همسة
أختي، ما الذي يجب أن نفعله؟ الصمت الصبر والصلاة
إخرس واخرج منه

من جديد نحن أمام نص غريب في نفس الفصل الأول من انجيل القديس مرقس، فيه من المواقف الغريبة: فبعدما استغربنا من يسوع الذي يأتي ليعتمد على يد يوحنا المعمدان (ولم يكن بحاجة للمعمودية لأنه بلا خطيئة)، وبعدما ترك التلاميذ يوحنا وتبعوا يسوع بسرعة وسهولة (ترك تلاميذه يتبعوا غيره لأنه حمل الله)، وبعدما دعى يسوع التلاميذ على شاطيء بحر طبريا وتركا كل شيء وتبعاه (كلمة اتبعاني أجعلكما صيادي بشر تغير حياتهم رأساً على عقب)، نجد أنفسنا في مجمع كفرناحوم أما أحداث غريبة:

السيدُ المسيحُ يُعلِّم في المجمع يوم السبت ويثير الاعجاب، لماذا؟ لأنه يُعلِّم كمن له سلطان لا مثل الكتبة، وهذا يعني "القول والفعل": القول يعني أنه "لم يتكلم قط أحدٌ مثل هذا الرجل" أما الفعل لأنه يُعلِّم ويعمل "يُعلن بشارة الملكوت ويشفى من كلِّ مرضٍ وعِلة" والدرس متى نقرن الأقول بالأفعال "إن الخصب الآن للكلمة الفعل"!

والغريب أنه كان في مجمعهم رجل فيه روح نجس، فهذا الرجل يبدو للوهلة الأولى طبيعياً فهو يُطيعُ التوراة ويحافظ على الأحكام والعبادات ويلتزم بيوم السبت ويذهب الى المجمع.. إنه يُشبه كل واحد منا فإننا كثيراً ما نكون أبراراً في الخارج (أمام الناس) ولكننا في داخلنا مختلفين "من برا رخام ومن جوا سخام" متى نوحِّد بين الخارج والباطن، المظهر والجوهر؟!

لقد اهتزّ الرجل في المجمع فجأة عندما كان الربّ يسوع يُعلّم. "ما لنا ولك يا يسوع الناصري؟ أجئت لتُهلكنا؟ أنا أعرف من أنتَ: أنتَ قدّوس الله". لقد تحدّاه تعليم الربّ يسوع، وبيّن له حقيقة حاله، وبالمثل فهو يتحدّانا ويُبيّن لنا حقيقة حالنا، ويُلقي الضوء على الزوايا المظلمة في حياتنا، فعندما يأتي الكامل يبطل الناقص وعندما يحضر القدوس يرتجف النجس! فهل نتحدى السيد المسيح أم ندعه يتحدانا؟ وهل أمامه نستطيع الصمود؟!

والأغرب أن هذا الرجل الممسوس بالشيطان يكشف عن هوية يسوع الحقيقية فهو ليس فقط الناصري ولكن قدوس الله. إذن فالشيطان يؤمن ولكن يرتعد كما يقول القديس يعقوب في رسالته: "حتى شياطين تؤمن ولكن ترتعد".. فاذا كان الشيطان يعرف ويعترف فلماذا نحن البشر لا نعرف ولا نعترف ولكن ننكر ونكابر ونكفر ونجدِّف وكأن المخلوق لا يعرف الخالق لا بل يتمرد عليه، وهذه هي خطيئة الانسان وعصيان الشيطان. فهل نعرف ونعترف ونعلن بايمان بأن السيد المسيح هو حقاً قدوس الله ليس مجرد انسان؟!

وهنا يأتي موقف يسوع الذي ينتهره "اخرس واخرج منه" أي أنه لا يقبل أن يتحداه لذلك يأخذ موقفاً حازماً صارماً، كما سيقول مرقس بعد ايات: "طرد شياطين كثيرة، ولكنه لم يسمح للشياطين بأن يتكلموا، لأنهم عرفوا من هو".. مع الشيطان لا يوجد تفاوض "قاوموا ابليس يولي عنكم هارباً" ونحن هل نقاوم ابليس فيولي هارباً أم نفاوضه فنقع في حبائله؟!

هناك الأمر وتنفيذ الأمر الفوري: "فخبطه الروح النجس، وصرخ صرخة شديدة، وخرج منه" يعني أن كلمته ما بتصير كلمتين ولا تنزل إلى الارض. وهذا يعني التحرير للنفس والجسد، فالشيطان كان يُكبل عقل وقلب وجسده والسيد المسيح حرره من هذه قيوده فأتقه قلباً وقالباً نفساً وروحاً وجسداً، وكذلك الخطيئة تكبل قلب وجسد الانسان والرب يريد أن يحررنا فاسمه يسوع لأنه أي المخلص، فهل ندعه يحررنا وخلصنا؟!

وهذا ما يثير دهشة الجميع من جديد وتساؤلهم: ما هذا؟ إنه لتعليمٌ جديد يُلقى بسلطان! حتى الأرواح النجسة يأمرها فتطيعه! وهذا هو نفس موقف التلاميذ عندما سكَّن العاصفة عندما قالوا: "حتى الرياح والبحر يطيعانه" والأرواح والرياح والعواصف والبحر الهائج من نفس الفصيلة في الكتاب المقدس، مكان للشيطان.. ونحن هل ندع الأرواح والرياح تعصف بنا؟! وهل نكتفي بالدهشة أن ننتقل الى الايمان الصلب الثابت المكين؟!

وكيف لا ينتشر الخبر بعد ما حدث: "وذاع ذكره لوقته في كل مكان من ناحية الجليل بأسرها". فالشمس لا يمكن ان تُخفى بغربال، فعندما تشرق تبدد الظلام وتشع وتسطع وتنير كل الأنام. وهكذا السيد المسيح "الشمس التي لا غروب لها" فهو نور العالم ومن يتبعه لا يمشي في الظلام. ونحن هل نذيع الخبر السار أم نحتفظ به ونتحفظ عليه كالاسرار؟!

الاب رائد أبو ساحلية

مدير كاريتاس القدس

الأب رائد عوض أبو ساحلية 

الرهبان الفرنسيسكان بمصر
نريد أن نكون شهودا للفرح
الآن