همسة
أختي، ما الذي يجب أن نفعله؟ الصمت الصبر والصلاة
سيرة بيروجيا للقديس فرنسيس


مقدمة

تعتمد هذه السيرة على مخطوطة منسوبة إلى إخوة مقربين من القديس فرنسيس وهم حسب بعض الرواة الأخ ليون معرّف القديس والأخ روفينو والأخ انجلو وثلاثتهم من رفاق فرنسيس الأوّلين.

إنّها مخطوطة قيّمة ذات أهمية تاريخية، تروي بأمانة ما جرى لفرنسيس من أحداث متفرقة وتعكس بصدق روحانيته الإنجيلية.


إماتاته وفطنته

1- في بداية الرهبانية، لما بدأ توافد الإخوة إلى فرنسيس، كان يعيش معهم بالقرب من قرية اسمها ريفو تورتو Rivotorto    .

وحدث مرة، عند منتصف الليل، بينما الإخوة نائمون على أسرّتهم الخشبية، أن أحدهم أخذ يصيح فجأة: ”إني أموت! إني أموت“.

          استفاقوا جميعاً مذهولين مرتعبين. نهض فرنسيس وقال: ”قوموا أيها الإخوة وأشعلوا النور“. وبعد أن أُشعِل القنديل سأل: ”من الذي صرخ: إني أموت؟“.

أجاب الأخ: ”أنا هو“.

قال له فرنسيس: ”وما بك، يا أخي؟ لماذا أنت تموت؟“.

أجاب:“إني أموت جوعاً”.

 

ولما كان فرنسيس إنساناً مملوءاً لطفاً ورقّة، أمر للحال باعداد المائدة. ولئلا يخجل ذلك الأخ من أن يأكل وحده، جلسوا حميعهم وراحوا يأكلون معه. ولكونهم ارتدوا إلى الرب من مدة قصيرة فقد كانوا هم أيضاً مثل ذلك الأخ يخضعون جسدهم لإماتات تجاوزت الحدود.

بعد أن تناولوا الطعام، كلّمهم فرنسيس، قائلاً: ”إخوتي الأحباء، أوصيكم بأن يراعي كلّ منكم ظروفه الجسدية. إذا تمكن احدكم من الامتناع عن الاكل أكثر من غيره، فإنّي لا أريد من الذي يحتاج إلى طعام أوفر أن يحاول الاقتداء بغيره في هذا الشأن، بل فليأخذ بعين الاعتبار حالته الصحية وليعطِ جسده ما هو بحاجة إليه. فكما أنه علينا الامتناع عن أي إفراط في المأكل يضرّ بالجسد والنفس، كذلك وبنوع أخصّ علينا تجنب الإفراط في الصوم والإماتات لأنّ الرب يفضّل الرحمة على الذبيحة“.[1] 

وأضاف: ”إخوتي الأعزاء، إنّي، بإلهام من المحبة، قمت بهذه المبادرة وهي أن نأكل سويّة مع الأخ لئلا يخجل من أن يقتات وحده. تأكدوا أني ما فعلت ذلك إلاّ بدافع المحبة ونظراً لضيقة ذلك الأخ. رغم هذا، اعلموا أني لن أكرر بعد اليوم مثل تلك المبادرة، فإنّها لا تنسجم مع الحياة الرهبانية وكرامتها. إنّما أريد وآمر كل واحد منكم وضمن حدود فقرنا أن يعطي جسده ما هو ضروري له“.[2] 

قساوة فرنسيس مع نفسه ورقّته مع الإخوة

          2- دأب الإخوة الأوائل وكذلك الذين أتوا بعدهم ولفترة طويلة على قهر جسدهم ليس فقط بحرمانه من الأكل والشرب أكثر من اللزوم، بل حرموا أنفسهم من النوم، ولم يتّقوا قساوة البرد والأشغال اليدوية الشاقة. لبسوا تحت ثيابهم مباشرة ما تيسّر لهم من الجلود وأطواق الحديد وأقسى ما وصل إلى أيديهم من مسوح.

لكن الأب القديس، إذ اعتبر أنّه في مثل تلك الأوضاع القاسية ستلحق بالإخوة الأمراض لا محالة - وبالفعل فإنّ بعضهم مرضَ بعد فترة وجيزة - فإنّه خلال انعقاد أحد المجامع منعهم بألاّ يلبسوا على أجسادهم إلا الثوب الرهباني وحده.

ونحن الذين عشنا معه، يمكننا أن نقدّم عنه هذه الشهادة وهي أنّه من يوم بدء الإخوة يأتون إليه وطيلة حياته كلها، تصرف معهم بفطنة مبيناً لهم أن عليهم فيما يختص بالمأكل وبغيره من الحاجيات، أن يلتزموا حدود الفقر والاتّزان وهما الطابع التقليدي بين الإخوة منذ الأيام الأولى.

بعكس ذلك، كلّما كان الأمر متعلقاً بشخصه، فإنّه منذ بداية ارتداده وقبل أن يأتي الإخوة إليه، ومدى حياته كلها دون انقطاع، عامل جسده بقساوة زائدة، رغم أنه كان منذ صباه نحيلاً وضعيف البنية. ولما كان لا يزال في العالم، لم يكن بإمكانه العيش إلا محاطاً بشتّى أنواع الرفاهية.

لاحظ مرة كيف أنّ الإخوة بدأوا يتخطَّون حدود الفقر والاتّزان في المأكل وفي غيره من الحاجيات، فقال لبعضهم وهو يقصد من وراء ذلك مخاطبة جميع الإخوة: ”ألا يعتقد الإخوة بأنّ جسدي بحاجة إلى طعام مميّز؟ رغم ذلك، بما أنّه عليّ أن أكون قدوة ومثالاً للإخوة جميعاً، فإني أريد الاكتفاء بطعام فقير وبثياب خشنة. وأنا فرِحٌ بذلك“.[3]

في مدحه للتسوّل

3- لما بدأ الإخوة يأتون إلى فرنسيس، كان مغتبطاً جداً من ارتدادهم ومن مرافقة أولئك الذين أهداهم إليه الرب. كان يحيطهم بمحبة فائقة وبتقدير رفيع حتى إنّه لم يكن يقترح عليهم أن يذهبوا ويستعطوا خشية أن يخجلوا من ذلك، حسب ظنّه، تجنباً لإحراجهم، كان يذهب وحده كل يوم لطلب الصدقة، مما سبَّب له إرهاقاً جسيماً كونه من أساسه نحيل البنية وقد تعوّد وهو في بيته أن يعامل جسده بنعومة، ومن جهة ثانية فإنّه بعد تركه العالم قد زاد على جسده ضعفاً لكثرة ما فرض عليه من تقشّفات وإماتات صارمة.

