همسة
أختي، ما الذي يجب أن نفعله؟ الصمت الصبر والصلاة
مراءة الكمال للقديس فرنسيس

  مُرآةُ الكمال

 

مجموعة أقوال وذكريات 

عن القدّيس     فرنسيس 

بقلم رفاقه الأوّلين 

 

عرّبها عن الأصل اللاتيني 

الأب منصور مستريح الفرنسيسكاني 

 

 

القاهرة 1995  

 

مقدّمة 

أوّل     من     نشر"     مرآة     الكمال"     هو     پول     ساباتيي     Paul Sabatierوذلك سنة 1898، تحت عنوان    " أقدم قصّة لسيرة  القديس فرنسيس". وأعاد نشرها سنة 1928  تحت عنوان "مرآة الكمال أو ذكريات الأخ ليون في ما يتعلّق بالجزء الثاني من سيرة القديس فرنسيس".  على انّ العلماء يرجّحون اليوم أنّ "المرآة" تم تدوينها ما بين القرنين الثالث عشر والرابع عشر وهي عبارة عن مجموعة من الأقوال  والأفعال المنسوبة إلى القديس فرنسيس حفظها رفاقه الأوّلون، رغبةً منهم في نقل صورة أصيلة للروحانية الفرنسيسكانية.    

     مرآة الكمال تشبه المراجع الفرنسيسكانية الأخرى، كالسيرة الشيلانيّة و السيرة الكبرى للقديس بوناڤنتورا ( "فارس الكمال الإنجيلي" ، عمّان1989) وغيرهما، أسلوبا ومضمونا. إلاّ إنّها أقرب ما تكون إلى "قصة بيروجيا القديمةLegenda antiqua Perugina      إذ تشترك وإيّاها  بثلاثة وخمسين فصلا من أصل 124 . 

    "مرآة الكمال" عبارة عن "بستان الرهبان" الفرنسيسكاني، وكونها دُوّنت على يد "الروحانيين" أي      Spirituali    _ وهم الفئة المتزمّتة من الفرنسيسكان الأوّلين-  لا ينقّص في شيء من قيمتها، كمرجع أصيل للتعرّف على الروحانيّة الفرنسيسكانيّة، صادر عن شهود عيان، كما يتّضح     ))من العبارة "نحن الذين عشنا معه "التي تتكرّر بكثرة (راجع الصفحات ٦    و ٠٢ و ٨٢ الخ....) والعبارة "نحن الذين كنّا معه حين حرّر القانون ومعظم كتاباته الأخرى" (صفحة ٣) .

ينقسم الكتاب الى اثني عشر بابا 124 فصلا، تتجلّى فيها بشكل ناصع ومشوّق الفلسفة والطريقة الفرنسيسكانية، عن طريق سرد أقوال وأفعال ونوادر منسوبة إلى القدّيس، كثير منها يفقد رونقه إذا فـُصل عن الكتاب، لكن في إطاره وعلى ضوء سيرة بل" مسيرة "القديس فرنسيس، يكتسب مقدارا كبيرا من الأهمية .

كُتبت "المرآة"  بلغة لاتينية ركيكة، لأن فرنسيس ورفاقه لم يكونوا قطّ من المغرمين بالفصاحة والبيان. على انّ قيمة الكتاب في مضمونه لا في أسلوبه. والأبواب الأخيرة التي تحدّثنا عن حبّ فرنسيس للطبيعة واستعداده للموت قمّة في الإبداع والجمال .

اتّبعت في الترجمة الأصل اللاتيني كما جاء في نشرة پول ساباتيي الأولى) سنة 1898 ) .والأرقام التي بين قوسين { } تشير الي صفحات هذه النشرة. عدد الأبواب في الأصل المترجم منه 13، على أنّي فضّلت تقسيمها الى 12 بابا وفقا لمجموعة "المصادر الفرنسيسكانية " Fonti Francscane  . و قد حافظت قدر الإمكان على التعبير الأصلي و أضفت بين [ ] بعض الألفاظ لتسهيل العبارة العربية ؛ و قد استعنت بكتاب مجموعة "المصادر الفرنسيسكانية"  (طبعة أسيزي سنة 1977، الجزء الأول, صفحة 1291 – 1440)  كلّما اعترضَني في الأصل بعض الإبهام . وهناك بعض الألفاظ والعبارات التي لها معناها و" فلسفتها" الخاصّة ، أوردتها في آخر الكتاب لتوضيحها للقارئ العربي .

 

وأخيرا لا بدّ لي من تقديم جزيل الشكر إلى الأب ممدوح شهاب واعضاء لجنة ترجمة المراجع الفرنسيسكانية الذين تكرّموا بمراجعة النصّ للتصحيح والتنقيح.  كما أشكر الأب عادل زكي الذي أشرف على طبع هذا الكتاب، آملا آن يلقى الترحاب لدى محبّي القدّيس فرنسيس. والله وليّ كلّ توفيق.

 

 

 

                                                                الأب منصور مستريح الفرنسيسكاني 

 

الموسكي، القاهرة، 1/1/1995

   

 

بداية مرآة الكمال في سيرة

الأخ الأصغر أي القدّيس فرنسيس[1]

 

الفصل الأول

 

أول ذلك: كيف أجاب القدّيس فرنسيس على الرؤساء يوم رفضوا الانصياع للقانون الذي عكف على إعداده

 

 

[ حرّر القدّيس فرنسيس ثلاثة قوانين: أعني القانون الذي أقرّه البابا  أينوشينسيوس  بلا براءة [2] ,أضاف إليه فيما بعد قانونا آخر أقصر لكنّه فُـقِد، وأخيرا القانون الذي أقرّه البابا هونوريوس ببراءة، وقد حذف الرؤساء منه أجزاء كثيرة ضدّ إرادة القدّيس فرنسيس] .

 على أنّ القدّيس فرنسيس بعد أن حرّر القانون الثاني وفقده، صعد إلى أحد الجبال مع الأخ ليون الأسّيزي والأخ بونيسيوس الذي من بولونيا، ليُعِدّ قانونا آخر أملاه تحت إلهام  السيّد المسيح[3]. فجاء عدد من الرؤساء إلى الأخ إيليا الذي كان نائب القدّيس فرنسيس[4] قائلين: » علمنا أنّ الأخ فرنسيس يحرّر قانونا جديدا، ونخشى أن يجعله صعبا بحيث لا نستطيع حفظه. فنطلب منك إذن أن تذهب إليه وتقول له إننا نرفض الالتزام بهذا القانون. فليحرّره لنفسه لا لنا». فأجابهم الأخ إيليا قائلا: إنّه لا يريد أن يذهب إليه {3}  من دونهم. فذهبوا جميعاً معا. ولمّا دنا الأخ إيليا من المكان المقيم فيه القدّيس فرنسيس، ناداه الأخ إيليا فأجاب. ولمّا رأى القدّيس فرنسيس الرؤساء السابق ذكرهم قال: « ماذا يريد هؤلاء الإخوة ؟ ». فأجاب الأخ إيليا قائلا» :إنهم الرؤساء. لقد علموا أنّك تحرّر قانونا جديدا، وخِشية أن يكون بالغ الصعوبة، يحتجّون قائلين إنهم يرفضون الالتزام به، فحرِّره لنفسك لا لهم« .

          عندئذ رفع القدّيس فرنسيس وجهه نحو السماء ، وخاطب السيّد المسيح قائلا: « ألم أقل لك يا ربّ إنهم لا يصدّقوني؟ » عندئذ سمع الجميع صوت المسيح  مجيبا من السماء قائلا : « يا فرنسيس ليس في القانون شيء ممّا هو لك، بل كلّّ ما فيه إنّما هو لي، وأريد ان يُحفظ القانون كما هو حرفيّا حرفيّا، بلا تأويل بلا تأويل بلا تأويل » ثمّ أضاف: «إني لعالم بحدود الضعف البشري وبمدى مساعدتي لهم. فمن يرفض أن يحفظه فليترك الرهبانيّة. عندئذ التفت القدّيس فرنسيس إلى الإخوة وقال:« لقد سمعتم، نعم سمعتم أتريدون أن أطلب منه أن يكرّر كلامه هذا عليكم ؟». عندئذ خجل الرؤساء وخافوا وعادوا وهم يتبادلون اللوم.     

 

 

الباب الأوّل

في الفقر الكامل

 

الفصل الثاني

أوّل ذلك:  كيف أعلن القدّيس فرنسيس إرادته ونيّته التي عقدها

منذ البداية حتّى النهاية فيما يخصّ الالتزام بالفقر .

 

   

 

الفصل الثالث

كيف أجاب أحد الرؤساء وقد استأذنه

 

 

أن يسمح له باقتناء بعض الكتب، وكيف حذف الرؤساء

من القانون الفصل الخاصّ بالموانع الإنجيلية، من حيث لم يدرذات مـرّة، ولدى عـودة القدّيس فرنسيس من وراء البحار ( 6) ، حدّثه أحد الرؤساء عن الفصل الخاصّ بالفقر، رغبةً منه في الاطلاع على إرادته ورأيه، لا سيّما وانه كان قد ورد في القانون فصل خاصّ بالموانع الإنجيلية، أعني: لا تحملوا شيئا في الطريق الخ (7) فأجاب القدّيس فرنسيس:(( انّي أعني ما يلي :ألاّ يملك الإخوة شيئا إلاّ الملابس مع الحزام والسروال، كما (8) جاء في القانون، ولهم ان  يتخذوا الحذاء إذا ما دعت الضرورة)).

فأجابه الرئيس: ((وما العمل وانا أملك كتبًا ثمنها أكثر من خمسين ليرة؟)) قال هذا رغبةً منه في اقتنائها مطمئنّ البال، لأنّه اقتنى كلّ تلك الكتب مع تأنيب من ضميره، لعلمه ان القدّيس فرنسيس يفهم قانون الفقر بمعناه الحصري. ثمّ أجابه القدّيس فرنسيس قائلا :(( لا أريد ولا يجوز لي ولا يُمكنني ان أعارض ضميري أو الكمال الإنجيلي الذي نذرناه)).. فحزن الرئيس لدى سماعه هذا الكلام .ولمّا رآه القدّيس فرنسيس مضطربا هذا الاضطراب، قال له بحرارة روح عظيمة، على لسان جميع الإخوة :  ((  تريدون ان تظهروا أمام الناس كإخوة أصاغر أمّا بأفعالكم فتريدون اقتناء محافظ {ملأى بالمال})) .

على ان الرؤساء، رغم علمهم انّه على الإخوة، حسب القانون، أن يحفظوا الإنجيل المقدس، إلاّ إنّهم حذفوا من القانون الفصل الذي جاء فيه ((لا تحملوا شيئا في الطريق))، الخ{8} ، ظنّا منهم أنّهم بذلك يُعفَون من الالتزام بالكمال الإنجيلي. ولذلك فإنّ القدّيس فرنسيس، بعد أن علم ذلك بقوّة الروح القدس، قال أمام بعض الإخوة :((يُـخَيّل إلى الإخوة الرؤساء أنّهم يخدعون الربّ ويخدعوني. {9} لكن ليعلموا أنّ جميع الإخوة ملزمون بالكمال الإنجيلي، وأريد ان يُكتَب في أوّل القانون وآخره انّه على الإخوة الالتزام والتمسّك بالعمل بإنجيل ربّنا يسوع المسيح. ولم يبق لهم أيّ عذر، بعد أن أعلنتُ وأُعلنُ لهم ما جعله الله في فمي }من كلام{ لخلاصي وخلاصهم، وانا أريد تأييده بالأفعال أمام الله، وحفظه بعونه تعالى على الدوام )) ولذلك ألتزمَ بالإنجيل المقدّس حرفيّا، منذ أن بدأ الرهبان ينضمّون إليه حتّى يوم وفاته.

