همسة
أختي، ما الذي يجب أن نفعله؟ الصمت الصبر والصلاة
يسوع يطرد روحاً نجساً في كفرناحوم

في الاحد الرابع للسنة يصف مرقس الانجيلي سلطة يسوع المسيح في تعليمه وانتصاره على روح الشر لدى زيارة يسوع الاولى الى كفرناحوم. ومن هنا تكمن اهمية البحث في وقائع النص الانجيلي وتطبيقاته.

اولاً: وقائع نص انجيل مرقس (1: 21-28)

21 "ودَخلوا كَفَرناحوم. وما إن أَتى السَّبْتُ حتَّى دَخَلَ المَجمَعَ وأَخَذَ يُعَلِّم": كان يسوع قد انتقل من الناصرة الى كفرناحوم (متى 4/12)؛ وهي مدينة تقع على الشاطئ الشمالي الغربي من بحيرة طبرية. كان لها مكان الصدارة في الإنجيل؛ اختارها يسوع كمدينته ومركزاً لنشاطه التبشيري الرئيسي في الجليل (متى 9: 1). وصفها متى الانجيلي كحامية رومانية (متى8/5) وملتقى للطرق وممراً للقوافل ومركزا للجباية (متى9/9)؛ وكانت موطنا للصيادين. ومنها اختار يسوع رسله الخمسة: بطرس واندراوس ويعقوب ويوحنا ومتى (مرقس1/16-20). في مطلع رسالته اتخذها يسوع منها مقراً ليُقدم إنجيله عن الملكوت لليهود والوثنيين. وفيها أجرى كثيرا من المعجزات حتى دعيت "مدينته" (متى9/1). وفيها علّم يسوع ولا سيما في مجمعها الذي بناه قائد المائة (لوقا7/5). "المجمع" فهي كلمة يونانية تعني جمع الناس معاً او اجتماع ولكنها غالباً ما تستعمل، كما هو الحال هنا في النص لتعني المكان الذي يجتمع فيه اليهود لقراءة الكتب المقدسة وتفسيرها والصلاة. وكان المجمع مدرسة للتعليم، ولكنها كان ايضا محكمة للقضاء (لوقا 12/11) حيث يُنفذ العقاب (متى 10/17). وكانت العادة ان رئيس المجمع يُعيّن من يقرأ نصوص الاسفار المقدسة ويفسّرها كل سبت. ويروي مرقس الانجيلي ان يسوع لم يعظ في حرمة المجمع سوى ثلاث مرات، وكانت المرة الثالثة والاخيرة في الناصرة حيث طردوه منه (مرقس 6/2). ويذكر مرقس ايضا ان يسوع "يعلِّم" ولكن لا يوضِّح موضوع "ما يعلم".

22 "فأُعجِبوا بِتَعليمِه، لأَنَّه كانَ يُعَلِّمُهم كَمَن له سُلْطان، لا مِثلَ الكَتَبَة": كان لتعليم يسوع تأثير شديد في سامعيه حتى إنهم اعجبوا به. فكان الكتبة، مفسرو الشريعة والكتب المقدسة، يُكرِّرون فقط الدروس التي تلقّنوها. فسلطتهم، تستند على التقليد او السُّنة ويستشهدون بأقوال مشاهير المعلمين الربّيين القدماء لتأييد كلامهم (متى 2/ 4). أما "سلطة يسوع التعليمية" فهي تصدر عن داخله، وتستند على الآب السماوي. لذا "أُعجِبوا". فهذه العبارة تدلُّ على الدهشة، بل على الذعر الذي تثيره تعليم يسوع في الناس سامعيه.

23 "وكانَ في مَجمَعِهِم رَجُلٌ فيهِ رُوحٌ نَجِس، فصاحَ": تنتمي الارواح النجسة الى مملكة الشيطان التي كانت تعمل بنشاط خاص اثناء وجود المسيح بين الناس. والواقع تشير عبارة " رُوحٌ نَجِس" الى الشيطان. إنه روح نجس لان موقفه يعارض قداسة الله؛ وتأثيره مناقض لقداسته تعالى وشعبه، لهذا نراه ينتفض امام مواجهة المسيح. وان تسلَّط الروح النجس على الناس ورد مرتين في العهد القديم، ومرتين في العهد الجديد خارج الاناجيل. ان هذا الرجل الممسوس هو صورة لكل إنسان في هذا الوجود، وعذابه صورة لعذاب الناس.