وبما أنّه اعتبر أنّه لم يعد قادراً على حمل مثل تلك المشقة، وأنّ التسوّل هو من أساسات دعوة الإخوة، حتى ولو شعروا بالنفور من الاستعطاء ولم يعتادوا عليه مطلقاً، بل انّه لن يخطر ببالهم أن يبادروه بالقول: ”نريد نحن الذهاب لطلب الصدقة“، قال لهم فرنسيس: ”إخوتي الأعزاء وأبنائي، لا تخجلوا من الذهاب لطلب الصدقة، فإنّ الرب صار فقيراً لأجلنا في هذا العالم. ونحن اقتداءً به وبأمه القدّيسة قد اخترنا طريق الفقر الحقيقي. إنّه ميراثنا الذي اكتسبه الرب يسوع المسيح تركه لنا ولكلّ الذين يريدون أن يعيشوا مثله في الفقر المقدس“.

وأضاف: “الحق أقول لكم، إنّ عدداً كبيراً من النبلاء العلماء في هذا العالم سيأتون إلى جماعتنا الأخويّة ويعتبرون شرفاً كبيراً بأن يذهبوا لطلب الصدقة مع بركة الرب. عليكم إذن أن تذهبوا دون حياء بشري وأن يملأ قلبكم فرح يفوق فرح من يستبدل قرشاً واحداً بمائة دينار. فمن يتصدق عليكم، تهدونه حب الله بدل صدقته لمّا تقولون: "حباً بالرب الإله، أعطونا حسنة"، فإنّ السماء والأرض دون قيمة مقابل حب الله“.

وبما أن عددهم آنذاك كان قليلاً، فلم يكن بإمكانه أن يرسلهم اثنين اثنين، لذلك أرسلهم إلى القرى والمزارع كلاً بمفرده. عند عودتهم، كان كل واحد منهم يعرض على فرنسيس ما جمعه من حسنات وكانوا يقولون لبعضهم: ”أنا جلبت أكثر منك“ ففرح فرنسيس عند رؤيتهم بمثل ذلك السرور وتلك الروح الطيبة. ومنذ ذلك الحين، صار كلّ منهم يطلب بطيبة خاطر الإذن للذهاب لطلب الصدقة.[4]

لا تقلقوا بشأن الغد 

4- في تلك الفقرة، لمّا كان فرنسيس يعيش مع الفوج الأوّل من الإخوة كانت روحه صافية بشكل يثير الاعجاب. فإنّه من يوم أوحى إليه الرب أن يعيش هو وإخوته حسب الإنجيل المقدس، قرر واجتهد أن يطبقه حرفياً طيلة أيام حياته. مثالاً على ذلك، لمّا كان الأخ المكلّف بالمطبخ يريد أن يسكب البقول للإخوة، كان يمنعه من نقعها في الماء الساخنة من العشية حتى الغد، كما هو مألوف وذلك امتثالاً لوصية الإنجيل: ”لا تهتموا بشأن الغد“، وهكذا كان ذلك الأخ ينتظر نهاية تلاوة صلاة الليل لينقع خضاره في الطشط.

وظلّ إخوة كثيرون يتقيّدون بتلك النفسيّة لمدة طويلة في أماكن تواجدهم وخاصة في المدن. ولم يكونوا يطلبون أو يقبلون من الحسنات إلاّ الكمية اللازمة ليومهم.[5]

رقّة معاملته لأخ مريض

5- أثناء إقامة فرنسيس بالقرب من كنيسة سيدة الملائكة، حدث مرة أن مرضَ أحد الإخوة وهو من ذوي الروحانية العميقة وقد مضت عدة سنوات على دخوله الرهبانية. ولما رآه فرنسيس وقد ثقل عليه المرض، أخذته الشفقة عليه وكان الإخوة في تلك الأيام فرحين دائماً ومحتملين كل شيء يصير سواء كانوا مرضى أو أصحاء، وكان الفقر غناهم. لا يلجأون إلى الأدوية أثناء المرض، بل بالعكس يختارون ما يعاكس جسدهم.

فقال فرنسيس في نفسه: ”لو أنّ هذا الأخ أكل في الصباح الباكر عنقود عنب ناضج، أظن أنّه سيعافى”. وفي ذات يوم نهض عند الفجر ودعا ذلك الأخ سيراً واقتداه إلى أحد الكروم المجاورة لتلك الكنيسة واختار كرمة غنيّة بالعناقيد الشهيّة، وجلس مع الأخ تحت الكرمة وأخذ يأكل من عنبها كيلا يخجل المريض من قطفها وحده. وكان الأخ وهو يتذوقها يمجد الرب الإله.

وظل طيلة حياته يخبر الإخوة، متأثراً باكياً عن تلك البادرة الرقيقة من أبينا القديس نحوه.[6]

صيانة صلاته الفردية

6- أثناء إقامة فرنسيس في ذلك المكان، كان ينفرد للصلاة في غرفة صغيرة قائمة وراء البيت. وفيما هو هناك ذات يوم، إذ قدم أسقف مدينة أسيزي لزيارته. دخل البيت وقرع الباب ليدخل حيث كان القديس. فُتِحَ له باب الغرفة الصغيرة[7] فدخل للحال وكان فرنسيس يصلّي في زاوية صغيرة ببعض الحصر.

ولما كان الأسقف يعرف أنّ الأب القديس يكنّ له الثقة والمودة، فإنّه اتجه إلى هناك دون مراعاة وأزاح زاوية الحصيرة ليراه لكنه ما كاد يطلّ برأسه إلى الداخل، حتى دفع بعنف إلى الخارج بإرادة من الرب لأنّه لم يكن يستحقّ أن يشاهد فرنسيس. تراجع إلى الوراء وخرج بسرعة من الغرفة مرتجفاً مذهولاً.

واعترف بخطيئته أمام الإخوة نادماً على ما بدا منه في ذلك اليوم من جسارة.[8]

في تجربة أحد الإخوة

          7- كان أحد الإخوة من أعزّ أصدقاء فرنسيس وهو رجل قديم في الرهبانية وصاحب روحانية حيّة.[9] وحدث له، في فترة من حياته، أن عذّبته أياماً طويلة تخيّلات من الشيطان أثقلته وضايقته. حتى إنّه غرق في حالة يأس عميق. كانت تلك التخيلات تلاحقه وزادت وطأتها عليه لأنّه كان يخجل من الاعتراف بها كل مرة فانكبّ يقاصص نفسه بالأصوام والسهر والدموع والجلد.

طال عذابه ذاك أياماً عديدة إلى أن وصل فرنسيس بتدبير من الله إلى ذلك المكان. وبينما كان القديس يتمشى في جوار الدير برفقة أحد الإخوة وذلك المسكين المعذّب، ابتعد قليلاً عن الأخ الأوّل واقترب من الأخ المجرب وقال له: ”يا أخي العزيز، أريد منك وآمرك ألاّ تقلق وتجهد نفسك للاعتراف بتلك التخيلات والتصورات الشيطانية. كن مطمئناً. إنّها لن تلحق بنفسك بأيّ أذى. وكلّما راودتك، أقترح عليك تلاوة الأبانا سبع مرات“.