 

{10}  الفصل الرابع

 

في المبتدئ الذي أحبّ أن يقتني سفر المزامير بإذنه

 

ذات مرّة سمح الرئيس العامّ لراهب مبتدئ أن يقتني سفر المزامير، وكان يعرف  القراءة من غير أن يجيدها. لكن بعد أن بلغه أنّ القدّيس فرنسيس كان يريد ان يخلو إخوته من شهوة الطمع في العلم و {تملّك} الكتب، لم يشأ ان يقتنيه بدون إذن القدّيس فرنسيس. ويوم قدِم القدّيس فرنسيس إلى المكان المقيم فيه ذلك المبتدئ، قال له: (( يا أبتِ، إنّ اقتناء سفر المزامير قد يوفّر لي سعادة عظمى. على أنّي أحبّ ان أقتنيه برضاك أنت، رغم إذن الرئيس العامّ لي باقتنائه)) فأجابه القدّيس فرنسيس قائلا:(( إنّ شارل الإمبراطور ورولان واوليفير {9} وجيمع رجالات البلاط والأقوياء، بعد أن استبسلوا في المعارك، ونازلوا الكفّار بالعرَق والأتعاب الكثيرة {11}  حتّى الموت، انتصروا عليهم انتصارا مُبينا وأخيرا سقطوا شهداء قدّيسين في المعركة من أجل إيمان المسيح .والآن ما أكثر الذين يريدون أن ينالوا العزّة والمجد البشري بمجرّد سرد قصص ما فعل هؤلاء من مآثر. وكذلك بيننا كثيرون مِمّن يريدون الحصول على العزّة والمجد، بمجرّد التبشير بما صنع القدّيسون وإعلانه)).كأنه يقول: ليس المهمّ الكتب والعلوم بل الأعمال الصالحة، "لأنّ  العلم ينفخ والمحبّّة تبني" {10) وبعد بضعة أيّام، فيما كان القدّيس فرنسيس يستدفئ بالنار، عاد ذلك المبتدئ وفاتحه بشأن سفر المزامير. فقال له القدّيس فرنسيس: بعد أن تنال المزامير ستطمع وتطلب كتاب الفرض أيضا. وبعده تجلس على المنصّة كرئيس عظيم وتقول لأخيك:  إليّ بكتاب                                 الفرض!                                                          ولدى قوله هذا بحرارة روح عظيمة، أخذ رمادا ووضعه على رأسه وأخذ يدور بيده عليه ويقول : "انا كتاب الفرض انا كتاب الفرض {11}. وردّد كلامه هذا مرّات كثيرة وهو  

 يدور بيده على رأسه فذُهل ذلك الأخ وخجل. ثمّ قال له القدّيس فرنسيس: انا أيضا، أيّها الأخ ، عبرت بتجربة اقتناء الكتب لكني لمّا لم أكن {12} أعلم مشيئة الربّ في هذا الخصوص، أخذت كتابا يحتوى على أناجيل الربّ وصلّيت إليه أن يعلمني إرادته في هذا الشأن من أوّل فتحة للكتاب .ولمّا فرغت من الصلاة وقع بصري من أوّل فتحة على الآية الإنجـيليّـة القائـلة :(( لـكم قد أُعـطِي ان تعرفـوا أسـرار مـلكوت الله . وأمّا للباقين فبالأمثال)). {12}  ثمّ أضاف قائلا :((ما أكثر الذين يعـشقون العلـوم حـتّى إنّه لـمغـبوط من يجعل نـفسه عقيما {13} لأجل ملكوت الربّ الإله )).

وبعد بضعة أشهر كان القدّيس فرنسيس في جوار كنيسة العذراء البورسيونكولا، بالقرب من القلاّية خلف الكنيسة عند الطريق، فعاد الأخ المذكور يحدّثه عن كتاب الفرض. فقال له القدّيس فرنسيس:((إذهب وافعل في شأنها ما يقوله لك رئيسك)). فما إن سمع ذلك الأخ هذا الكلام حتّى عاد من حيث أتى. أمّا القدّيس فرنسيس فمكث في الطريق وأخذ يتأمّل الكلام الذي قاله لذلك الأخ. وسرعان ما صاح به قائلا :((انتظر أيّها الأخ انتظر !)) .ثم ذهب إليه وقال له :((عد معي أيّها الأخ وأرني المكان الذي  قلت لك فيه أن تفعل فيما يخصّ كتاب الفرض ما يراه رئيسك)).  ولمّا وصلا إلى المكان جثا القدّيس فرنسيس على ركبتيه أمام الأخ وقال له :((خطئت يا أخي خطئت، لأنّ أيّ إنسان يريد أن يكون من الإخوة الأصاغر لا يملك إلاّ الثوب الذي يسمح به له القانون والحزام والسروال، والحذاء لمن تضطرّهم إليه الضرورة الظاهرة )).

ولذك كلّما جاءه الإخوة{13} يستشيرونه في هذا الشأن كان يعطي نفس  الإجابة. وكثيرا ما كان يردّد قائلا :((علمُ الإنسان بأعماله ووعظُ الراهب الصالح بصلاته، لأنّ الشجرة تـُعرف من ثمارها)) {14}.

 

 

   {15}الفصل الخامس

في الفقر الواجب التزامه فيما  يخصّ

الكتب والأسرّة والمباني والأثاث

 

وكان الأب القدّيس يعلّم الإخوة أن يبحثوا في الكتب عن شهادتها لا عن قيمتها، وعمّا فيها من قدوة لا {15} عن جمالها.وكان يريد أن يكون لديهم كتب قليلة ومشتركة وفي متناول  الإخوة عند الضرورة.أمّا المهاجع والأسرّة فكانت تتميّز بالفقر الكثير، حتّى إنّ من كان له على القشّ قطع من القماش شبه بالية كان يعتبرها فراشا فخما. كذلك كان يعلّم الإخوة أن يبنوا لهم مباني فقيرة وأكواخا من الخشب لا من الحجر، وكان يريد أن تـُبنى على شكل متواضع. ولم يكن يبغض شموخ المباني فحسب بل كان يكره كرها شديدا كثرة الأثاث وترفه. ولم يكن يحبّ في الموائد والآنية ما يبدو عالميّا او يذكـّره بالعالم، لكي يحدّثه كلّ شيء عن الفقر ويعلن له أنّنا من المسافرين والمنفيّين.

 

الفصل السادس

كيف أخرج جميع الإخوة من بيت قيل انّه بيت الإخوة

 

لدى مـروره بمـدينـة بولونيا، بلغه أنّـه بُني فيـها بيت للإخـوة. لـكنّه ما أن{16} سمع ا لناس  يقولون أ نّ ذ لك البيت للإخوة، حتى عاد القهقرى وغادر المدينة وأمر الإخوة بشدة أن يخرجوا جميعاً منه فوراً ولا يسكنه أحد. فخرج جميع الإخوة. حتى المرضى لم يمكثوا فيه بل أخرجوا مع الآخرين، إلى ان اعلن السيد هوكو أسقف أوستيا والمندوب في لومبارديا، أن البيت المذكور ملكه. وأحد هؤلاء الإخوة الذي كان مريضاً وأخرج من ذلك البيت، يشهد لذلك وسرد الأمر كتابةً.

{17}الفصل السابع

كيف أراد أن يهدم بيتا بناه شعب أسّيزي بالقرب من كنيسة القدّيسة مريم البورسيونكولا.

 

لدى دنوّ المجمع العامّ الذي كان ينعقد بالقرب من كنيسة القديسة مريم البورسيونكولا، رأى شعب أسّيزي أنّ الإخوة يزداد عددهم يوما فيوما، وكانوا يجتمعون هـناك كـلّ سنة ولم يكن لهـم إلاّ قلاّيـة صغيرة مغطّـاة بالقشّ وجدراهنا من الأغصان والطين .فتشاوروا فيما بينهم وفي ظرف أيّام قليلة شادوا هناك بسرعة وخشوع عظيم بيتا كبيرا من الحجارة والكلس، بغير موافقة القدّيس فرنسيس وفي غيابه .ولدى عودته من إحدى المناطق، جاء إلى المكان للاجتماع. فأخذته دهشة عظيمة من بناء ذلك البيت هناك.  وخشية ألاّ يبني الإخوة في الأماكن التي يقيمون أو سوف يقيمون فيها أيضا بيوتا ضخمة على غرار ذلك البيت، ورغبة منه في أن يكون ذلك المكان المثال والقدوة لجميع أماكن الرهبانيّة الأخرى، قبل انتهاء المجمع صعد إلى سطح ذلك البيت، وأمر الإخوة بالصعود، وأخذ يلقي معهم على الأرض بالصفائح المغطّى بها ذلك البيت، ناويا هدمه حتّى الأساس على أنّ بعض الجنود الأسّيزيين كانوا هناك لحراسة ذلك المكان، وجمهور الغرباء الذين قدموا إلى {18} مجمع الإخوة، لمّا رأوا أنّ القدّيس فرنسيس والإخوة الآخرين يريدون هدم ذلك البيت، هرعوا إليه قائلين :((أيّها الأخ، إنّ هذا البيت مدينةأ سّيزي ونحن هنا من قِبَلها. ولذلك نأمرك ألاّ تهدم بيتنا)). فلمّا سمع القدّيس فرنسيس هذا الكلام قال لهم :((إن كان لكم فلن أمّسه)). وتركه فورا هو والإخوة الآخرون. و لهذاالسبب منذ ذلك الحين قرّر شعب مدينة أسّيزي أن يكون إصلاح لك لبيت من واجب رئيس المدينة، أيّا كان.و التزموا بهذا لقرار كلّ سنة لمدّة طويلة.

 

الفصل الثامن

كيف أنّب نائبه لأنّه طلب أن يُبنى

 في البورسيونكولا بيت صغير لتلاوة الفرض

 

مرّة أخرى أخذ نائب القدّيس فرنسيس يُشرف على بناء بيت صغير هناك  ليستريح فيه الإخوة ويتلوا المزامير. ذلك إنّه {19} لكثرة المتجمهرين في ذلك المكان لم يبق للإخوة موضع لتلاوة الفرض ؛ إذ إنّ إخوة الرهبانيّة كلّها كانوا يقدمون إلى ذلك المكان ولم يُقبَل أحد في الرهبانيّة إلاّ هناك. ولمّا اكتمل البيت عاد إلى المكان القدّيس فرنسيس وسمع وهو في القلاّية جلَبة العمّال .فاستدعى رفيقه وسأله ماذا يفعل الرهبان. فقصّ الرفيق عليه كلّ شيء على حقيقته .فاستدعى نائبه فورا وقال له:((أيّها الأخ، إنّ هذا المكان هو النموذج والقدوة للرهبانيّة كلّها، ولذلك أريد أوّلا أن يألف الإخوة المقيمون ههنا تحمّل العذاب والتقشف حبّا لله تعالى، بحيث يتّخذ منهم الإخوة الآخرون القادمون الى هذا المكان المثل الصالح في الفقر وينقلونه إلى بلادهم .وذلك يهمّني أكثر من أن ينالوا كمال رغبتهم ويتّخذ الآخرون منهم قدوة في البناء قائلين :((في هذا المكان الخاصّ بالعذراء مريم البورسيونكولا، وهو مقرّ الرهبانيّة الأوّل، تـُقام مثل هذه المباني، فلا حرَج علينا نحن أيضا أن نبني مثلها في بلادنا)).