24 "ما لَنا ولكَ يا يَسوعُ النَّاصِريّ؟ أَجِئتَ لِتُهلِكَنا؟ أَنا أَعرِفُ مَن أَنتَ: أَنتَ قُدُّوسُ الله": كان الشياطين أول السبَّاقين الذين اكتشفوا هوية يسوع وأعلنوا عن ألوهيته. فعبارة "ما لَنا ولكَ يا يَسوعُ النَّاصِريّ؟" تعني المسافة البعيدة بين الله وبين الشيطان. فالشياطين هم اعداء، وحيث يكون الواحد لا يكون الآخر. وعليه تستخدم هذه عبارة لصد كل تدخّل في غير مكانه او للتعبير عن الرفض. كما تصف الآية الصلة بين المرض وتأثير الشيطان (الروح الشرير). حين يمتلك الشيطان انساناً يُعذِّبه ويُدمّر ذاك المخلوق على صورة الله. فغاية عمل يسوع هي القضاء على هذا التأثير. وقد أقرّ الشيطان أن يسوع هو خصم قوي له ويقدر ان يدمّره. أما عبارة "أَنتَ قُدُّوسُ الله" فتدل على ان يسوع هو بكل معنى الكلمة "قدوس الله، لأنه المسيح ابن الله. الله وحده قدوس، ويسوع قدوس، لأنه يشارك الآب في طبيعته. فقد عرفت الشياطين حقيقة يسوع وعرفت مركزه باعتباره "المسيح" قبل ان عرفه التلاميذ. ولكن يسوع لم يسمح لهم بإعلان تلك الحقيقة.

25 "فانتَهَرَه يسوعُ قال: اِخْرَسْ واخرُجْ مِنه! فخَبَطَه الرُّوحُ النَّجِس، وصرَخَ صَرخَةً شَديدة، وخَرجَ مِنه": تصف الآية قدرة يسوع الخارقة بالتحدي والمجابهة العلنية الشيطان، رئيس الشر. ففرض السكوت على الشياطين مع انهم يعبّرون عن حقيقة كشفها الله في عماد يسوع (1 /11) وشهد بها الايمان المسيحي وهي ان يسوع هو المسيح ابن الله وقدوس الله. لكن يسوع لا يريد ان يُفشى هذا السر إلاَّ تدريجيا كي يتجنب حماسة الجمهور التي قد تشوّه وتحرّف رسالته، ولأنه لم يحنْ وقت كشفه بوجه نهائية. فالسكوت هو من المواضيع الاساسية في انجيل مرقس. تصف الآية انتصار يسوع على الشيطان بطرده إياه وهذا دليل على ان ملكوت الله قريب. كما ورد في انجيل لوقا "إذا كُنتُ بإِصبَعِ اللهِ أَطرُدُ الشَّياطين، فقَد وافاكُم ملَكوتُ الله" (لوقا 11 /20). فقدرة يسوع تسيطر على عالم الشر وتُسكته كما تُسكت شخصاً حياً.

27 "فدَهِشوا جَميعاً حتَّى أَخذوا يَتَساءَلون: ما هذا؟ إِنَّهُ لَتعليمٌ جَديدٌ يُلْقى بِسُلْطان! حتَّى الأَرواحُ النَّجِسَةُ يأمُرُها فَتُطيعُه! فدَهِشوا": تعجّب الناس من تعليم يسوع كما تعجّبوا من أعماله ومعجزاته. نحن هنا نرى سلطان كلمة يسوع ليس فقط في تعليمه بل في سلطان كلمته الآمرة ايضا. فان الروح النجس إذ سمع الامر من يسوع، صرع الرجل وخرج منه. لم يلمس يسوع ابداً رجلاً به روح نجس ليخلصه، بل كانت كلمته كافية. هذه حالة نموذجية لسيطرة الشيطان، وطريقة المسيح في علاجها. أما عبارة "يَتَساءَلون: ما هذا؟" فسيحاول انجيل مرقس بكامله الاجابة عن هذا السؤال.

28 "وذاعَ ذِكرُهُ لِوَقتِه في كُلِّ مَكانٍ مِن ناحِيَةِ الجَليلِ بِأَسْرِها": سرعان ما طبقت شهرة يسوع تلك الارجاء.