امتلأ الأخ فرحاً عند سماعه مثل تلك الكلمات، أي أنّه غير ملزم بالاعتراف بتلك التجارب، لا سيما أنّه كان يخجل من الالتزام بالاقرار بها يومياً مما كان يزيد عذابه. وقد ذهل من قداسة فرنسيس، إذ انّه بواسطة الروح القدس، علم بتجاربه مع أنّه لم يسلّم سره لأحد ما عدا للكهنة وكثيراً ما غيّر معرّفيه، لأنّه يخجل أن يسرد دائماً للمعرف ذاته ما كان يخالجه من مرض داخلي. وما كاد فرنسيس يوجه إليه تلك الكلمات حتى شعر بأنّه تحرّر باطنياً وخارجياً من تلك المحنة المروعة التي لازمته مدة طويلة. وبعون الله، وبفضل استحقاقات القديس، استعاد الطمأنينة والسلام في النفس والجسد.[10]

في حصوله على كنيسة البورسيونكولا

8- رأى فرنسيس أنّ الله يريد أن يتكاثر عدد تلاميذه، فقال لهم: ”يا إخوتي وأبنائي الأعزاء، إنّي أرى أنّ الله يريد أن نتكاثر. لذلك أظن أنّه مناسب وحسن لنا كرهبان أن نحصل من الأسقف أو من رهبان دير القديس روفينو أو من رئيس دير القديس مبارك على كنيسة صغيرة فقيرة نتمكن من تلاوة ساعات الفرض الطقسية فيها وأن يكون بالقرب منها مسكن صغير وفقير أيضاً مبني من الطين والخشب يستريح فيه الإخوة ويقومون فيه بأعمالهم الضرورية وبالفعل، فإنّ مكان إقامتنا اليوم لا يناسب لأنه يضيق بالإخوة المقيمين فيه ولأنّ الله ارتضى بأن يتكاثر عددنا. الأهمّ من ذلك أنّه لا توجد بتصرفنا كنيسة نصلّي فيها ساعات الفرض الإلهي كما أنّه إذا حدث أن توفّيَ أحد فلا يليق أن ندفنه هنا أو في إحدى كنائس الإكليرس العلماني“.

حسن ذلك الاقتراح لباقي الإخوة. عندئذ نهض فرنسيس وذهب لعند أسقف أسيزي وكرّر لديه الكلمات ذاتها التي سبق وكلّم بها الإخوة. أجابه الأسقف: ”أيها الأخ، ليس عندي أية كنيسة أقدر أن أعطيك إيّاها“. فذهب القديس إلى رهبان القديس روفينو وعرض عليهم طلبه وهم أجابوه كما فعل الأسقف.

عند ذاك، اتّجه هذه المرة إلى دير القديس مبارك المبني على جبل سوبازيو      Subasioوكرّر للأب الرئيس ما سبق وعرضه على الأسقف وعلى الرهبان مضيفاً ما تلقّاه منه ومنهم من جواب. أشفق الرئيس عليه وعقد مع رهبانه مجمعاً للتداول بالموضوع، وبإرادة من الله، تخلى لفرنسيس وإخوته عن كنيسة القديسة مريم المدعوة البورسيونكولا، وهي أفقر كنيسة عندهم وكانت كذلك أتعس كنيسة يمكن وجودها في تخوم أسيزي، لكنها متناسبة مع تمينيات فرنسيس. وقال له الرئيس: ”أيها الأخ، لقد استجبنا طلبك. لكننا نريد، إذا أنمى الرب جمهوركم، أن يكون هذا المكان رأساً لكلّ الأديرة التي تؤسسونها“. فحسن ذلك الشرط لفرنسيس ولباقي إخوته.

وكم كانت سعادة فرنسيس ان يوهب للإخوة ذلك المكان خاصة لأنّ الكنيسة تحمل اسم والدة الله ولأنّها فقيرة جداً وسميت البورسيونكولا(أي الحصة الصغرى) وكأنّ ذلك تكهن بأنها ستكون المركز الأم والرئيسي للإخوة الأصاغر الفقراء. كان ذلك الاسم قد أعطي في الماضي للمنطقة التي قامت فيها تلك الكنيسة الصغيرة وعرفت باسم البورسيونكولا. وقد اعتاد فرنسيس أن يقول: ”لهذا السبب دبّر الرب ألاّ تعطى للإخوة غير هذه الكنيسة وإلا يبني الإخوة الأوّلون آنذاك أية كنيسة جديدة وألاّ يكون لهم غير تلك. لأنّها كانت بمثابة نبوءة تحققت عند تأسيس الإخوة الأصاغر فيها“. ومع كونها فقيرة جداً وشبه مهدومة فإنّ سكان مدينة أسيزي وأهل الجوار أحاطوا دائماً ومن زمن بعيد تلك الكنيسة بإكرام فائق ما زال يتزايد حتى يومنا.

ما كاد الإخوة يتمركزون هناك حتى كثّر الله عددهم كل يوم تقريباً. فإنّ خبرهم وصيتهم انتشرا في كل وادي اسبوليتو Spoleto    . في الماضي كان اسم الكنيسة ”القديسة مريم سيدة الملائكة“ لكن الشعب اعتاد تسميتها ”القديسة مريم البورسيونكولا“. إنّما بعد أن رممها الإخوة أخذ الرجال والنساء في تلك المنطقة يقولون: ”لنذهب إلى القديسة مريم سيدة الملائكة“. صحيح أن الأب الرئيس ورهبانه قدموا الكنيسة لفرنسيس ولإخوته بشكل هبة دون أي مقابل أو بدل سنوي، مع ذلك فإنّ القديس كونه الرجل الحاذق والبنّاء الواعي الذي ينوي بناء بيته على الصخرة الصلبة أي أن يؤسس رهبانيته على الفقر الحقيقي فقد اعتاد أن يرسل كل سنة إلى ذلك الدير قفّة مملوؤة من السمك الصغير المسمى ”سلطان ابراهيم“. وهو يعتبر ذلك علامة تواضع صادق وفقر لئلا يكون الإخوة متملّكين لأي مكان حتى ذلك الذي يسكنونه ما لم يكن ملكاً لغيرهم وهكذا لن يكون لهم أي حق ببيعه أو بتحويله إلى غيرهم البتة. كان الإخوة يحملون كل سنة قفة السمك إلى ذلك الدير، والرهبان يقدمون له ولإخوته جرة مملوؤة زيناً تقديراً لتواضعه.[11]

البورسيونكولا مثال الرهبانية

9- نحن الذين عشنا مع القديس فرنسيس نشهد لما كان يقول عن تلك الكنيسة مشدّداً على كلامه، بسبب النعمة الكبرى التي حصل عليها هناك وحسبما أوحي إليه: ”إنّ العذراء الطوباوية تفضّل هذه الكنيسة على سائر كنائس العالم المحبوبة لديها“. لهذه الأسباب أحاط البورسيونكولا طيلة أيام حياته بالاحترام الفائق والتقوى السامية.