 

 

{20}الفصل التاسع

كيف لم يشأ القدّيس فرنسيس أن يمكث  في قلاّية مُريحة أو منسوبة إليه

 

أحد الإخوة من المتقدّمين في الروحانيّة والمقرّبين إلى القدّيس فرنسيس أمر  بان يُبنى إلى جوار الصومعة الساكن فيها قلاّية على حدة، ليقيم فيها القدّيس فرنسيس ويصلّي كلّما جاء إلى هناك .فلمّا جاء القدّيس فرنسيس إلى ذلك المكان، صحبه ذلك الأخ إلى القلاّية، فقال له القدّيس فرنسيس:(( إن هذه القلاّية جميلة جدّا)) وكانت مصنوعة من أخشاب نـُجِّرت بالفأس والمنجل لا غير. [ ثم قال]:(( إن شئت أن أسكنها فاكسُ خارجها وداخلها بالصفصاف والأغصان)). إذ كلّما كان البيت أو القلاّية فقيرا أحبّ أن يسكنه. فنفّذ ذلك الأخ الأمر ومكث القدّيس فرنسيس هناك بضعة أيّام. وذات يوم، بعد أن غادر تلك القلاّية، جاء أحد الإخوة ليقابله، ثمّ قدم إلى حيث كان القدّيس فرنسيس.  فلمّا رآه القدّيس فرنسيس قال له:((من أين أنت قادم أيّها الأخ ؟)) فأجاب :((إني قادم من قلاّيتك)).فقال له القدّيس فرنسيس :(( ما دمت تقول أنّها لي، فمنذ الآن سيقيم فيها غيري لا انا)).

ونحن الذين عشنا معه، كثيرا ما سمعناه يردّد هذه الآية :((للثعالب أوجرة ولطيور السماء أوكار وأمّا ابن الإنسان فليس له أين يسند رأسه)) (15).  {21)  ثمّ أضاف قائلا  :((لمّا مكث الربّ في السجن وصام أربعين يوما وأربعين ليلة، لم يطلب بأن تـُقام له قلاّية أو منزل بل سكن بين صخور الجبل )). {16}. ولذلك فإنّه على مثاله لم  يشأ أن يكون له لا بيت ولا قلاّية يقال إنّهما له ولم يطلب قط بناءهما له .وإن حدث يوما أن يقول للإخوة:((اذهبوا وأعدّوا تلك القلاّية ))، لم يعد يقبل أن يتابع القيام فيها، من أجل آية الإنجيل القائلة :((لا تهتمّوا لأنفسكم بما تأكلون)) الخ.... {17}لا بل في ساعة موته طلب ان يُكتب في وصيّته أن تكون جميع قلاّيات الإخوة وبيوتهم من الخشب والطين لا غير {18} حفظا وصونا للفقر والتواضع.

 

 {22} الفصل العاشر

في كيفيّة اختيار الأماكن في المدن والبناء فيها حسب نية القدّيس فرنسيس

 

 

فيما هو ذات مرّة في جوار مدينة سيينا Siena، بسبب علّة في عينيه، قال له  السيّد بونافنتورا، الذي كان قد وهب الإخوة قطعة أرض أُقيم فيها مقر:ّ{23} ((ما رأيك يا أبتِ في هذا المكان؟)). {19} فأجابه القدّيس فرنسيس:((أتريد أن أقول لك كيف يجب أن تـُبنى مراكز الإخوة ؟)) فقال :(( أريد يا أبتِ)). فقال له القدّيس فرنسيس :(( إذا ما قدم الإخوة إلى مدينة لا مقرّ لهم فيها، ووجدوا من هو مستعدّ أن يهبهم قطعة من الأرض تكفيهم لبناء مركز، وإلى جواره بستان وكلّ ما يلزم، فعليهم أوّلا أن يفكّروا في ما يكفيهم من الأرض، واضعين في اعتبارهم الفقر والمثل الصالح الواجب عليهم في كلّ شيء )).

قال هذا لأنّه لم يشأ قط أن يتجاوز الإخوة حدود الفقر، في البيوت أو الكنائس أو البساتين أو أيّ شيء آخر يستخدمونه، ولا يحوزوا أيّ مكان بحقّ الملكيّة، بل يسكنون فيها كنزلاء وغرباء. ولذلك كان يريد ألاّ يقطن الإخوة في مكان ما بأعداد كبيرة، لأنّه كان يرى أنّ الالتزام بالفقر أمر عسير مع العدد الكبير. هذا كان رأيه منذ بدء توبته حتّى النهاية :التزام الفقر الكامل في كلّ شيء.

[ثم اضاف]: بعد النظر في قطعة الأرض اللازمة للمركز، عليهم أن يذهبوا إلى أسقف المدينة ويقولوا له: " يا سيّدنا، إنّ هذا الرجل يريد أن يهبنا أرضا كبيرة حبّا لله ولخلاص نفسه، لنبني لنا مركزا.  فجئنا إليك، أوّلا :لأنّك أب وسيّد لنفوس القطيع المعهود إليك بأسره، ولنا نحن جميعا الإخوة الذين سيسكنون هذا الالمركز ؛ فنريد إذن ببركة الله وبركتك أن نبني ".

قال هذا لأنّ الثمار التي يريد الإخوة الحصول عليها بين النفوس، إنّما   يكسبونها باتفاقهم مع رجال الدين، فيَكسبونهم ويَكسبون الشعب معهم، وذلك أفضل من كسب {24} الشعب كلّه لكن بمعاداة [رجال ادين].  ثمّ قال لهم :((لقد دعانا الربّ سندا لدينه ولرجال الدين وأحبار الكنيسة الرومانيّة .لذلك علينا أن نحبّّهم ونحترمهم ونكرّمهم على الدوام قدر المستطاع. ذلك إنّ اسمنا" الإخوة الأصاغر" ، لاننا بالاسم وبالفعل يجب أن نتّضع دون سائر الناس في هذا العالم.  ولمّا وضع الربّ كلامه على لسان أسقف أسّيزي منذ بداية توبتي، وشجّعني في خدمة المسيح، لهذا السبب ومن أجل ميزات أخرى كثيرة أراها في الأحبار، أريد أن أحبّ وأحترم لا المطارنة وحدهم، بل الكهنة المساكين أيضا، واعتبرهم أسيادي .

 وبعد أن ينالوا البركة من الأسقف فليذهبوا ويحفروا خندقا يحيط بكلّ الأرض التي وُهبت لهم لبناء المركز، ويجعلوا حوله سياجا متينا بمثابة سور، رمزا للفقر والتواضع .ثمّ يطلبوا أن تـُبنى لهم بيوت متواضعة من الطين والخشب وبضع القلاّيات، ليصلّي الإخوة فيها، ويعملوا للمثل الصالح والقدوة وتجنّبا للبطالة .وكنائسهم أيضًا فليجعلوها صغيرة .إذ لا يجوز لهم أن يبنوا كنائس كبيرة للوعظ  في الشعب أو لعلّة أخرى، لأنّه أصلح للتواضع والقدوة أن يذهبوا ويعظوا في الكنائس الأخرى .وإذا ما جاء إلى مساكنهم الأحبار من رجال الدين الرهبان أو غيرهم، سوف يتّخذون الموعظة من البيوت  الفقيرة والقلاّيات والكنائس الصغيرة ويتأثّرون بها أكثر من [الوعظ] بالكلام )).

قال أيضًا :(( كثيرا ما يبني الإخوة مباني ضخمة، مخالفين الفقر المقدّس ومسّببين التذمّر و {25} الشكوك بين الكثيرين.  وكلّما شادوا مثل هذه المباني، بدافع الطمع والجشع، رغبة منهم في مكان أفضل وأقدس أو ليتّسع لجمهور أعظم من الشعب، بعد مغادرة تلك الأماكن [المتواضعة] أو هدمها ليبنوا عظم وأفخم منها، يرى ذلك الذين قدّموا التبرّعات وغيرهم، فيتشكّكون ويُصابون بالإحباط. ولذلك فالأفضل للإخوة أن يبنوا لهم مباني صغيرة ومتواضعة، محافظين بذلك على نذورهم ومقدّمين المثل الصالح للقريب. وهذا أفضل من مخالفتهم لعهودهم وتقديم المثل السيّء للآخرين.  ولو غادر الإخوة مساكنهم الفقيرة بعد العثور على مكان أفضل لكان الشكّ اخفّ)).

 

{26}الفصل الحادي عشر

كيف إنّ الإخوة، لا سيّما الرؤساء منهم والمثقفون،

عارضوا القدّيس فرنسيس في اتخاذه الأماكن المتواضعة

 

 

قرّر الـقدّيس فـرنسيس أن تكون كـنائس الإخـوة صغـيرة وتـُبـنى بـيوتهم من  {27} الأخشاب والطين لا غير، رمزا للفقر المقدّس والتواضع، وأراد في البداية أن يتمّ ذلك في مركز القدّيسة مريم البورسيونكولا، لا سيّما فيما يخصّ البيوت المبنيّة من الأخشاب {28} والطين، لتصبح  ذكرى خالدة لجميع الإخوة في الحاضر والمستقبل، لأنّه  المركز الرئيسي والأوّل للرهبانيّة جمعاء. على أنّ بعض الإخوة عارضوه في ذلك، مدّعين أنّ الأخشاب في بعض البلدان أغلى ثمنا من الحجارة، ولذلك لم يوافقوا على أن تكون البيوت من الأخشاب والطين. لكنّ القدّيس فرنسيس لم يشأ أن يناقشهم، لا سيّما وإنّه كان قد اقترب من الموت وكان مريضا جدّا. ولذلك طلب أن يـُكتب في وصيّته:(( حذار من أن يقبل الرهبان كنائس أو مساكن أو أيّ شيء آخر يُبنى لهم، إن لم يتّفق والفقرَ المقدّس، بل ليسكنوا فيها كنزلاء وغرباء)).

أمّا نحن الذين كنّا معه حين حرّر القانون ومعظم {29}  كتاباته الأخرى نشهد أنّه طلب أن تـُُكتب في القانون والنصوص الأخرى أمور مفيدة جدّا وضروريّة للرهبانيّة جمعاء، لكنّ عددا كبيرا من الإخوة، لا سيّما الرؤساء منّا والمثقفون، عارضوه .وكان هو يتنازل لإرادة الإخوة لا طوعا لكن لخوفه الشديد من الشكوك. على أنّه كثيرا ما كان يردّد هذه العبارة:((  الويل للإخوة الذين يعارضوني، فيما انا موقن إنّه من إرادة الله ومفيد جدّا وضروري للرهبانيّة، لكنّي أتنازل لهم مرغما)). ولذلك فكثيرا ما كان يقول لنا نحن رفاقه :((إنّ ما يسبّب لي الألم والحزن العـظيم هو أنّ ما نـلته من رحمة الله تعالى، وسْط أتعاب الصلاة الكثيرة والتأمّل لفائدة الرهبانيّة كلّها حاضرا ومستقبلا، يعارضني فيه بعض الإخوة بما لديهم من سلطة وعلم وسوء تدبير ويهدمونه قائلين :هذا يُحفظ وذاك لا)).