ثانياً: تطبيقات النص الإنجيلي

يمكن ان نستنتج من نص انجيل مرقس نقطتين هامتين: سلطة يسوع ومجابهته لسلطة الشيطان:

النقطة الاولى: سلطة يسوع

منذ اليوم الاول في كفرناحوم كشف يسوع عن سلطته في التعليم وطرد الشياطين وشفاء المرضى. ويبدو يسوع، في حياته العامة صاحب سلطة فريدة في نوعها: فهو يعظ مثل من له سلطان (متى 7: 29). وله سلطة غفران الخطايا (متى 9: 6-8)، وهو سيّد السبت (مرقس 2: 28). ويشمل سلطانه، حتى الأمور السياسية. وفي هذا الميدان، يرفض أن يستمدّ سلطانه من إبليس (لوقا 4: 5-7). فإنه تقلّده بالحقيقة من الله. إلا أنه لا يتباهى بهذا السلطان أمام الناس. وبينما يستغل رؤساء هذا العالم ما لهم من سلطة للسيطرة على الآخرين، فهو يقف بين خاصته موقف من يخدم (لوقا 22: 25-27). هو ربّ ومعلم (يوحنا 13: 13)، ولكنه أتى ليخدم وليبذل نفسه "مَن أَرادَ أَن يَكونَ كَبيراً فيكم، فَلْيَكُنْ لَكُم خادِماً. لأَنَّ ابنَ الإِنسانِ لم يَأتِ لِيُخدَم، بل لِيَخدُمَ ويَفدِيَ بِنَفْسِه جَماعةَ النَّاس". (مرقس 10: 42-44) ولأنه هكذا اتخذ صورة العبد، فسوف تجثو له كلّ ركبة في النهاية (فيلبي 2: 5-11). لذلك فإنه بعد قيامته، سوف يستطيع أن يقول لخاصته، إنه "إِنِّي أُوليتُ كُلَّ سُلطانٍ في السَّماءِ والأَرض" (متى 28: 18).

لكن سلطة يسوع لها ذات طابع روحي محض، لا يتمالك أمامها اليهود من طرح هذا التساؤل باندهاش. "بِأَيِّ سُلطانٍ تَعمَلُ هذِه الأَعمال؟ " (متى 21: 23). وعلى هذا السؤال لا يعطي يسوع إجابة مباشرة (متى 21: 27)، ولكن يعطي علامات توجَه الأذهان نحو الإجابة: له سلطان على المرض (متى 8: 8-9)، وعلى عناصر الطبيعة (مرقس 4: 41)، وعلى الشياطين (متى 12: 28). لقد آتى المسيح إلى العالم لكي يُحرر الإنسان من الشيطان وأذنابه. ومن هنا نتسأل كيف واجه يسوع الشياطين؟.

النقطة الثانية : مجابهة المسيح لسلطة الشياطين

يعتقد أن أصل كلمة إبليس في اللغة العربية هو من الفعل بَلَسَ (بمعنى طُرِدَ)، عندها يكون معنى إبليس هو "المطرود من رحمة الله". ولكن العديد من اللغويين يجمع على ان معنى الفعل هو "يئس" وبالتالي يكون المعنى "الذي يئس من رحمة الله". واما المستشرقون فيرجعون أصل كلمة ابليس الى اللغة اليونانية ديابولوس "διάβολος"؛ وتعني الذي يتّهم بالكذب، ويُشهّر وينتقد ظلما لإفساد العلاقة بين الله والناس وبين الناس فيما بينهم. وعليه اسم ابليس يعني المخالف أو "المعترض". واسم آخر مستخدم لإبليس هو "الشيطان" وهو يعني المفتري أو المشوه للسمعة. كما يطلق اسم "شياطين" على الذين يسلكون سلوك الشيطان من البشر. فإبليس هو عدو الإنسان الدائم إلى يوم القيامة.

واما الكتاب المقدس فيُعرف ابليس بأنه كائن ملائكي، خلقه الله، لكنه سقط من مركزه في السماء كنتيجة لخطيئته. ويطلق اشعيا النبي اسم "لوسيفر" على ابليس قبل السقوط (12:14). واما النبي حزقيال فيقول أن ابليس قد خُلق كملاك، وكان يفوق الملائكة المخلوقة مكانة وجمالا (12:28-14) وقرر أنه يريد الجلوس على عرش أعلى من عرش الله (حزقيال 15:28 و1 تيموثاوس 6:3). فغرور وكبرياء ابليس أدَّى الي سقوطه. وبسبب خطيئته فقد طُرد خارج السماء، وأصبح رئيس هذا العالم (يوحنا 31:12). وهو المشتكي (رؤيا يوحنا 10:12)، والمُجرِّب (متى 3:4) والمخادع (تكوين 3). وبالرغم من أنه طرد من الجنة، فأنه مازال يسعى الي رفع سلطانه أعلى من الله. ويقوم بتزوير كل ما يفعله الله، كي يحصل علي عبادة العالم ويبني جبهة معارضة لملكوت السموات. وهو وراء كل بدعة ودين واعتقاد خاطئ. وسيفعل كل ما في وسعه ليخالف الله. ولكن نهايته محتومة أبدية في بحيرة النار (رؤية 10:20).