ولكي يبقى حبها محفوراً دائماً في قلب الإخوة كتب، عند اقتراب موته، يوصيهم بأن يحيطوها بالعواطف المماثلة. وقبل موته وبحضور الرئيس العام وباقي الإخوة، صرح قائلاً:

”أريد أخذ التدابير بشأن مقر القديسة مريم البورسيونكولا، تاركاً لإخوتي هذه الوصية وهي أن يحيطوا دائماً هذا المكان بأسمى الاحترام والتقوى.

هذا ما فعله إخوتنا في الأيام الأولى. إنّ هذا المكان مقدس، وهم حافظوا على قدسيته بصلاة لا تنقطع ليلاً نهاراً وبصمت متواصل. وإن صدف أن تكلّم الإخوة بعد الفترة المحددة للصمت، فإنّ حديثهم كان يدور بتقوى وسمو حول ما يؤول إلى مجد الله وخلاص النفوس.

وإن صدف - وقلما جرى مثل ذلك - أن بدأ أحدهم بالتلفظ بكلام بطّال أو غير مناسب فإنّ الآخرين كانوا يسارعون إلى تنبيهه. كانوا يقمعون أجسادهم ليس فقط بالصوم بل بالسهر الطويل، محتملين البرد والعري وعاملين بأيديهم. وكم من مرة، لئلا يبقوا بطّالين، ذهبوا لمساعدة الناس الفقراء في الحقول، والناس أحياناً يعطونهم خبزاً محبة بالله. بمثل تلك الفضائل كانوا يتقدسون ويقدسون مقر البورسيونكولا. والإخوة الآخرون الذين أتوا فيما بعد تصرفوا مثلهم مدة طويلة وإن لم يبلغوا إلى تقشف مماثل.

لكنه فيما بعد، ارتفع أكثر من اللازم عدد الإخوة والأشخاص الذين كانوا يقصدون ذلك المكان خاصة لأنّ كل إخوة الرهبانية كانوا ملتزمين بأن يجتمعوا هناك وكذلك اؤلئك العازمون على دخول الرهبانية.

من جهة ثانية، فإنّ الإخوة اليوم صاروا أقل حرارة في الصلاة وفي سائر الأعمال الصالحة وأكثر ميلاً إلى الأحاديث الباطلة والتافهة وأشدّ اغرافاً نحو الثرثرة حول الشوؤن العالمية. لهذه الاسباب لم يعد ذلك المكان يعامل من قبل الإخوة المقيمين فيه ومن قبل باقي الرهبان بالكرامة والتقوى المناسبة والعزيزة على قلبي“.[12]

10- ”لذلك إني أريد أن تكون القديسة مريم البورسيونكولا دائماً تحت إدارة الرئيس العام مباشرة، ليتدبر الأمر بعناية أكبر وبسهر خاصة بأن يعين هناك جمهوراً ديرياً من الرهبان الصالحين القديسين. عليه أن يختار الإكليريكين من بين من هم أكثر فضيلة ومثالاً صالحاً ومن أفضل الذين يتقنون تلاوة الفرض، بشكل يجعل الناس بل الإخوة أيضاً يصغون إلى الفرض بفرح وبتقوى حارة. ليكن معهم معاونون من الإخوة غير الاكليريكين مختارين من بين من هم أكثر قداسة واتزاناً وفضيلة“.

”كذلك أريد ألاّ يدخل أحد من الإخوة أياً كان، إلى ذلك المكان ما عدا الرئيس العام والإخوة الذين بخدمتهم. لا يتكلمنّ الإخوة المقيمون هناك مع أحد إلاّ مع الإخوة المكلفين بمساعدتهم ومع الرئيس العام لمّا يأتي لزيارتهم.

وأريد أيضاً من الإخوة غير الاكليريكين ألاّ ينقلو إليهم الأحاديث والأخبار العالمية التي لا يُجنى منها أي خير للنفس. لهذا السبب أيضاً أريد أن لا يدخل أحد ذلك المكان كي يحافظ الإخوة بسهولة أكبر على نقاوتهم وقداستهم وألاّ تلفظ في ذلك المكان كلمات بطّالة ومضرّة بالنفس بل أن يحفظ ذلك المكان كله بالنقاوة والقداسة وتنتشر منه فرحة الأناشيد وتسابيح الرب. وعندما ينتقل أحد الإخوة من هذه الحياة، فليستقدم الرئيس العام أخاً آخر قديساً لينوب عن الأخ المتوفي، وليأخذه أينما وجده. سبب ذلك هو أنه إن انحرف الإخوة والأديار الذين يقيمون فيها عن النقاوة الضرورية والحياة المثالية، فأنا أريد أن تبقى القديسة مريم البورسيونكولا مرآة وخير الرهبنة بكاملها ومثل بشمعدان قدام عرش الله والعذراء الطوباوية. بفضل ذلك، سيرأف الرب بنقائص وخطايا الإخوة ويحفظ دائماً ويحمي رهبانيتنا فهي غرسته الصغيرة“.[13]

بلدية أسيزي تبني للإخوة بيتاً

11- الحادث التالي جرى زمن انعقاد أحد المجامع الرهبانية وقد تقرر عقده تلك السنة قرب القديسة مريم البورسيونكولا. لاحظ شعب أسيزي أنّ الإخوة بنعمة الله ازدادوا عدداً وأخذوا يتكاثرون يوماً بعد يوم وهم يعرفون أنّ الإخوة إذا ما اجتمعوا كلهم خاصة بمناسبة المجمع العام لن يجدوا هناك إلاّ بيتاً صغيراً حقيراً ضيقاً، سطحه مغطى بالقش وجدرانه من خشب وطين، وهو تلك الصومعة التي أعدها الإخوة لهم لما أتوا واستقروا في ذلك المكان.

في تلك المناسبة، عقد أهل أسيزي جلسة للتشاور بينهم وبنوا هناك بعد أيام قليلة، بسرعة كبرى وبتقوى حماسية، بيتاً كبيراً من حجر وكلس إنّما دون موافقة فرنسيس الغائب آنذاك. وعند عودته من أحد الاقاليم ليشارك في المجمع، وقف مصعوقاً عند رؤيته ذلك البيت، وفكر أنه بحجة مثل ذلك البناء، سيبني الإخوة بيوتاً مشابهة في أماكن تواجدهم الحالية أو في الأمكنة حيث سيقيمون في المستقبل.