 

 {30}الفصل الثاني عشر

كيف كان يعتبر الحسنات الفائضة عن الضرورة سرقة

 

 

كان القدّيس فرنسيس يكرّر أمام إخوته هذه العبارة :(( لم أكن قطّ لصّا  بتحصيل الحسنات أو استخدامها في ما يفيض عن الضرورة .في كلّ وقت حصلت على ما يـقلّ عـن حاجـتي لئلا يُحرم الـفقراء الآخرون من حصّتهم. لأنّ تصرّفا مخالـفا يُعـتبر سرقة)).

 

الفصل الثالث عشر

كيف قال له المسيح إنّه لا يريد أن يملك الإخوة شيئا، لا كأفراد ولا كجماعة.

 

لمّا حاول بعض الرؤساء ان يُقنعوه بأن يسمح للإخوة أن [يملكوا] شيئا كجماعة على الأقلّ، لكي يكون لكلّ هذا الجمهور [من الإخوة] مكان يلجأون إليه، استدعى القدّيس فرنسيس المسيح في الصلاة واستشاره في هذا الخصوص .فأجابه فورا قائلا :(( سارفع كلّ [ملكيّة] عن الأفراد والجماعة ؛ لأنّي سأكون{31} على الدوام مستعدّا لرعاية هذه الأسرة مهما نمَت، وسأساندها بلا انقطاع ما  دامت متـّكلة عليّ )).

 

الفصل الرابع عشر

في احتقار المال وكيف أنّب أحد الإخوة بسببه

 

فرنسيس، صديق المسيح الحقيقي والمقتدي به، رذل رذلا تامّا كلّ ما هو  دنيوي ، واحتقر المال فوق كلّ شيء، حتّى جعل إخوته بالقول والفعل، يهربون منه كمن يهرب من إبليس. وكان الإخوة قد تعلّموا أن يجعلوا المال والأقذار في منزلة واحدة .وحدث ذات يوم أنّ رجلا علمانيّا دخل كنيسة القدّيسة مريم البورسيونكولا للصلاة، ووضع نقودا إلى جوار الصليب كتبرّع، وبعد خروجه جاء أحد الإخوة وأمسك بها بلا أيّ نيّة  سيّئة  وألقى بها نحو النافذة. ولمّا بلّغوا الأمر للقدّيس فرنسيس، شعر ذلك الأخ أنّه كـُشف أمره، فأسرع فورا يطلب الغفران وأكبّ على وجهه مقدّما نفسه للضرب.  فوبّخه القدّيس فرنسيس بشدّة للمسه النقود، وبعد تأنيبه أمره بأن يرفعها بفمه من على النافذة ويذهب بها خارج السياج ويضعها بفمه على التراب. فخاف جميع الحاضرين والسامعين خوفا عظيما، ومنذ ذلك الحين{32} زاد احتقارهم للمال مشبّهينه بالتراب. وكانوا يتبارَون كلّ يوم على احتقاره بأساليب جديدة (20).

 

الفصل الخامس عشر

في تجنّب الترَف والكثرة في الملابس والصبر في الضيق

 

 

هذا الرجل المرتدي فضيلة سماوية (21) كان مضطرما في باطنه برداء إلهي  أكثر من اضطرامه في ظاهره بغطاء الجسد. وكان يبغض الرهبان الذين يرتدون ثوبين أو ثلاثة وأولئك الذين بلا حاجة يستخدمون الملابس الناعمة. وكان يؤكد أنّ الحاجة الناجمة عن المزاج لا عن العقل دليل على تخاذل الروح .وكان يقول:((لا بّد للروح الفاترة والمصابة شيئا فشيئا ببرودة النعمة، أن تبحث عمّا هو لها، أي اللحم والدم )).وقال أيضًا :((ماذا يبقى للنفس إذا ما خلت من التعزيات الروحية، إلاّ أن يعود الجسد إلى متعته؟ عندئذ تلبس الغرائز الحيوانيّة قناع الحاجة، وتستولي الحواسّ الجسديّة على الضمير)).

((إذا كان أخي في حاجة حقيقيّة فهرع فورا إلى تلبيتها، ما هي المكافأة التي ينتظرها ؟ لقد  أُتيحت له فرصة الاستحقاق لكنّه أثبت بجدّية أنّه يرفضها. {33} ذلك إنّ عدم تحمّل الضيق بصبر ليس إلاّ العودة القهقرى إلى  مصر)) (22).

ثمّ إنّه لم يوافق قطّ أن يكون للإخوة أكثر من ثوبين، وكان يسمح بان تُرمّم بالرقع . وكان يقول إن الأقمشة الثمينة أمرها رهيب. وكان  يؤنّب بمرارة من يخالق ذلك .وكان من .عادته آن يخيط على ثوبه رقعا من الخيش  الخشن لحملهم على الاقتداء  به .ولذلك، حتّى عند موته، أمر ان يُحَصّن كفنه بالخيش. أمّا الإخوة الذين كان يجبرهم المرض إلى ان يرتدوا على أجسادهم من الداخل ثوبا آخر ناعما، كان لا بد أن يحافظوا في  ظاهر ثوبهم على الخشونة ورخص الثمن . وكان يقول ببالغ الألم:(( سوف تسترخي الشدّة ويسود الفتور، إلى حدّ لن يخجل معه أبناء الأب الفقير من أن يرتدوا ملابس من حرير غير مبدّلين إلاّ اللون)).

 

 

 

 {34}الفصل السادس عشر

كيف كان يرفض أن يلبّي رغبات جسده

في الأمور التي يرى أنّ إخوته الآخرين في حاجة إليها

 

 

 

فيما كان القدّيس فرنسيس في صومعة القدّيس إلوثاريو   Eleuterioبالقرب من  رييتي  Rieti، أضاف إلى ثوبه وثوب رفيقه ريتزيريوس بعض الرقع بسبب البرد القارس، إذ إنّه  كان من عادته ألاّ يلبس إلاّ ثوبا واحدا هو  ثوبه المألوف.فأخذ يشعر في جسده  ببعض المتعة. ثمّ بُعَيد ذلك عاد من الصلاة بفرح عظيم وقال لرفيقه:(( عليّ أن أكون مثالا وقدوة لجميع الإخوة، لذلك رغم احتياج   جسدي  الى ثوب مرقّع، إلاّ إنّه يجب عليّ  أن أضع في اعتباري  الإخوة الآخرين الذين يعانون من نفس الحاجة وربّما لا تتوفّر لهم، أو هم عاجزون عن توفيرها فعليّ إذن أن أضعهم في اعتباري لأعاني من نفس {35}  الاحتياجات التي يعانون منها، فيروا منّي ذلك ويتحمّلوا[ هم أيضا] بصبر جميل .ونحن الذين عشنا معه، عاجزون عن أن  نصف بالكلام أو الكتابة كم وكم حرم جسده من الاحتياجات، ليُعطي إخوته المثال الصالح، فيرغبوا هم أيضًا في تحمّل مضايقهم .ولمّا أخذ الإخوة في الازدياد، كان همّه الأوّل والرئيسي أن يعلّم الإخوة بالفعل لا بالقول ما يجب عليهم عمله أو تجنّبه .

 

 

الفصل السابع عشر

كيف كان يخجل إذا ما رأى أحدا أفقر منه

التقى ذات يوم  برجل مسكين .ولمّا رأى ما هو عليه من فقر قال لرفيقه:(( إنّ فقر هذا الرجل ليسبّب لنا عارا عظيما ويؤنّب فقرنا تأنيبا مرّا. ذلك إنّي أشعر بخجل عظيم إذا وجدت من هو افقر مّني، وقد اخترت الفقر المقدّس كسيّد لي وكنزي الروحي و{36} المادّي. وعلى هذا النداء أن ينتشر في العالم كلّه، أي إنّي نذرت الفقر أمام الله والناس)).

 

 

الفصل الثامن عشر

كيف علّم الإخوة الأوّلين وجعلهم يذهبون في طلب الصدقة

 

 

لمّا أخذ الإخوة ينضمون إلى القدّيس فرنسيس، فرح فرحا عظيما لتوبتهم ولأنّ  الربّ أعطاه رفاقا صالحين.وكان يحبّّهم ويحترمهم بحيث لم يشأ أن يطلب منهم أن يذهبوا في طلب الصدقة، لأنّه كان يبدو له أنّهم يخجلون. فكان يذهب كلّ يوم وحده طلبا للصدقة، إشفاقًا منه على خجلهم. لكنّه أخذ يشعر بالتعب، ولا سيّما وإنّه كان في العالم رجلا مرفّها وضعيف البنية، وكثرة الأصوام والتقشّف زادته ضعفا. لكنّه لمّا رأى أنّه عاجز عن تحمّل ذلك التعب وحده، وأنّهم مدعوون هم أيضًا إلى هذه المهمّة، لكنّهم يخجلون أن يقوموا بها، ولم يبلغوا بعد كمال النضج ولم يكن لديهم {37} مقدار من الفطنة يجعلهم يقولون: نحن أيضًا نريد أن نذهب في طلب الصدقة ؛ لذلك قال لهم:(( إخوتي وأبنائي الأحبّاء، لا تخجلوا من الذهاب في طلب الصدقة، لأنّ الربّ افتقر في هذا العالم، ونحن على مثاله اخترنا الفقر الحقيقي الخالص. هذا هو الميراث الذي اكتسبه وتركه لنا سيّدنا يسوع المسيح، لنا ولجميع الذين يريدون أن يعيشوا في الفقر المقدّس الحقّ أقول لكم، إنّ عددا كبيرا من أكرم الناس وأسماهم قداسةً في هذا العالم، سيُقبِلون على هذه الأخويّة و يعتبرون شرفا ونعمة عظيمة الذهاب في طلب الصدقة. فاذهبوا إذن واثقي وبقلب مطمئن في طلب الصدقة ببركة الله. وعليكم أن تذهبوا في طلبها بسرور وفرح أعظم ممّن يستبدل فلسا بمئة دينار. فانتم تقدّمون محبّّة الله للذين تطلبون منهم الصدقة بقولكم :"من أجل محبّّة الربّ إلهنا تصدّقوا علينا ".والسماء والأرض ليستا شيئا بالمقارنة مع هذه[ المحبّّة ])).

وكان عدد الإخوة قليلا ، فلم يستطع أن يرسلهم اثنين اثنين، بل أرسلهم افرادا، كلاّ على حدة عبر القصور والقرى. وحدث أن لدى عودتهم بما نالوه من صدقات، كان كلّ منهم يعرض على القدّيس فرنسيس الصدقة التى حظي بها. وكان الواحد يقول للآخر:((انا حظيت بصدقة أوفر من صدقتك )).عندئذ ابتهج  القدّيس فرنسيس، و قد رآهم فرحين سعداء. ومنذ ذلك الحين كان كلّ منهم يستأذن ليذهب في طلب الصدقة.

