواسِعِ رَحمَتِهِ وفائِقِ مَحبَّتِهِ لنا أحيانا معَ المَسيحِ بَعدَما كُنا أمواتًا بِزَلاّتِنا. فبِنِعمَةِ الله نِلتُمُ الخلاصَ”(أفسس1: 4-5)، ما عاد إتهام يؤذي ذاك الذي يؤمن بهذا الحبّ. قال بولس في روم 8: 1: “ما من هلاك الآن للذين في المسيح يسوع”. فيسوع الذي أحبنا قد “أفلت” بقيامته من قبضة الشيطان وحاز على الغلبة. ألقي الشيطان من السماء على الأرض. هذا ما قاله يسوع نفسه: “كنت أرى الشيطان يسقط من السماء كالبرق” (لو 10: 18). ونقرأ في يو 12: 31- 32: “الآن (في الفصح) دَينونَةُ هذا العالَمِ. واليومَ يُطرَدُ سيِّدُ هذا العالَمِ. وأنا متى اَرتَفَعتُ مِنْ هذِهِ الأرضِ، جَذَبتُ إليَّ النـاسَ أجمعينَ”.

ليست السماء مكاناً ولا الأرض. هما مستويان في الواقع الذي نعيشه. السماء هي مستوى الواقع الروحي. هو مهم وحاسم وثابت وهو يتسجّل في الأبدية. لا نرى السماء بعين الجسد، بل بعين الإيمان فقط. والناس المجذّرون في الله وفي مسيحه بمشاركة يسوع في حياته وشهادته يُعتبرون سماويين، يُعتبرون مقيمين منذ الآن في السماء. أما الأرض فهي مستوى الظواهر، مستوى الواقع الذي نراه. هو لا يؤثِّر على المصير العميق للكائنات، وهو لا يدوم. إن “سكان الأرض” هم أناس يرفضون أن يسمعوا لله، فخضعوا للشيطان عن وعي أو بلا وعي.
إذن، في الماضي كان الشيطان في دائرة السماء، وكان له سلطان على مصير البشير الأبدي، فيستطيع أن يميتهم بالموت الأبدي. ولكن ها قد وُضع حدّ لنشاطه، وزال التهديد الذي كان ثقيلاً على الإنسان منذ البدايات. منذ الفصح والقيامة، لم يعد الشيطان كما كان، لم تعد له علاقة بالسماء، ولم تعد له أهميته في مخطّط الله. صار عمله على مستوى الأشياء المائتة والعابرة. ولا يستطيع أن يفرض نفسه على البشر بشكل حاسم ونهائي. فالله ومسيحه هما القوة السامية الفاعلة في التاريخ.

كل الذين يتحدون بموت المسيح الغالب، يشاركون في الإنتصار على الشيطان وتجريده من سلاحه، ويخاطرون في إعلان كلمة يسوع مستعدّين لأن يفضّلوا المسيح على حياتهم. ما استطاع التنين أن يصيب الكنيسة فذهب يقاتل باقي أبنائها، يقاتل شعب الله هذا الذي هو نحن. ولكن الذين يحفظون الوصايا والذين لهم شهادة يسوع، لا يخافون شيئاً. لقد سبق لهم فانتصروا كما قيل في آ 11: “غلبوا بدم الحمل وبكلمة شهادتهم”.

سفر الرؤيا هو كتاب الرجاء والأمل، ليس كتاب مخيف يروى نهاية العالم بسلسلة من النكبات والكوارث. فلا يحدثنا السفر عن نهاية العالم، بل عن حياة الكنيسة المعاصرة وهجمات روح الشر عليها منذ مجئ المسيح الأول وتجسده وموته وقيامته، إلى مجيئه الثاني الذي سيكتمل في ساعة لا يعرفها أحد سوى الآب. لقد انتصر المسيح على الشيطان وأعوانه بعطاء ذاته على الصليب وقيامته، فمَن يشارك المسيح حياته وموته وقيامته سيصير “غالبًا” مثل يسوع الغالب ويأكل من شجرة الحياة فيدخل إلى السماء الجديدة والأرض الجديدة. لقد بدأت دينونة هذا العالم. وأنا إذا ما ارتفعت جذبت إليّ الناس أجمعين. وبالنسبة إلى كلّ واحد منا، فهو يدخل في النهاية بواسطة المعمودية إلى موت وقيامة مع المسيح، بانتظار ساعة الموت التي فيها ندخل في الأرض الجديدة والسماء الجديدة. لا. نهاية العالم ليست باعثاً على الخوف، إنها عودة إلى بيت الآب على مثال يسوع الذي فرح حين “علم أنّ ساعته جاءت بأن ينتقل من هذا العالم إلى الآب”.
نقول عن سفر الرؤيا. إنه أولاً كتاب يتوجّه إلى المسيحيين العائشين حوالي سنة 95 وزمن تدوين رؤ. فالكاتب يتوجّه إلى معاصريه منطلقاً من الواقع الصعب. ويعود إلى الماضي، إلى أسفار العهد القديم، ليكتشف كلمة تشجيع وتعزية. هو لا يفكّر بالأجيال المقبلة، بل بمستقبل الكنيسة: هل سوف تنهار الكنيسة؟ ويأتيه جواب الإيمان: كلا ثم كلا. وما الذي يدفعه إلى هذا القول؟ أمانة الله. لقد حفظ كنيسته في الماضي ويحفظها اليوم ويحفظها إلى الأبد فلا تقوى عليها أبواب الجحيم.

سفر الرؤيا ليس سفرًا يحملنا إلى عالم الخيال. إنه كلام واقعيّ. ولا نجعله في ما وراء الزمن في نهاية العالم وحيث لا يكون لنا دورٌ نفعله،بل يدعونا نحن العائشين في العالم أن لا نهرب من العالم. قال بولس لأهل تسالونيكي وهو يقول لنا في خطّ رؤيا يوحنا: “لا تتزعزعوا سريعاً في أفكاركم ولا ترتعبوا من نبوءة أو قول أو رسالة كأنها منّا تقول إنّ يوم الرب جاء. فلا يخدعكم أحد بشكل من الأشكال”..