ولما كانت إرادته أن تظل البورسيونكولا دائماً نموذجاً ومثالاً للرهبانية كلها فإنّه في أحد الأيام وقبل انتهاء المجمع، صعد إلى سطح ذلك البيت وأمر الإخوة بأن يلحقوا به، ثم بدأ معهم بنزع ألواح القرميد وفي نيته هدم ذلك البيت.

وكان هناك بعض الفرسان وغيرهم من سكان أسيزي وقد أوفدتهم سلطات المدينة للقيام بحفظ الأمن وحماية ذلك المكان من العلمانيين والغرباء الذين توافدوا من كل صوب ووقفوا خارجاً ليتفرجوا على اجتماع الإخوة ولما علموا أنّ فرنسيس والإخوة الآخرين عازمون على هدم ذلك البناء، تقدموا للحال وقالوا لفرنسيس: ”أيها الأخ، إنّ هذا البيت ملك لبلدية أسيزي ونحن هنا نمثل سلطات المدينة. لذلك نأمرك بألاّ تهدم بيتنا“.

أجابهم فرنسيس: ”حسناً، إذا كان البيت ملككم، فلا أريد هدمه“. ونزل للحال عن السطح وتبعه الإخوة الذين صعدوا معه.

لهذا السبب، قرر شعب أسيزي وظلوا متمسكين مدة طويلة بقرارهم وهو أن يلزم حاكمها كل سنة بأعمال صيانة ذلك البيت وبالاصلاحات الطارئة.[14]

الرئيس العام يبني بيتاً للإخوة

          12- في مناسبة أخرى، أراد الرئيس العام أن يبني في البورسيونكولا بيتاً صغيراً لإخوة ذلك المكان ليتمكنوا من الاستراحة فيه وتلاوة ساعات الفرض. فإنّه في تلك الآونة كان الإخوة كلهم وكل الجدد الراغبين الالتحاق بالرهبانية يتوجهون إلى هناك مما جعل الإخوة المقيمين في ذلك الدير يعانون من انزعاج كبير شبه يومي.

وبسبب الأعداد المتوافدة إلى هناك، لم يكن لهم مكان يستريحون فيه ويتلون ساعات الفرض إذ كان عليهم ترك المكان للضيوف. نتج عن ذلك الكثير من الازعاج المتواصل حيث أنّهم بعد يوم عمل مُضنٍ، كان من ضروب المستحيل أن يؤمِّن لهم ما هو ضروري للجسد وللحياة الروحية.

كان بناء البيت يقارب الانتهاء لما رجع فرنسيس إلى البورسيونكولا. سمع عند الصباح من غرفته حيث أمضى ليلته ضجة الإخوة المكبين على العمل فأخذه العجب وسأل رفيقه: ”ما هذه الضجة؟ ماذا يعمل أولئك الإخوة؟“ أطلعه رفيقه على تفاصيل الموضوع كله.

للحال، استدعى فرنسيس الرئيس العام وقال له: ”يا أخي، هذا المكان نموذج ومثال الرهبانية كلها. لهذا السبب، أريد من إخوة البورسيونكولا أن يتحملوا حباً بالرب الإله الازعاج والحرمان ولا ينعموا بالطمأنينة والتعزيات كي يحمل الإخوة الذين يأتون إلى هنا من كل صوب المثل الصالح بخصوص الفقر عند عودتهم إلى أماكنهم. وإلاّ، فإنّ الآخرين سيندفعون للبناء في أماكنهم متذرعين بأنّه ”في القديسة مريم البورسيونكولا التي هي ديرنا الأوّل شيدت مثل تلك المساكن. فيمكننا نحن أيضاً أن نبني مثلها إذ أنه ليس لدينا نحن أيضاً المسكن المناسب“.[15]

لا وجود لصومعة ”باسمي“

13- كان يقيم في إحدى المحابس أخ صاحب روحانية عميقة ربطته بفرنسيس صداقة حميمة. فكّر ذلك الأخ أنه إذا قدم القديس إلى محبسته لن يجد المكان المناسب للاختلاء للصلاة، فأعدّ في زاوية منعزلة لا تبعد كثيراً عن مكان إقامة الإخوة غرفة صغيرة يقدر القديس أن يصلي فيها على ذوقه إذا ما قدم إلى هناك.

وحدث أنه بعد أيام قليلة وصل فرنسيس فاقتاده الأخ ليريه الغرفة فقال له القديس: ”في نظري، إنها جميلة جداً. فإذا أردت أن أمكث فيها بضعة أيام، غطِّها من الداخل والخارج بحجارة غليظة وبأغصان الشجر. بالواقع، فإنّ الغرفة لم تكن مبنية بالحجارة المنحوتة بل بالخشب. لكن الألواح كانت صقلت بالمنشار والقدوم لذلك بدت لفرنسيس جميلة رائعة.

فبادر ذلك الأخ إلى إعدادها حسب رغبة القديس. فبقدر ما كانت غرف الإخوة ومساكنهم حقيرة ومطابقة للتقشف الرهباني، بقدر ذلك كان فرنسيس يتلذذ برؤيتها ويقبل بطيبة خاطر الاستضافة فيها.

أقام في تلك الغرفة بضعة أيام يصلي. وحدث أنه خرج منها مرة ووقف بالقرب من مسكن الإخوة. فأقبل أحد إخوة ذلك الدير نحو فرنسيس، فسأله القديس: ”من أين أتيت أيها الأخ؟“ أجاب: ”أتيت من غرفتك“. انتفض فرنسيس: ”بما أنّك قلت أنّها غرفتي، فمن الآن وصاعداً سيسكنها غيري، لا أنا“.

ونحن الذين عشنا معه، كثيراً ما سمعناه يردد كلمة الإنجيل هذه: ”للثعالب أوكار ولطيور السماء عش، أمّا ابن الإنسان فليس له موضع يلقي عليه رأسه“.

وكان يضيف: ”إن الرب، لما انعزل في البرية ليصلي ويصوم أربعين يوماً وأربعين ليلة، لم يعد له غرفة أو بيتاً، بل استراح على صخور الجبل“.

وهكذا، اقتداءً بالرب، لم يرضَ أن يكون له في هذا العالم لا بيت ولا غرفة بل حرّم أن تبنى له واحدة. أكثر من ذلك، إذ صدرت منه سهواً مثل هذه التوصية: ”رتّبوا لي هكذا هذه الغرفة“. لم يعد يقبل فيما بعد الإقامة فيها عملاً بكلمة الإنجيل: ”لا تهتموا“.

عند دنو أجله، أراد أن يكتب في وصيته أن تكون كل غرف الإخوة وبيوتهم مبنية بالطين والخشب، من أجل ممارسة أفضل للفقر والتواضع.[16]

 تعليمات حول مسكن الإخوة

14- في مناسبة أخرى، كان فرنسيس في مدينة سيانّا لمعالجة عينيه، فأقام في غرفة تحولت بعد موته إلى مزار، إكراماً له.