 

 

 

  {38}الفصل التاسع عشر

كيف لم يشأ أن يهتمّ الإخوة ويُشغلوا بالغد

 

 

 

في نفس الوقت كان القدّيس فرنسيس والإخوة الذين معه يعيشون في فقر  عظيم، حتّى إنّهم كانوا يلتزمون بالإنجيل المقدّس بدقّة وبحذافيره، وذلك منذ اليوم الذي أوحى الربّ إليه أن يعيش هو وإخوته وفقا لمـُثـُل الإنجيل المقدس.  ولذلك منع الأخ الذي كان يطبخ للإخوة أن ينقع الخضار كالعادة في الماء الساخن مساء، عندما كان عليه أن يقدّمها للإخوة في اليوم التالي، عملا بالآية الإنجيليّة القائلة:((لا تهتمّوا بالغد)) (23) . ولذلك فإنّ الأخ كان يؤجّل نقعها إلى ما بعد صلاة  {39} الفجر، و قد بدأ النهار الذي هم مزمعون أن يأكلوها فيه .ولهذا السبب اتّبع إخوة كثيرون هذا النظام لمدّة طويلة، وكانوا يرفضون جمع أو قبول صدقات تفيض عن حاجة يوم واحد، لا سيّما في المدن.

 

 

الفصل العشرون

كيف أنّب الإخوة بالكلام والمثل

يوم أعدّوا وليمة فاخرة بمناسب  عيد ميلاد الربّ  (24)

 

 

 

جاء أحد رؤساء الإخوة إلى القدّيس فرنسيس للاحتفال بعيد ميلاد الربّ، في مركز الإخوة المجاور لمدينة رييتي .فأعدّ الإخوة يوم عيد الميلاد، احتفالا بالرئيس وبالعيد، وليمة  لا تخلو من الأبّهة والمنظر، مستخدمين أغطية جميلة بيضاء وآنية من زجاج. فلمّا نزل القدّيس فرنسيس من قلاّيته لتناول الطعام، وجد الموائد مرتفعة ومعدّة بالزينة .فأسرع واتّخذ سرّا عصا وقبّعة رجل فقير، كان قد جاء هناك في نفس ذلك اليوم، ثمّ استدعى أحد رفاقه بصوت خافت وخرج من باب المركز، من غير أن يدري  الإخوة  الذين في البيت. أمّا رفيقه فمكث في الداخل إلى جوار الباب. وفي نفس الحين دخل الإخوة غرفة الطعام، لأن القدّيس فرنسيس كان قد أمر ألاّ ينتظره الإخوة إذا ما تأخّر عند حلول ساعة تناول الطعام . وبعد أن انتظر مدّة يسيرة خارجا، طرق الباب، فجاء رفيقه فورا وفتح. فدخل وقبّعته على ظهره والعصا في يده وتقدّم نحو باب الردهة {40} التي كان الإخوة يتناولون فيها الطعام، كرجل غريب فقير، وصرخ قائلا:((من أجل محبّّة الربّ الإله، تصدّقوا على هذا الفقير الغريب المريض ))! أمّا الرئيس والإخوة فعرفوه فورا فأجاب الرئيس قائلا :((يا أخي، نحن أيضًا فقراء، ولمّا كان عددنا كبيرا فلا بدّ لنا من الصدقات التي في حوزتنا. ولكن من أجل محبّّة ذلك الربّ الذي نطقت باسمه، أدخل الغرفة لنعطيك من الصدقات التي أعطانا إيّاها الرب)). ولمّا دخل ووقف أمام مائدة الإخوة، قدّم إليه الرئيس الطبق الذي كان يأكل منه، وكذلك الخبز. فاخذهما بتواضع وجلس إلى جوار النار أمام الإخوة الجالسين إلى الموائد. ثمّ تنهّد وقال للإخوة:((لمّا رأيت المائدة مُعدّة بابّهة  وزينة، ظننت أنّها ليست مائدة رهبان فقراء يذهبون كلّ يوم طلبا للصدقة من  باب إلى باب. فينبغي لنا أيّها الأحبّاء أن نقتدي بتواضع المسيح وفقره، اكثر من سائر الرهبان، لأنّنا إلى هذا دُعينا وهذا ما نذرناه أمام الله والناس. والآن يبدو لي أنّي جالس كأحد الإخوة الأصاغر، لأنّ أعياد الربّ والقدّيسين نكرّمها بالعوَز والفقر الذي به كسب القدّيسون السماء،أكثر ممّا نكرّمها بالزينة والتبذير الذي يبعد الروح عن السماء)).

فخجل الإخوة لهذا الكلام، لعلمهم أنّه يقول الحقّ كلّ الحقّ. وبدأ بعضهم يذرفون الدموع بسخاء، إذ رأوه جالسا على الأرض، وقد أراد إصلاحهم وتعليمهم بهذه الطريقة المقدّسة الطاهرة .وكان يوعز إلى الإخوة أن تكون موائدهم منخفضة ومتواضعة، ليتّخذ العلمانيّون منها القدوة، حتّى إذا جاء أحد الفقراء ودعاه الإخوة، {41} استطاع أن يجلس معهم على حدّ سواء، لا هو على الأرض والإخوة من فوق .

 

 

 

   الفصل الحادي والعشرون

كيف بكى أسقف أوستيا (25) وتأثّر بفقر الإخوة

 

 

 

أسقف أوستيا Ostia الذي أصبح فيما بعد البابا غريغوريوس، جاء إلى مجمع الإخوة في كنيسة مريم البورسيونكولا  Portiuncula، ودخل البيت بصحبة عدد كبير من الجند ورجال الدين ليشاهد مهجع الإخوة . ولمّا رأى ان الإخوة ينامون على الأرض ولم يكن من تحتهم إلاّ قليل من القشّ وبعض الأغطية الحقيرة كلّها شبه بالية، بلا أيّ وسادة، أخذ يبكي بشدّة أمام الجميع ثمّ قال :(( ههنا ينام الإخوة، أمّا نحن الأشقياء فما أكثر الأشياء الفائضة لدينا. ماذا إذن يكون من أمرنا ؟)) وكان هو والآخرون جميعا متأثّرين إلى حدّ بعيد. كذلك لم يجد هناك أيّة مائدة لأنّ الإخوة كانوا في ذلك المكان يأكلون على الأرض. 

 

  الفصل الثاني والعشرون

كيف سدّ الجنود احتياجاتهم بطلب الصدقة من باب إلى باب

عملا بنصيحة القدّيس فرنسيس

 

كان القدّيس فرنسيس في المكان المدعو بانيارا  Bagnara (26)، شمال مدينة نوتشيرا  Nocera، فأخذ الورم {44}  يزداد في رجليه بسبب علّة الاستسقاء، وتفاقم عليه المرض في ذلك المكان. ولمّا علم أهل أسّيزي بالأمر، هرع بعض الجنود إلى هناك ليصحبوه إلى أسّيزي، خوفا من أن يموت هناك ويحظى غيرهم بجسده. وفيما هم يحملونه، أخذوا قسطا من الراحة في بلدة من أعمال أسّيزي لتناول طعام الغذاء. فاستراح القدّيس فرنسيس في منزل رجل مسكين استقبله بحفاوة. أمّا الجنود فراحوا إلى البلدة طلبا لحاجتهم، لكنّّهم لم يجدوا شيئا. فعادوا إلى القدّيس فرنسيس وهم يقولون مازحين:((عليك أيّها الأخ أن تعطينا من بعض صدقاتكم، إذ ليس لدينا شيء نأكله)). فقال لهم القدّيس فرنسيس بحرارة روح عظيم:((لم تجدوا لأنّكم تثقون بأنفسكم أي بأموالكم، لا بالله تعالى. لكن عودوا إلى المنازل التى ذهبتم إليها لتبتاعوا، ودعوا عنكم الخجل واطلبوا منها الصدقة حبّا بالإله الربّ. وسوف يعطونكم بسخاء بإلهام الروح القدس)). فراحوا وطلبوا الصدقة كما قال لهم القدّيس فرنسيس، فأعطاهم من طلبوا منهم الصدقة ممّا لديهم بفرح وسخاء عظيمين . فأيقنوا أنّ في ما حدث معجزة فعادوا بفرح عظيم إلى القدّيس فرنسيس ممجّدين الربّ. هكذا كان القـدّيس فـرنسيس يعـتبر طلب الصدقة حـبّا بالإله الربّ شرفا وفخرا عظيما، أمام الله والعالم، لأنّ كلّ ما خلقه الآب السماوي لمنفعة الإنسان من أجل محبّة ابنه الحبيب، يُمـنح بعد الخطيئة للمستحقين ولغير المستحقين {45} بالمجّان، عن طريق الصدقة .وكان يقول إنّ عبد الله عليه أن يطلب الصدقة باستعداد وفرح أعظم من رجل ذهب -لكثرة كرمه وسخائه- يهتف ويقول:(( كلّ من أعطاني الفلس الفلاني الذي سعره يساوي دينارا واحدا أعطيته ألفقطعة ذهب)). ذلك إنّ عبد الله بطلب الصدقة يهب حب الله لمن يتصدّق عليه، وكلّ ما في السماء والارض ليس شيئا لو قورن به )).(27) ولذلك فإنّ الإخوة قبل أن يكثر عددهم، بل حتّى بعد ذلك، كلّما دعاهم في رحلاتهم الرسولية رجل، مهما كان غنّيا ونبيلا، إلى تناول الطعام والضيافة لديه، كانوا عند ساعة الطعام يذهبون في طلب الصدقة قبل الذهاب إلى ذلك البيت، من أجل المثل الصالح أمام الإخوة وإكراما لفضيلة الفقر. وكثيرا ما كان المضيف يطلب من [لفرنسيس] ألاّ يذهب، فيجيب قائلا:(( لا أريد أن أفقد كرامتي الملَكيّة وميراثي ووظيفتي ووظيفة إخوتي، أي طلب الصدقة من باب إلي باب )). وربّما ذهب معه الرجل المضيف وتلقّى الصدقات التي يجمعها القديس فرنسيس وحفظها لديه كذخيرة إكراما له. من كتب هذا رآه مرّات كثيرة ويشهد على ذلك  (28).

