همسة
أختي، ما الذي يجب أن نفعله؟ الصمت الصبر والصلاة
طلب غريب وموقف عجيب

نحن بالفعل أمام مواقف غريبة من بداية إنجيل القديس مرقص، فبالرغم من أنه من أقصر الأناجيل (مكون من 16 فصل فقط) وما زلنا في الفصل الأول إلا أننا أمام نصوص كثيفة وأحداث كثيرة وطلبات غريبة ومواقف عجيبة، فنستطيع القول بأن هذا الإنجيل هو مُلخص لحياة السيد المسيح وهذا الفصل مقدمة ناجحة لكل أعماله وتعاليمه.
فإنجيل مرقص يُظهر السيد المسيح بالمعلم الحكيم وطارد الشياطين والطبيب الشافي لأمراض الانسان قلباً وقالباً نفساً وروحاً وجسداً، لأنه يشفي الانسان وكل الانسان وكل عضو في الانسان (من راسه لساسه): الأعمى والأصم والأخرس والأشل اليد والأعرج والمقعد والأبرص والحماة المحمومة والمرأة السائلة الدم والميت، الرجل والمرأة، الشاب والطفل والكبير والصغير.. والامثلة كثيرة..

أما في إنجيل اليوم فيُبرئ الأبرص وهو مرض يصيب الجلد ويعدي لذلك له تأثير جسدي ونفسي واجتماعي وديني اذ يصبح الأبرص مرذولاً منبوذاً ومعزولاً عن المجتمع والناس وملعوناً دينياً وبالتالي ميتٌ وهو على قيد الحياة.. والويل لمن يقترب منه!

وهنا تأتي غرابة طلب هذا الأبرص، إنه في قمة الادب واللطف والانسانية والايمان، فبالرغم من أن الفرصة المتاحة لديه فريدة من نوعها إلا أنه يطلب من يسوع متوسلاً (يتوسل والأحرى أن يتسوَّل الشفاء) ثم يجثو خاشعاً (علامة الأيمان) ثم يطلب بأدب: "إن شئتَ فأنتَ قادرٌ على أن تُبرئني" (وهنا اعلان هذا الايمان)، وأمام هذا التصرف المؤدب واللبق لم يكن ليسوع الا الاستجابة بقمة الانسانية، لذلك فإنه يشفق عليه (أي أن أحشاءه تحركت) ويمد يده ويلمسه (أي أن جسده يتحرك أيضاً) ثم يقول مباشرة: "قد شئتُ فابرأ" (وهنا لسانه يتحرك) وكلام يسوع لا يسقط الى الارض "فزال عنه البرص لوقته وبريء" أي "كُن فكان" أي إحياءٌ للحياة وخلقٌ من جديد..

هذا هو الموقف الغريب الاول من يسوع لأنه كان بإمكانه أن يشفيه بكلمة واحدة ويصرفه، ولكنه أراد أن يُظهر له حنان الله ويُشعره بأنه إنسان يحبه لذلك يلمسه ويشفيه.. وهذا درس بليغ لأُولي الألباب في التعامل مع الفقراء والمرضى والمنبوذين: تكفي كلمة لطيفة، نظرة حنونة، لمسة انسانية ، ابتسامة بريئة، ولِما لا يدٌ معينة وقلب شفوق ومساعدة كريمة أو خدمة مجانية!

أما الموقف الغريب الثاني من يسوع فإنه يصرفه وينذره بلهجة شديدة بأن لا يخبر أحداً وأن يكتفي فقط بإعلام الكهنة وتقديم ما تأمر به الشريعة.. فهل يمكن لهذا المسكين أن يخفي الخبر؟ لذلك انصرف وأخذ ينادي بأعلى صوته ويذيع الخبر. من المؤكد بأن يسوع لا يريد أن يحرم هذا الابرص من فرحة الشفاء ولكنه كان يخشى من النتائج: الشعبية الزائفة والفكرة الخاطئة بأنه فقط يشفي المرضى ويطرد الشياطين ويصنع المعجزات، وهذا ما حدث لدرجة أنه لم يعد يدخل مدينة علانية، ويقيم في ظاهرها، في أماكن مقفرة (تماماً كما كان يفعل الابرص قبل شفائه وكأنه حمل برصه!) مع الفرق بأن الناس كانوا يأتون اليه من كل مكان ويلاحقونه ولكن للمصلحة طلباً للشفاء.. وهذا طبيعي فلو كان يسوع يعيش في عصرنا ولو كنا نعيش في عصره لفعلنا مثلهم، سنلاحقه ونبحث عنه ونأتي اليه طلباً للشفاء، ولكنه ما زال موجوداً يعيش بيننا في كنائسنا، في بيت القربان، في الكتاب المقدس وفي كل انسان.. فهل نبحث عنه ونأتي اليه!؟

هذه كانت عادة يسوع بعد كل معجزة وشفاء "لا تخبروا أحداً" حتى بعد حادثة التجلي، وكذلك الاختفاء والاختباء عن عيون الناس في أماكن مقفرة كما حدث بعد معجزة تكثير الخبز والسمك لانهم كانوا يريدون أن يقيمونه ملكاً.. فهل نحن نهتف ليسوع ونصفق له مع الجماهير "هوشعنا" ولكن نصرخ بعد أيام "ارفعه ارفعه، اصلبه اصلبه"؟!
أخيراً وليس آخراً، شفى يسوع الأبرص من برصه الجسدي ولكنه أحيا روحه واعاده الى الحياة بين الناس، والبرص الروحي هو الخطيئة والرب يريد أن يعيد الينا حياة النعمة فهل نأتي ونتوسل اليه ونجثو له ونقول بإيمان "إن شئتَ فأنتَ قادرٌ أن تبرئني" أي أن تعيدني الى الحياة من جديد؟ أم نفضل أن نبقى في برصنا ونعيش أمواتاً ونحن على قيد الحياة؟!

الأب رائـد أبو ساحلية
مدير عام كاريتاس القدس

الرهبان الفرنسيسكان بمصر
نريد أن نكون شهودا للفرح
الآن