تقدم السيد بونافنتورا الذي أهدى الإخوة الأرض التي بني عليها الدير، وقال للقديس: ”ما رأيك بهذا المكان؟“ أجابه فرنسيس: ”أتريد أن أقول لك كيف يجب أن تكون أماكن الإخوة؟“ قال بونافنتورا: ”بطيبة خاطر يا أبتِ“.

أردف القديس قائلاً: ”عند وصول الإخوة إلى مدينة لا مسكن لهم فيها، فإذا وجدوا محسناً مستعداً لأنّ يدبّر لهم قطعة أرض كافية لبنى عليها دير مع الحديقة وباقي الأمور الضرورية، عليهم قبل كل شيء أن يحددوا المساحة التي تكفيهم دون أن ينسوا أبداً الفقر المقدس الذي وعدنا حفظه والمثل الصالح المفروض فينا إعطاؤه للقريب في كل الأحوال“.

تكلم الأب القديس هكذا، لأنّ إرادته كانت أن يتجنب الإخوة التذرع بأية حجة لجرح الفقر سواء في البيوت والكنائس والحدائق أو في أي شيء يستعملونه. لم يكن يرضى أن يقتنوا أي مكان مع سند تمليك بل أن يقيموا فيه دائماً بصفة غرباء مسافرين.

لهذه الغاية، كان يريد ألاّ يكون عدد الإخوة كبيراً في أي من أماكنهم لأنّه تأكد له أنّه من الصعب ممارسة الفقر مع مثل ذلك العدد. إرادته من ساعة ارتداده حتى يوم وفاته كانت: ضرورة المحافظة التامة على الفقر المقدس.[17]

15- وتابع القديس: ”بعد ذلك، فليذهبوا إلى أسقف المدينة ويقولوا له: يا صاحب السيادة، إنّ أحد المحسنين ينوي حباً بالله ولأجل خلاص نفسه أن يهبنا أرضاً كافية لنبني فيها مسكناً. إنّنا نلجأ إليك أولاً لأنك الأب والسيد لنفوس كل القطيع المسلم إليك، وأنت أب وسيد لنا ولباقي الإخوة الذين سيقيمون في ذلك المكان. إنّنا نرغب بناء بيت مع بركة الرب الإله وبركتك“.

كان فرنسيس يقول هذا لأنّ ما يريد الإخوة تحقيقه من خير لنفوس الشعب سيكون أكبر إذا عاشوا بوحدة القلب مع الأحبار والإكليروس، فإنّهم سيكسبون لله الشعب والإكليروس معاً، وذلك أفضل مما لو هدوا الشعب وحده وكانوا عثرة للأحبار والإكليروس.

وكان يقول: ”إنّ الله دعانا لننعش الإيمان وأرسلنا لنكون عوناً لأحبار وإكليروس أمّنا الكنيسة المقدسة. فبالتالي نحن ملزمون بأن نحبهم ونكرمهم ونوقّرهم دائماً وبقدر ما هو مستطاع“. لهذا السبب، أخذنا اسم ”الإخوة الأصاغر“، لأنّ علينا أن نكون أصغر أهل العالم كافة، بالاسم وبالمثل وبالسلوك.

”في بدء حياتي الجديدة، لمّا تركت العالم وأبي الأرضي، وضع الرب كلمته على شفاه أسقف أسيزي ليكون لي المرشد الحكيم في خدمة المسيح وليشجّعني. لهذا السبب ونظراً للصفات السامية التي أشاهدها في الأحبار، فإني أريد أن أحبهم وأكرمهم وأعتبرهم أسيادي، ليس الأساقفة وحدهم بل أيضاً أصغر الكهنة.[18]

16- وبعد أن يأخذوا بركة الأسقف، فليذهبوا ويحفروا خندقاً كبيراً يطوّق قطعة الأرض الموهوبة، وليزرعوا سياجاً كثيفاً يصوّنه دلالة للفقر المقدس والتواضع. بعد ذلك فليبنوا لهم بيوتاً فقيرة من طين وخشب مع بعض الغرف المنفردة حيث يقدر الإخوة الاجتماع ليصلّوا ويشتغلوا في جوّ من التقوى بعيداً عن الأحاديث البطالة، وليبنوا أيضاً الكنيسة. إنّما لا يجوز لإخوتنا بناء الكنائس الكبيرة بحجة الوعظ للشعب أو بايّة حجة اخرى. فإنّهم يعطون مثالاً أسمى وتواضعاً أرفع إذا ما ذهبوا للوعظ في كنائس الغير، والتزموا بالفقر المقدس وظلوا متواضعين خاضعين. وإذا حدث أن زارهم أحبار أو كهنة رهبان أو علمانيون، فإنّ البيوت الفقيرة والغرف الصغيرة والكنائس حيث يسكن الإخوة ستكون موعظة للضيوف ومثالاً صالحاً يتّخذونه“.

وأضاف: ”كثيراً ما يحدث أنّ الإخوة يشيدون الأبنية الضخمة مخالفين فقرنا المقدس ومسبّبين للقريب المثل السيء والانتقاد.

بعد ذلك، بحجة أنهم وجدوا مكاناً أنسب أو أقدس، يتركون المكان الأوّل وما بني عليه. فالذين تبرعوا بالصدقات ومثلهم باقي الناس، عندما يرون ويسمعون ذلك يصدمون ويتشككون.

فمن المناسب والأفضل أن يكون للإخوة أمكنة وأبنية فقيرة فإنّهم بذلك يحافظون بأمانة على ميزتهم السامية ويعطون المثل الصالح للقريب بدل أن يعلموا الخير وهم يخالفون نذورهم الرهبانية ويعطون المثل السيء للشعب.

أمّا إذا حدث أن اضطر الإخوة مغادرة الأماكن الوضيعة والمساكن الفقيرة للانتقال إلى غيرها تناسبهم أكثر، فإنّ المثل السيء والشك سيكونان أصغر بكثير.“[19]

إرادة فرنسيس الأخيرة

          17- في تلك الأيام وفي تلك الغرفة ذاتها حيث جرى حديثه مع السيد بونافنتورا، تعرض فرنسيس ذات مساء لتقيىء متواصل بسبب إصابته بمرض في المعدة. ولشدة ما سببه له ذلك التقيىء، حصل له نزيف دموي دام طيلة تلك الليلة حتى الصباح.

لما رآه رفاقه قد شارف الموت بسبب ضعفه وأوجاع مرضه، ملأهم القلق وقالوا له وهم يبكون: ”يا أبانا، ماذا نعمل؟ أعطنا بركتك لنا ولباقي إخوتك جميعاً. واترك لإخوتك تذكاراً لإرادتك، حتى إذا شاء الله أن يستدعيك من هذا العالم نقدر أن نتذكرها دائماً. ونردد: ”إنّ أبانا وهو على فراش الموت ترك تلك الكلمات لإخوته وأبنائه“.