 

  {47}الفصل السادس والعشرون

كيف ذهب في طلب الصدقة قبل ان يجلس الى مائدة الكاردينال

 

ذات مرّة قام القديس فرنسيس بزيارة أسقف أوستيا Ostia، الذي أصبح فيما بعد البابا غريغوريوس. وعند ساعة الطعام تسلّل وذهب في طلب الصدقة من باب إلى باب. ولمّا عاد كان أسقف أوستيا قد دخل غرفة الطعام مع عدد كبير من الجند والنبلاء. فدنا القديس فرنسيس ووضع على المائدة أمام الكاردينال الصدقة التى حصّلها ودخل ردهة المائدة [وجلس] إلى جواره. ذلك إنّه كان دائما يريد أن يجلس القديس فرنسيس إلى جواره خجل الكاردينال بعض الشيء لأنّه ذهب يطلب الصدقة ووضعها على الماءدة، لكنّّه لم {47} يقل له شيئا في ذلك الحين إكراما للحاضرين. وبعد أن تناول قليلا من الطعام أخذ القدّيس فرنسيس صدقته وقدّم شيئا منها لكلّ من جنود السيّد الكاردينال وكهنته باسم الربّ الإله .فقبل الجميع[الصدقة] بفرح وخشوع عظيمين، نازعين قلانسهم أو أيّ غطاء عن رؤوسهم ؛ بعضهم أكلها وبعضهم خبأها تيمّنا به .وبعد الغذاء ذهب بالقديس فرنسيس إلى غرفته، ثم رفع ذراعيه وضمّه بفرح وابتهاج عظيمين قائلا: ((لماذا أخجلتني اليوم، أيّها الأخ البسيط الساذج، إذ جئت إلى بيتي الذي هو بيت إخوتك ، ثمّ ذهبت تطلب الصدقة ؟ )) فأجابه القدّيس فرنسيس:(( لا بل جلبت عليك يا سيدي شرفا عظيما، لأنّ الخادم يشرّف سيّده بالقيام بواجبه وبطاعته )) ثم أضاف: ((عليّ أن أكون قدوة ومثالا لفقرائكم، لا سيّما وإنّي موقن إنّه في رهبانيّة هؤلاء الإخوة، في الوقت الراهن وفي المستقبل، إخوة أصاغر بالاسم و بالفعل، يتّضعون كلّ الاتضاع ويخدمون إخوتهم بخضوع، من أجل محبّة الربّ الإله وحنان الروح القدس الذي يعلّمهم كلّ شيء. وفيها أيضا الآن وسوف يكون في المستقبل، من بمانع الخجل أو العادة السيّئة، لن يتنازلوا بل إنّهم يأنفون وسوف يأنفون أن يتواضعوا وينحنوا لطلبها، أو لأداء أيّ خدمة أخرى متواضعة .ولذلك عليّ أن أعلّم بالعمل أعضاء {48} الرهبانية في الحاضر والمستقبل، لئلاّ يبقى  لهم أيّ عذر أمام الله لا في الدنيا ولا في الآخرة .ووجودي لديكم أنتم سيّدنا وحبرنا الجليل، أو لدى غيركم من وجهاء وأغنياء هذا العالم- مِمّن لا تستقبلوني في منازلكم فقط، بل تجذبوني إليها جذبا بوقار عظيم، حبّا للربّ الإله -لا يمنعني من الذهاب في طلب الصدقة خجلا، لا بل أريد أن اعتبر ذلك واقرّه أمام الله، كشرف عظيم وفخر ملوكي وإكرام، لمن مع كونه ربّ الجميع أراد أن يصبح خادم الكل، ومع كونه غنيّا مجيدا في عظمته، جاء فقيرا محتقَرا في تواضعنا.ولذلك فإنّي أريد أن يعلم رهبان الوقت الراهن والمستقبل، أنّي عندما أجلس إلى مائدة الإخوة الفقيرة وأرى أمامى صدقات وضيعة، تـُجمع حبّا للإله الربّ من باب إلى باب، أشعر في النفس والجسد بمتعة أعظم من جلوسي الى مائدتكم أومائدة غيركم، الحافلة بشتّى المأكولات ووفرتها. لأنّ خبز الصدقة خبز مقدَّس وقدّسه تمجيد الربّ الإله وحبّه. إذ حين يذهب الأخ في طلب الصدقة عليه أن يقول أوّلا:((ليكن الربّ الإله ممجّدا ومباركا)) ثم عليه أن يضيف :((تصدّقوا علينا حبّا للرب الإله)).

فتأثّر الكاردينال بحديث القديس فرنسيس هذا وكلامه كلّ التأثّر وقال له :((إفعل يا بنيّ ما حسُن في عينَيك، لأنّ الله معك وأنت معه)).

وفي الواقع هذه كانت نيّة القديس فرنسيس: ألاّ يمضي على أحد الإخوة وقت طويل من غير أن يذهب في طلب الصدقة، لينال ثوابا عظيما ولئلاّ يخجل فيما بعد من الذهاب {49}  لا بل كلّما كان أحد الإخوة من الوجهاء والفضلاء في هذا العالم، كان يفرح ويُعجب به لدى ذهابه في طلب الصدقة أو إنجازه أعمالا متواضعة، كان ينجزها الإخوة في ذلك الزمن.

الفصل الرابع والعشرون

في الأخ الذي لم يكن لا يصلي ولا يعمل بل يأكل بجشع

 

في بداية الرهبانيّة، اذ كان الإخوة في ريفوتورتو (29) بالقرب من أسّيزي كان أحدهم قليل الصلاة ولا يعمل شيئا ويرفض ان يذهب في طلب الصدقة ويأكل بشهية. فبعد ان نظر القدّيس فرنسيس في الأمر، علم بالروح القدس انه رجل جسداني فقال له :((اذهب في سبيلك أيّها الأخ الذبابة، لانك تريد ان تأكل من اتعاب اخوتك وانت باطل في اعمال الربّ كاليعسوب الكسلان العقيم {50} الذي لا يكسب ولا يعمل ويأكل من اتعاب النحلات الجيدة وكسبها )). وذهب في حال سبيله، ولكونه رجلا جسدانيا، لا طلب الغفران ولا حصل عليه.

 

الفصل الخامس والعشرون

كيف استقبل بحماس رجلا فقيرا حاملا صدقاته وهو يمجد الله

 

مرّة أخرى، كان القدّيس فرنسيس في مقرّ القدّيسة مريم البورسيونكولا، وإذابرجل  مسكين ذي روحانيّة عالية، في طريق عودته من طلب الصدقة من أسّيزي، يسير ممجّدا الربّ بصوت عال وبفرح عظيم .فلمّا دنا من كنيسة القدّيسة مريم سمعه القدّيس فرنسيس، فخرج فورا بحماس وفرح عظيمين وأسرع نحوه في الطريق، وقبّل بابتهاج عظيم كتفه الحامل عليها جعبته الملأى بالصدقة. ثمّ تناول الجعبة من على كتفه وجعلها على كتفه هو وحملها حتّى بيت الإخوة وقال أمامهم:(( هكذا أريد أن يذهب إخوتي ويعودوا من طلب الصدقة فرحين ومبتهجين يمجدون الربّ)). 

 {51} الفصل السادس والعشرون

كيف أوحى إليه الربّ أن يسمّي إخوته "الأصاغر" ويبشّروا بالسلام والخلاص

 

قال القدّيس فرنسيس ذات مرّة :((رهبانيّة الإخوة الأصاغر وحياتهم عبارة عن  قطيع صغير طلبه ابن الله من أبيه السماوي في هذه الساعة الأخيرة قائلا:((أُحبّ يا أبتِ، أن تصنع لي وتعطيني شعبا جديدا متواضعا في هذه الساعة الأخيرة، يختلف في تواضعه وفقره عن جميع الذين تقدّموه، ويرضى بي وحدي. فلمّا سمع الآب الابن قال له:يا بنَيّ، لقد استـُجيب طلبك )).

ولذلك فإن القدّيس فرنسيس كان يقول إنّ الله أراد وأوحى إليه أن يسمّى الإخوة "أصاغر" ، لأنّهم هذا الشعب الفقير المتواضع الذي طلبه ابن الله من أبيه، والابن يقول في الإنجيل عن هذا الشعب:(( لا تخف أيّها القطيع الصغير، لأنّه حسن لابيكم أن يعطيكم الملكوت)) (30) وقال أيضًا:(( ما {52} فعلتم بأحد إخوتي هؤلاء الصغار فبي فعلتموه)) (31) وإن كان الربّ يعني بقوله هذا جميع المساكين بالروح، إلاّ إنّه تنبّأ بظهور رهبانيّة الإخوة الأصاغر في الكنّيسة.  ولذلك، كما أوحى إليه [الربّ] ان تـُسمّى رهبانيّة الإخوة الأصاغر، هكذا أمر أن يُسجّل ذلك في القانون الأوّل الذي قدّمه لقداسة البابا إينوشينسيوس الثالث، الذي أقرّه ووافق عليه وأعلنه على الجميع في مجمع الكرادلة .

 وكذلك أوحى إليه الربّ السلام الواجب على الإخوة أن يلقوه، كما أمر أن  يُكتب في وصيّته:(( وأوصاني الربّ أن أحَيّي قائلا:" منحك الربّ السلام ")).

ولذلك فإنّه في عهد الرهبانيّة الأوّل، فيما هو سائر مع أحد الإخوة الأوّلين، أخذ هذا الأخ يلقي التحيّة في أثناء السير على الرجال والنساء والذين في الحقول قائلا:(( منحكم الربّ السلام)). وكان الناس يدهشون كثيرا لكونهم لم يسبق أن سمعوا من أيّ راهب مثل هذه التحيّة.لا بل كان بعضهم يجيبون باستياء :((وماذا تعنون بتحيّتكم هذه))؟ ممّا جعل ذلك الأخ {53} يخجل ويقول للقدّيس فرنسيس:((دعني ألقي تحيّة أخرى)). فقال له القدّيس فرنسيس :((دعهم يتكلّمون لأنّهم لا يفهمون ما هولله. لكن لا تخجل، لأنّها تأتي أيّام يكرّمك فيها نبلاء وأمراء هذا العالم من أجل هذه التحيّة .إذ ليس بكثير أن يريد الربّ أن يكون له شعب جديد صغير، يختلف ويتميّز  عن جميع الذين سبقوه في سيرته وكلامه، ويرضى به وحده هو الفائق الحلاوة)).

 

 {54} الباب الثاني

في محبّته وعطفه ورفقه بالقريب

 

 

الفصل السابع والعشرون

أوّل ذلك :كيف تحنّن على أخ كاد يموت جوعا بأن أكـل معـه، ونبّه الإخـوة أن يتـقشّفـوا بتحـفـّظ

ذات مرة، بعد أن أخذ الإخوة ينضمّون إلى القدّيس فرنسيس، وفي أثناء إقامته  معهم بالقرب من ريفوتورتوRivotorto  بجوار أسّيزي، حدث ذات ليلة أن أخذ أحد الإخوة نحو منتصف الليل وجميع الإخوة نيام، يصيح ويقول :(( إنّي أموت إنّي أموت))! فاستيقظ جميع الإخوة مذهولين ومذعورين. ونهض القدّيس فرنسيس وقال :(( إنهضوا يا إخوة، وأشعـلوا النور)). وبعد أن أشعـلوا النور قال :((مَن هوالقائل إنّي أموت)) ؟ فأجاب ذلك الأخ :((انا هو)) فقال له:   (( ماذا بك يا أخي،ولماذا تموت؟))  فأجاب:(( أمـوت جـوعا)). فأمر القدّيس فـورا بإعـداد المائدة {55} وأكل معه كرجل كلّه محبّّة وفطنة، كي لا يخجل أن يأكل وحده ؛ وكذلك أكل جميع الإخوة تلبية لطلبه. ذلك إنّ الأخ المذكور وسائر الإخوة كانوا ممّن جاؤوا وتابوا إلى الربّ حديثا، فكانوا يقمعون أجسادهم بشدّة بالغة .وبعد الطعام قال القدّيس فرنسيس للإخوة:((أرجوكم أيّها الإخوة ، أن يعرف كلّ منكم طبيعته، إذ قد يستطيع أحدكم دون غيره أن يعيش بمقدار يسير من الغذاء، على أنّي أريد مِمّن يحتاج إلى مقدار أوفر من الغذاء، ألاّ يقلّده في ذلك، بل يضع في اعتباره طبيعته ويمنح الجسد حاجته، ليقوى على خدمة الروح. وكما علينا أن نحترس من كثرة الأطعمة لأنّها تؤذي الروح والجسد، كذلك شأن المبالغة في التقشّف، لا سيّما وإنّ الربّ يريد الرحمة لا الذبيحة (32). ثمّ اضاف :((إنّ ما فعلت يا إخوتي، أي تناولنا الطعـام حبّا بأخـيـنا هـذا كي لا يخجل أن يتنـاول الطعام وحده، إنّـما اضطرتني إليه الضرورة والمحبّّة . على أنّي اؤكد لكم إنّي لن  أسلك هذا المسلك في الأمور الأخرى، لأنّه لا يليق براهب ولا يشرّفه. على إنّي أريد منكم وآمركم أن يلبّي كلّ من الإخوة احتياجات جسده وفقا لفقرنا وكلّ حسب حاجته )).