وبكلمة اخرى الشياطين هي ارواح نجسة يسيطر عليها ابليس وتسعى لتجربة الناس بالخطيئة. وفي حالتها هذه الفاسدة المنحطة تستطيع ان تجعل شخصا أبكم او اصم او اعمى او مجنونا، ولكنها في كل مرة واجهت فيها المسيح، فقدت قوتها. فالله يحدّ من قدراتها، فهي لا تستطيع ان تفعل شيئا بدون إذنه تعالى. ففي نص إنجيل مرقس من الواضح ان شيطانا كان يسيطر على الرجل . ومرقس يصف صراع المسيح مع القوى الشريرة ليبيِّن تفوقه عليها. ولم يكن يسوع في حاجة الى إجراء طقوس معينة لطرد الشياطين، بل كانت كلمة منه كافية لطرد الشياطين. وقد عرف الشياطين من أول وهلة ان يسوع هو ابن الله، وهو المسيح المنتظر.

وعليه الشيطان هو كائن روحي شرير نجس يتميز بالكبرياء والفجور انه يعذب البشر ويسعى لإيقاعهم في الشر (طوبيا 6: 8 ومتى 12/27). ويواجه شخصياً يسوع إبليس وينتصر عليه (متى 4: 11) ويواجه أيضاً الأرواح الشريرة ذات السلطان على البشرية الخاطئة، ويهزمها في عقر دارها. هذا هو المعنى في العديد من المشاهد حيث يظهر ممسوسون: ممسوس كفرناحوم (مرقس 1: 23-27)، وممسوس الجراسيين (مرقس 5: 1-20)، وابنة المرأة الكنعانية (مرقس 7: 25-30)، والصبي المصروع (مرقس 9: 14-29)، والممسوس الأخرس (متى 12: 22-24)، ومريم المجدلية (لوقا 8: 2) وفي أغلب الأحيان، يختلط الاستحواذ الشيطاني مع المرض (راجع متى 17: 15-18). ولهذا يقال أحياناً إن المسيح يشفي الممسوسين (لوقا 6: 18)، وأحياناً إنه يطرد الشياطين (مرقس1: 34-39).

ويجب أن نذكر بوجه خاص أن كل مرض هو علامة لقدرة إبليس على البشر (لوقا 13: 11). إن المسيح إذ يواجه المرض إنما يواجه إبليس. وفي منحه الشفاء، إنما يظهر انتصاره على الشيطان (مرقس 1: 24). وأمام السلطان الذي يظهره تجاهها، تدهش الجموع (متى 12: 23)، ويتّهمه أعداؤه أنه ببعل زبول سيّد الشياطين، يطرد الشياطين (مرقس 3: 22). ولكن يقدّم يسوع التعليل الحقيقي: إنه بروح الله يطرد الشياطين، وهذا يدلّ على أن ملكوت الله قد وافى البشر (متى 12: 25-28). كان إبليس يحسب أنه قوي، ولكن طرده من هو أقوى منه (متى 12: 29). من الآن فصاعداً. سيتم إذن طرد الشيطان باسم يسوع (مرقس 9: 38-39). وهو إذ يوفد التلاميذ للرسالة يمنحهم سلطاناً على الأرواح الشريرة (مرقس 6: 7). وبالفعل يتحقق التلاميذ أن الشياطين قد أخضعت لله: هذا برهان جليَ على سقوط إبليس (لوقا 10: 17-20). هكذا سيشكلّ إخراج الشياطين، على مدى الأجيال، علامة من العلامات التي ستصاحب البشارة بالإنجيل، بالإضافة إلى المعجزات.

وخلاصة القول: يحاول الشيطان ان يسيطر على الانسان من خلال صور جذابه وأقنعة يموّه بها على الناس حقيقة أمره ومنها هذه الصور المال، والهوى، والجنس والمخدرات وحب الدنيا وكره القريب والكبرياء. فلنبحث في ذاتنا عن الصور التي استحوذ علينا، ونأتي بهاالى اقدام يسوع فهو وحده قادر ان يحررنا منها بقوة كلمته وسلطانه.

الأب د. لويس حزبون

الرهبان الفرنسيسكان بمصر
نريد أن نكون شهودا للفرح
الآن