قال لهم فرنسيس: ”نادوا لي الأخ مبارك     (Benedetto da Piratro)    “. كان ذلك كاهناً، ورجلاً متزناً وقديساً انخرط في الرهبانية منذ الأيام الأولى وكثيراً ما أقام الذبيحة الإلهية لفرنسيس في تلك الغرفة. فإنّ القديس، ورغم إصابته بالمرض، كان يريد أن يسمع دائماً القداس بخشوع، وبطيبة خاطر كلما تسنى له ذلك.

لما وصل مبارك قال له فرنسيس: ”اكتب إني أبارك كل إخوتي الموجودين حالياً في الرهبانية وكل الذين سيدخلونها حتى منتهى العالم.“

اعتاد فرنسيس عند نهاية كل المجامع، عندما يكون الإخوة مجتمعين أن يعطي البركة لجميع الحاضرين ولكل الباقين الأعضاء في الرهبانية ويبارك أيضاً كل الذين سينتبون إليها في المستقبل.

لم تكن المجامع المناسبة الوحيدة التي اعتاد فرنسيس أن يبارك فيها الإخوة، بل في مناسبات عدّة كان يبارك الذين دخلوا الرهبانية ومثلهم من سيأتون إليها لاحقاً.

تابع فرنسيس: ”بما أني لا أقوى على الكلام بسبب الضعف وألم المرض، فاني أبيّن إرادتي لإخوتي بايجاز في هذه التوصيات الثلاث أتركها لهم ذكرى لبركتي ولإرادتي الأخيرة:

ليحب الإخوة بعضهم بعضاً دائماً وليحترم كل منهم الآخر.

ليحبوا ويحترموا دائماً الفقر المقدس، سيدنا.

ليكونوا دائماً خاضعين بإخلاص للأحبار ولكل اكليريكيّي الأم الكنيسة المقدسة“.

واعتاد أن يوصي الإخوة بالتخوف من المثل العاطل واجتنابه وكان يلعن كل الذين، بسبب مثلهم السيء الفاسد، يحملون الناس على انتقاد الرهبانية والإخوة حتى الصالحين منهم المملوئين جودة، ويجلبون لهم الخجل والأسى.[20]

تنظيفه للكنائس

18- لما كان فرنسيس ساكناً بالقرب من القديسة مريم البورسيونكولا، وعدد إخوته وقتئذ ضئيل، كان يذهب أحياناً إلى القرى والكنائس المجاورة لأسيزي، يبشّر ويحرض الشعب على التوبة. أثناء تلك الجولات، كان يحمل معه مكنسة لتنظيف الكنائس. كان يتعذب جداً عندما يدخل كنيسة ويراها غير نظيفة. لذا، كان بعد وعظه للشعب، يختلي بكل الكهنة الحاضرين كيلا يسمعه أحد، ويكلمهم عن خلاص النفوس ويوصيهم خاصة ببذل العناية القصوى للمحافظة على نظافة الكنائس والمذابح وكل الأغطية المستخدمة لإقامة الذبيحة الإلهيّة.[21]

قصة الأخ يوحنا البسيط

19- ذهب مرة إلى إحدى الكنائس في قرية تابعة لولاية أسيزي وأخذ ينظفها. انتشر للحال في القرية خبر وصوله لأنّ أهلها كانوا يأتون إليه ويسمونه بطيبة خاطر. وعلم أيضاً بوصوله رجل اسمه يوحنا وهو معروف ببساطته. كان يحرث أرضه بالقرب من تلك الكنيسة. أسرع للحال إلى فرنسيس فوجده يكنّس فقال له: ”يا أخي، أعطني المكنسة، أريد مساعدتك.“ وأخذ منه المكنسة وأكمل التنظيف. بعد ذلك جلسا، فقال له يوحنا: ”من زمن طويل وأنا عازم على خدمة الله خاصة من يوم سمعت الناس يحكون عنك وعن إخوتك. لكنني لم أكن اعرف كيف أتّصل بك. والأن بما أن الرب ارتضى أن أراك، فإنّي مستعد لأعمل كل ما يرضيك“. عند رؤيته مثل تلك الحرارة، فرح فرنسيس بالرب، خاصة أنه آنذاك لم يكن له إلاّ العدد القليل من الإخوة ولأن ذلك الرجل بصفاء بساطته أعطاه الثقة بأنّه سيكون راهباً صالحاً. فأجابه: ”يا أخي، إذا أردت مشاركتنا حياتنا والبقاء معنا، فمن الضروري أن تعطي للفقراء، حسب مشورة الإنجيل المقدس، كل ما تملكه شرعياً من خيرات. هذا ما فعله إخوتي لمّا كان ذلك باستطاعتهم“. عند سماعه هذا الكلام، توجه يوحنا نحو الحقل حيث كان ترك زوج البقر، فحلّهما واقتاد أحدهما إلى فرنسيس وقال له: ”أيها الأخ، إني من سنين طويلة أفلح لأبي وباقي أفراد عائلتي. صحيح أنّ حصتي هذه من الميراث زهيدة إنّما أريد ان آخذ هذا الفدان وأعطيه للفقراء بالطريقة التي تراها الأنسب حسب الله“. لما رأى والدا ذلك الرجل أنه يريد أن يتركهم أخذوا يذرفون الدموع ويبكون عالياً. وكذلك إخوته وكلّهم صغار ومثلهم سائر أفراد العائلة. تأثّر فرنسيس جداً خاصة لأنّ العائلة كبيرة ولا إيراد لها. فقال لهم: ”أعدّوا لنا غذاء؛ سنأكل سوية. لا تبكوا لأني سأعيد لكم فرحكم“. نفّذوا طلبه وأعدّوا الطعام وجلسوا كلهم يأكلون بفرح كبير.

بعد نهاية الغذاء، كلمهم فرنسيس، قال: ”إن ابنكم هذا يريد أن يخدم الله. لا يجوز أن تحزنوا من هذا بل عليكم أن تفرحوا. إنّه شرف لكم ليس فقط أمام الله بل أيضاً في أعين الناس. سيكون ذلك مفيداً لكم في النفس والجسد. فإنّ واحداً من دمكم سيمجد الله. وإنّ إخوتنا جميعاً، من الآن وصاعداً، سيكونون أبناءكم وإخوتكم. إنّ خليقة من خلائق الله عازمة على خدمة خالقها ومن يكون خادماً لله فهو ملك، وأنتم تفهمون بالتالي إنّي لا أقدر ولا يحق لي أن أعيد إليكم ابنكم. إنّما، كي تحصلوا منه على قسط من التعزية ولأنّكم فقراء فاني قررت بأن يتخلى لكم عن ملكية هذا الثور ولو أنه حسب مشورة الإنجيل المقدس كان عليه أن يوزعه على فقراء آخرين.“ تعزّوا كلهم من كلام فرنسيس وسرّوا خاصة لأنه ترك لهم الثور لأنهم كانوا فقراء حقاً.