ذلك إنّ الإخوة الأوّلين ومن تلاهم إلى زمن بعيد، كانوا يقمعون أجسادهم بشدّة  بالغة، بالصوم عن الأكل والشرب والسهَر والبرد والملابس الخشنة والأعمال اليدويّة، ويتّخذون {56} على أجسادهم من تحت [الثوب] حلقات من حديد ودروعا بالغة القساوة ومسوحا. فلمّا رأى الأب القدّيس أنّ هذا الأمر من شأنه أن يؤدي بالإخوة إلى التعرّض للمرض، وأنّ بعضهم مرضوا فعلا، منع في أحد المجامع أن يتخذ أيّ أخ من تحت [الملابس] على جسده أيّ شيء ما عدا الثوب. أمّا نحن الذين عشنا معه، فنشهد عنه أنّه طيلة عمره كان متحفظا مع إخوته ومتّزنا لكنّ بشرط ألاّ يحيد الإخوة قطّ في مأكلهم ومشربهم عن طريقة الفقر والقناعة الخاصّة برهبانيّتنا. أمّا هو، أيّ الأب السامي القداسة، فكان مع ذلك، منذ أوّل توبته حتّى آخر العمر، قاسيا مع جسده، رغم كونه ذا بُنية ضعيفة وكان في العالم يعيش عيشا مرفّها .لذلك لمّا وجد ذات مرّة أنّ الإخوة يتجاوزون حدود الفقر والقناعة في المأكل وسائر الأمور، قال في إحدى المواعظ التى ألقاها على بعض الإخوة، لكنّّها كانت موجّهة إليهم جميعا:((لا يخطر ببال الإخوة أنّ جسمي يحتاج هو الآخر إلى وجبة مغذّية، على أنّي أريد أن أكون مثالا وقدوة لجميع الإخوة، ولذلك أريد أن اتغذّى وأرضى بمأكولات قليلة وزهيدة، وأتصرّف في كلّ الأمور وفقا للفقر، نافرا كلّ النفور من كلّ أبّهة ورخاء )).

 

 {57} الفصل الثامن والعشرون

كيف أكل العنب رفقا بأحد الإخوة المرضى

 

مرّة أخرى كان القدّيس فرنسيس في نفس المكان، وكان هناك أحد الإخوة من الروحانيّين القدامى في الرهبانيّة، أصابه المرض وأرهقه. فلمّا رأى القدّيس فرنسيس ذلك أشفق عليه. لكن لمّا كان الإخوة في ذلك الزمن، الأصحّاء  منهم والمرضى، يعيشون في الفقر فرحين وكأنّهم في رخاء، وإن مرضوا لا يستخدمون الأدوية بل حتّى لا يطلبونها، ويتناولون راضين حتّى ما يضادّ الجسد، قال القدّيس فرنسيس بينه وبين  نفسه:((أظنّ أنّ هذا الأخ إذا ما أكل عنبا في الصباح الباكر سيفيده)).

 وكما فكـّر فعل، إذ إنّه نهض ذات يوم صباحا باكرا جدّا، ودعا ذلك الأخ سرّا وذهب به إلى أحد الكروم المجاورة للمكان. واختار كرمة فيها عنب شهيّ المذاق، ثمّ جلس بالقرب من الكرمة مع ذلك الأخ وأخذ يأكل عنبا، كي لا يخجل الأخ أيضا أن يأكل وحده .وبعد أن أكلا شُفي ذلك الأخ ومجدا الربّ معا. ولذلك لم ينس هذا الأخ طول عمره تلك الشفقة وذلك الرفق الذي أبداه نحوه الأب القدّيس، وكان يحدّث الإخوة عنه بخشوع عظيم وهو يذرف الدموع بسخاء.

 

{58}الفصل التاسع والعشرون

كيف حرم نفسه من ثوبه وثوب رفيقه ليكسو امرأة مسكينة

 

كان لدى القدّيس فرنسيس في القرب من تشيلانو، في فصل الشتاء، قطعة  من القماش المضاعف بمثابة معطف، كان قد احضرها له أحد اصحاب الإخوة (33). واذا بامرأة عجوز تـُقبل إليه طالبة الحسنة. فما كان منه إلاّ أن خلع عنه قطعة القماش وأعطاها للمرأة العجوز، مع أنّها لم تكن ملكا له، ثمّ   قال :((اذهبي واصنعي منها لك رداء لأنّك في حاجة ماسّة إليها)).

فضحكت العجوز وأخذها الذهول، لا أدري أخوفا أم فرحا، وأخذت القماش من يده وذهبت مسرعة وقصّته بالمقصّ، خشية أن يعود ويطالبها به لو تأخّرت. ولمّا وجدت القماش غير كاف لتصنع منه لها رداء، عادت إلى الأب القدّيس الكريم وأخبرته أن القماش أقلّ من  أن يكفي للرداء. فالتفت القدّيس إلى رفيقه الذي كان مرتديا قماشا مشابها وقال     له :(( أسمعت ماذا تقول هذه المسكينة ؟ لنتحمّل البرد حبّا لله تعالى، وأعط هذه المسكينة ذلك القماش لتكمّل رداءها))

 {59} فأعطاها رفيقه [رداءه] فورا، كما سبق هو وأعطاها، وتعرّى كلاهما لكساء تلك المسكينة .

 

الفصل الثلاثون

كيف كان يعتبر عدم العطاء لمن هو في حاجة ماسّة سرقة

 

كان ذات مرّة عائدا من مدينة سيينا Siena، فالتقي بأحد الفقراء، فقال  لرفيقه:(( علينا أن نمنح هذا الفقير المعطف لأنّه له. ذلك إنّنا استقرضناه ريثما نجد من هو افقر منّا)). لكنّ رفيقه، لعلمه بحاجة الأب القدّيس إليه، أصرّ وعزم على ألاّ يهمل نفسه ليُعنى بغيره. فقال له القدّيس فرنسيس:((انا لا أريد أن أكون لصًّا .لأنّنها تـُحسب علينا سرقة إن لم نعط من هو احوج منّا )). وهكذا أهدى الأب الرحوم الفقير معطفه.

 

الفصل الحادي والثلاثون

كيف أعطى رجلا فقيرا معطفا جديدا بشرط

 

القرب من تشيلّي دي كورتونا  Celle di Cortonaكان القدّيس فرنسيس مرتديا  معطفا جديدا كان الإخوة قد اقتنوه {60} خصّيصا له .وإذا برجل فقير جاءه يبكي لوفاة زوجته وأسرته المسكينة المشرّدة. فأشفق القدّيس عليه وقال:((أعطيك هذا المعطف بشرط ألاّ تبيعه أحدا، ما لم يشتره  بسعر جيد)).  وما إن سمع الإخوة هذا الكلام حتّى أسرعوا إليه ليستعيدوا المعطف. لكنّ الفقير تشجّع ناظرا إلى وجه الأب القدّيس، وتشبّث به ضامّا عليه يديه كشيء يملكه. وأخيرا استعاد الإخوة المعطف بعد أن جمعوا للفقير السعر المطلوب.

 

الفصل الثاني والثلاثون

كيف كفّ أحد المساكين عن شتم سيّده وبغضه

بفضل صدقة من القدّيس فرنسيس

 

في بلدة كولّي  Colleمن أعمال بيروجياPerugi، التقى القدّيس فرنسيس برجل  مسكين كان يعرفه من قبل وهو في العالم وقال له :((كيف أنت أيّها الأخ ؟)) أمّا هو فأخذ يصبّ اللعنات على سيّده قائلا :(( بفضل سيّدي -لعنة الله {61} عليه -لا يمكن أن أكون إلاّ بحالة سيّئة، لأنّه سلبني كلّ أموالي )).

فلمّا رآه القدّيس فرنسيس مصرّا على بغض قتّال، أشفق على نفسه وقال له :(( إصفح  يا أخي عن سيّدك من أجل الربّ، لخلاص نفسك فربّما يعيد إليك ما سلبك إيّاه، وإلاّ فأنت خاسر نفسك وأموالك)).فأجابه :((لا يمكن أن أصفح عنه قطّ ما لم يعد إليّ كلّ ما سلبني )). عندئذ قال القدّيس فرنسيس :((ها إنّي أعطيك هذا المعطف وأرجوك أن تغفر لسيّدك حبّا للربّ إلهك)). فرقّ قلبه فورا وبدافع تلك الهديّة كفّ عن شتم سيّده.

 

 الفصل الثالث والثلاثون

كيف أرسل معطفا إلى سيّدة مسكينة تعاني مثله من عينيها

 

جاءت سيّدة مسكينة من ماكيلوني  Machiloneإلى رييتي  Rietiبسبب مرض في عينيها. ولمّا جاء الطبيب إلى القدّيس فرنسيس، قال له :(( إنّ إحدى السيّدات، أيّها الأخ، تعاني من عينيها.لقد جاءتني وهي مسكينة بحيث عليّ أن اتحمّل انا النفقة)). فما إن سمع ذلك حتّى أشفق عليها واستدعى أحد الإخوة وكان رئيسه وقال له :(( يا أخي الرئيس، علينا إعادة ما ليس لنا)). فأجاب:(( وما هو هذا الشيء الذي ليس لنا)) ؟ فقال:(( هذا المعطف الذي استقرضناه من تلك السيّدة {62} المسكينة المريضة، لا بدّ من إعادته إليها)). فقال له الرئيس :((إفعل أيّها الأخ ، ما يحسن في عينيك)). عندئذ استدعى القدّيس فرنسيس فرحا رجلا روحانيّا من المقرّبين إليه وقال :((خذ هذا المعطف وأضف عليه اثني عشر رغيفا من الخبز، واذهب إلى تلك السيّدة المسكينة المعانية من عينيها، التي يدلّك عليها الطبيب، وقل لها انّ الرجل الفقير الذي أقرضتِهِ هذا المعطف يشكرك على هذا القرض. خذي ما هولك)).

فذهب الرجل وبلّغ المرأة كلّ ما قاله القدّيس فرنسيس. أمّا هي فظنًّا منها أنّه يهزأ منها قالت بخوف وخجل:((دعني في سلام إنّي لا أفهم ماذا تقول)).أمّا هو فوضع المعطف والاثني عشر رغيفا بين يديها. فلمّا رأت أنّه جادّ في كلامه قبلت بخوف واحترام ومجّدت الربّ بفرح. وقامت سرّا ليلا وعادت إلى بيتها سعيدة، خشية أن يستعيدوه منها. أمّا القدّيس فرنسيس فأمر بالاتفاق مع الرئيس أن يقدّموا لها كلّ يوم مبلغا من المال ما دامت في ذلك المكان. ولذلك، فنحن الذين عشنا معه، نشهد له أنّه كان يعامل المرضى والأصحّاء، لا من رهبانه فحسب بل من سائر الأصحّاء والمرضى، بمحبّّة وشفقة عظيمتين، حتّى إنّ الأشياء الضرورية لجسده، التي ربما  اقتناها الإخوة بكدّ وتعب، كان يطمئننا أوّلا كي لا {63} نجزع، ثمّ يعطيها الفقراء بفرح عظيم باطني وظاهر، حارما نفسه منها، حتّى وإن كان في حاجة ماسّة إليها . ولذلك فإنّ الرئيس  العام ورئيسه المحلّي أمراه ألاّ يعطي ثوبه أحدا من غير اذنهما. ذلك إنّ الإخوة بسبب توقيرهم له ربّما طالبوه بالثوب، وسرعان ما كان يعطيهم. وربّما أعطاهم جزءا وترك لنفسه جزءا آخر ؛ إذ إنّه لم يكن  يرتدي إلاّ ثوبا واحدا.

 

الفصل الرابع والثلاثون

كيف أعطى الإخوة ثوبه وقد طلبوه حبّا لله تعالى

 

ذات مرّة، فيما هو سائر في إحدى المناطق ليعظ، استقبله أخَوان من فرنسا.  وفرحا بلقائه فرحا عظيما، وأخيرا طلبا ثوبه حبّا لله تعالى. أمّا هو، فما إن سمع عبارة ((حبّا لله تعالى)) حتّى خلع ثوبه وأعطاهما إيّاه وبقي عريانا لبضع ساعات. ذلك إنّه لدى ذكر حبّ الله تعالى، لم يكن يرفض أيّ طلب، أكان الحزام أو الثوب أو أيّ شيء آخر، لا بل كان يأسف جدّا، وكثيرا ما كان يلوم الإخوة إذا ما سمعهم ينطقون عبثا في أثناء حديث ما بعبارة {64} ((حب الله تعالى)). فإنّه كان يقول:((إنّ حبّ الله سامٍ وثمين بحيث لا يجوز النطق به إلاّ نادرا وفي الضرورة القصوى وببالغ الوقار)). ثم إنّ أحد هؤلاء الإخوة خلع ثوبه هو الآخر وقدّمه له. وإذا ما أعطى أحدا ثوبه أو جزءا منه، كان يعاني من حرمان وعذاب عظيمَين، لأنّه لم يكن من السهل الحصول بسرعة على ثوب آخر، لا سيّما وإنّه لم يكن يقبل إلاّ ثوبا وضيعا، تغشاه الرقع ربّما من الداخل والخارج ؛ لا بل لم يشأ قط أن يرتدي ثوبا من قماش جديد، بل كان يطلب من أحد الإخوة ثوبا قد استخدمه بعض الوقت .وربّما اتخذ جزءا من ثوبه من أحد الإخوة والجزء المتبقّي من آخر. وبسبب أمراضه الكثيرة {65} والبرودة في المعدة والطحال كان يرقّعه بقطع من القماش الجديد., والتزم هذا الزهد في الملابس وحفِظه حتّى السنة التي انتقل فيها إلى الربّ.ذلك إنه قـُبَيل وفاته بأيّام قليلة، بعد أن جفّ معظم جسمه بسبب مرض الاستسقاء والأمراض الأخرى الكثيرة التي كان يعاني منها، أعدّ له الإخوة أثوابا عدّة لتبديل الثوب ليل نهار، حسب الضرورة.

 

الفصل الخامس والثلاثون

كيف أراد أن يعطي أحد المساكين قطعة من القماش سرًّا

 

جاء ذات مرّة رجل مسكين إلى المكان المقيم فيه القدّيس فرنسيس وطلب من الإخوة حبّا لله تعالى قطعة قماش. فما إن سمعه القدّيس فرنسيس حتّى قال لأحد الإخوة:(( إبحث في أرجاء البيت عسى أن تجد {66} قطعة قماش  وأعطها المسكين)). وبعد أن جرى ذلك الأخ عبر أرجاء البيت كلّه أجاب إنّه لم يجد شيئا.

على أن القدّيس فرنسيس، كي لا يعود ذلك الأخ المسكين بخفّي حنين، ذهب سرّا، خشية أن يمنعه الرئيس، واتخذ سكّينا واختبأ في مكان خفيّ وأخذ يفتق قطعة من ثوبه كان قد رقّع بها [ثوبه]، قاصدا أن يعطيها ذلك المسكين سرّا. لكنّ الرئيس علم بالأمر وسرعان ما جاء ومنعه من أن يعطيها، لا سيّما وإنّ البرد في ذلك الحين كان قارسا وكان هو مريضا و[جسمه] شديد البرودة . فقال له القدّيس فرنسيس:(( إن شئت ألاّ أعطيه هذه الرقعة، فعليك حتمًا أن توفّر لهذا الأخ المسكين قطعة أخرى)). وهكذا أعطى هؤلاء الإخوة المسكين قماشا انتزعوه من ملابسهم من أجل القدّيس فرنسيس.

ولدى تجواله في العالم سيرا على الأقدام (أو على صهوة حمار أو حصان، بعد أن أخذ يعاني من المرض، لكنّ عند الضرورة البالغة والقصوى، إذ إنّه كان يرفض أن يركب حصانا ولم يوافق إلاّ قـُبَيل وفاته) ، إذا ما اقرضه أحد الإخوة معطفه كان يرفض قبوله، إلاّ إذا سُمح له أن يقدّمه لمسكين قد يلتقي به أو يطلبه منه، يحدّثه قلبه أنّه في حاجة إليه .

 

 {67} الفصل السادس والثلاثون

كيف أوعز إلى الأخ إيجيديو أن يكسو رجلا مسكينا

 

في بداية الرهبانيّة كان مقيما في ريفوتورتو  Rivotortoمع اثنين من رفاقه، ولم يكن لديه في ذلك الحين غيرهما ؛ وإذا بالمدعو إيجيديو، الذي أصبح الأخ الثالث، جاء من العالم إلى القدّيس لينضمّ إلى طريقته.ومكث معه عدّة أيّام بملابسه التي جاء بها من العالم. وحدث أن رجلا فقيرا جاء إلى ذلك المكان يطلب الصدقة من القدّيس  فرنسيس .فالتفت  القدّيس فرنسيس إلى الأخ إيجيديو المذكور وقال له :((أعطِ هذا الأخ المسكين معطفك)). فخلعه فورا من على منكبيه بفرح عظيم وأعطاه للمسكين. وظهر حالا أنّ الله وضع في قلبه نعمة جديدة، لأنّه أعطى الفقير معطفه بفرح. وهكذا قبله القدّيس فرنسيس وتابع ترقـّيه في الفضيلة حتّى بلغ أعلى درجات الكمال.

 

الفصل السابع والثلاثون

في العقوبة التي فرضها على الأخ الذي أساء الحكم على رجل فقير

 

ذهب القدّيس فرنسيس للوعظ في أحد مراكز الإخوة بالقرب من روكّا دي  بريتزيو Rocca di Brizio (34) ، {68} فحدث أنّ رجلا مسكينا ومريضا جاءه في نفس اليوم الذي كان عليه أن يعظ. فأشفق عليه كثيرا وأخذ يحدّث رفيقه عن فقره ومرضه، فقال رفيقه :(( يا أخي، صحيح أن هذا الرجل يبدو فقيرا جدّا، لكن ربّما لا مثيل له في شهوة الغنى في المنطقة بأسرها)).

لكن سرعان ما لامه القدّيس فرنسيس بشدّة واعترف بذنبه. ثمّ قال القدّيس فرنسيس :(( أتريد أن تنفّذ عن هذا الذنب العقوبة التي أدلّك عليها؟)) فأجاب: بكلّ سرور)). فقال له :((إذهب واخلع عنك ثوبك وأَلقِ بنفسك عريانا على قدمي هذا الرجل المسكين، وقل له كيف إنّك أذنبت في حقّه محقّرا إيّاه، واطلب منه أن يصلّي من أجلك)). فذهب وفعل كلّ ما قاله القدّيس فرنسيس . وبعد ذلك نهض وارتدى ثوبه وعاد إلى القدّيس فرنسيس فقال له القدّيس فرنسيس :((أتريد أن تعرف كيف أخطأت في حقّه بل في حقّ المسيح ؟ إنّك عندما ترى مسكينا عليك أن تفكّر بمن جاء باسمه، أي بالمسيح الذي اتّخذ فقرنا وضعفنا. ذلك إنّ ضعف هذا الرجل وفقره بالنسبة إلينا عبارة عن مرآة، علينا أن نرى ونتأمل فيها بشفقة ضعف سيّدنا يسوع المسيح وفقره )).

             

{69}الفصل الثامن والثلاثون

في كتاب العهد الجديد الذي أمر بتسليمه لسيّدة مسكينة ،أمّ اثنين من الإخوة

 مرّة أخرى كان في مركز القدّيسة مريم البورسيونكولا ، فجاءت إليه امرأةعجوز ومسكينة لها ولدان في الرهبانيّة ، تطلب الصدقة من القدّيس فرنسيس  .فقال القدّيس فرنسيس فورا للأخ بطرس كاتّانيوCattaneo، الذي كان في ذلك الحين رئيسا عامّا :(( ألدينا شيء نعطيه أمّنا هذه؟)) ذلك إنّه كان يسمّي أمّ أيّ أخ أمّه وأمّ الإخوة جميعا. فأجاب الأخ بطرس :((ليس لدينا في البيت شيء يمكن تقديمه ، لأنّها في حاجة إلى صدقة تستطيع أن تتغذى بها. أمّا في الكنّّيسة فما لدينا إلاّ نسخة واحدة من العهد الجديد ، نقرأ فيه القراءات في صلاة الفجر)). ذلك إنّ الإخوة لم يكن لهم في ذلك الحين لا كتب الفرض الكنسي ولا نسَخٌ كثيرة من سفر المزامير.

فقال له القدّيس فرنسيس:((أعط أمّنا العهد الجديد لتبيعه وتفي حاجتها. فانا موقن أنّ هذا يسرّ الربّ والعذراء مريم أكثر من قراءتنا فيه)). فأعطوها إيّاه . إنّه لجدير بان يُقال ويُكتب عنه ما جاء في سفر أيّوب :((خرجت الشفقة من بطن أمّه ونمت فيه)) (35).{70} لذلك نحن الذين عشنا معه ، لو أردنا أن  نسجّل أو نتحدّث لا عمّا سمعناه من غيرنا عن شفقته ومحبّته للإخوة وغيرهم ، بل عمّا رأيناه بأعيننا لا غير، لاستعصى الأمر علينا وطال بنا الحديث .

 

 



[1] بعض النسخ تضيف هنا الملحوظة التالية : " هذا الكتاب دُونَ بأسلوب الأسطورة, و سجّل فيها رفاق القديس فرنسيس ذكريات قديمة وردت في كتب مختلفة".

[2]  كان ذلك في صيف سنة 1210 .

[3]  بتاريخ 29 تشرين الثاني 1223 . ليس من السهل تحديد القانون المحذوف منه، لا يغب عن ذهن القارئ أن الكتاب كله بقلم المتشدّدين أو الروحانيين ، و هم فئة من الرهبان كانونا يدعون إلى المزيد من الدّقة في حفظ القوانين و يتّهمون الآخرين بالتخاذل. و هذه الفقرة الموضوعة بين [] هي مثابة مدخل و يبدو أنها بقلم أحدث و لذلك حُذفت من الطبعة التي حقّقها ساباتيي سنة 1928 .

[4]  انتُخب رئيساً عاماً للرهبانية بتاريخ 10 آذار سنة 1221.

 

التالى

 

الرهبان الفرنسيسكان بمصر
نريد أن نكون شهودا للفرح
الآن