ولما كان فرنسيس يفرح دائماً بالبساطة الصافية في نفسه وفي الآخرين. فإنّه أحب يوحنا حباً كبيراً. وما كاد يلبسه الثوب الرهباني حتى اتخذه مرافقاً له. وكان يوحنا على قدر كبير من البساطة حتى أنه اعتبر نفسه ملزماً أن يعمل كل ما يعمله فرنسيس. فإذا توقف القديس للصلاة في كنيسة أو في مكان منعزل، كان يوحنا يريد رؤيته والتحدق به ليتقلّد كل حركاته، فإذا ركع أو ضمّ يديه ورفعهما إلى السماء أو تفّ أو سعل، كان هو يعمل مثله. ورغم إعجابه ببساطة القلب تلك، فقد بدء فرنسيس يوبّخه.

أمّا يوحنا فكان يجيب: ”قد وعدت أن أعمل كل ما تعمله أنت، ولهذا فأني أحاول أن أعمل كل ما تعمله أنت“. وكان القديس معجباً ومسروراً أمام تلك النقاوة والبساطة. وأحرز يوحنا تقدّماً رائعاً في كل الفضائل، مما أثار إعجاب فرنسيس وباقي الإخوة من قداسته. وبعد زمن قصير توفّي ذلك الأخ وقد بلغ درجة عالية من الكمال المقدس. أمّا فرنسيس وقد ملأه الفرح باطنياً وخارجياً فقد اعتاد أن يردّ على الإخوة حياة الأخ وبدل أن يسميه الأخ يوحنا كان يدعوه ماري يوحنا.[22]

دعوة مزيّفة

20- كان فرنسيس يتجول مرة في إقليم ماركا ويبشر. فحدث يوماً أنّه بعد وعظه للشعب في إحدى القرى، تقدم إليه رجل وقال: ”أيها الأخ، أريد ترك العالم ودخول رهبانية إخوتك“. فأجابه فرنسيس: ”يا أخي، إن أردت دخول عائلتنا، فمن الضروري قبل كل شيء أن توزع للفقراء كل ما تملك، عملاً بمشورة الكمال التي أعطاها الإنجيل المقدس؛ بعد ذلك عليك التخلي كلياً عن إرادتك“.

عند هذه الكلمات، ذهب ذلك الرجل مسرعاً، ولكنه استلهم الحب الجسدي لا الروحي، فوزّع ما يملك على أقاربه. ثم عاد إلى فرنسيس وقال له: ”أيها الأخ، ها إني تخليت عن كل ما أملك“. فسأله فرنسيس: ”وكيف فعلت؟“ أجابه: ”أيها الاخ، لقد أعطيت كل ما هو لي إلى بعض أقاربي لأنهم في ضيقة“.

وعرف فرنسيس، بإلهام من الروح القدس، أنه رجل جسدي، فصرفه للحال: ”إذهب بطريقك، أيها الأخ الذبابة، لأنك أعطيت ما عندك لأقربائك، وها إنّك الآن تريد أن تعيش من الحسنات بين الإخوة“. فذهب ذلك الرجل بطريقه لأنّه رفض أن يوزع ما عنده لفقراء آخرين.[23]

تجربة وصفاء

21- في تلك الحقبة من الزمن، بينما كان فرنسيس يقيم في مقر البورسيونكولا، هاجمته، لأجل خيره الروحي، تجربة هائلة، سبّبت له في الداخل والخارج اضطراباً قاسياً حتى إنّه كان بعض مرات يهرب من رفقة الإخوة لأنّ ذلك العذاب يرهقه ولا يتركه يظهر بينهم وهو بصفائه المعتاد.

كان يميت جسده ويمتنع عن الطعام والكلام. وكثيراً ما اختلى للصلاة في الغابة المجاورة للكنيسة، حتى يجد بحريّة منفذاً لتلك الأزمة الخانقة وللبكاء في حضرة الرب علّ الله القادر على كل شيء يتحنن عليه ويرسل إليه من السماء الدواء الشافي لمثل ذلك الضيق العنيف. ظلت تلك التجربة تلاحقه ليلاً نهاراً مدة سنتين.

وحدث مرة أنه بينما كان واقفاً يصلي في كنيسة القديسة مريم، أنّه سمع باطنياً هذه الكلمات من الإنجيل: ”لو كان عندكم إيمان مثل حبة الخردل وقلتم لهذا الجبل انتقل من هنا إلى هناك، لكان لكم“ (متى 17/20). فسأل فرنسيس: ”وما هو يا ترى ذلك الجبل؟“ أجيب: ”الجبل هو تجربتك“. قال فرنسيس: ”إذن، يا رب، ليكن لي حسب قولك“. وللحال تخلص من التجربة حتى أنّه خيّل إليه أنّها لم تراوده البتة.[24] 

تناوله الطعام مع أبرص

22- مرّة أخرى، عاد فرنسيس إلى البورسيونكولا، فلقي هناك الأخ ”يعقوب البسيط“ برفقة أبرص شوّهته القروح وقد وصل هناك ذلك اليوم. كان القدّيس قد أوصى الأخ يعقوب مراراً بذلك الأبرص وكذلك كلّ الذين نخرهم ذلك المرض. وبالفعل فإنّ الإخوة في تلك الأيّام كانوا يسكنون في مصحّات البرص. وكان يعقوب يطبّب أشدّهم إصابة ويلمس قروحهم بطيبة خاطر ويعالجها وينظّفها ويضمّدها.

إلتفت فرنسيس إلى الأخ يعقوب وخاطبه بلهجة التوبيخ: ”لم يكن يجدر بك أن تأتي إلى هنا بإخوتنا المسيحيّين، فهذا لا يناسبنا ولا يناسبهم“ - وكان القدّيس يسمّي البرص إخوتنا المسيحيّين.

كان فرنسيس مسروراً برؤية الأخ يعقوب يساعد ويخدم البرص، إنّما وجّه إليه تلك الملاحظة لأنّه لم يكن يريد أن يخرج من المصحّ من هم أكثر إصابة.

فضلاً عن ذلك، فإنّ الأخ يعقوب كان بغاية البساطة وكثيراً ما قدم إلى كنيسة القدّيسة مريم مع أحد البرص. وكان الناس يتجنّبون مخالطة البرص المصابين بالقروح، أكثر من أيّ شيء آخر.

لم يكد فرنسيس ينهي كلامه، حتى ندم فجأة عما قاله وذهب يعترف بزلّته عند بطرس دي كاتانيو الرئيس العامّ آنذاك. أخذه الندم لأنه أحزن الأبرص بتوبيخه الأخ يعقوب؛ لهذا اعترف بزلّته قاصداً التكفير تجاه الله وتجاه ذلك البائس.

فقال للأخ بطرس: ”أطلب منك أن توافق دون أن تعارضني على التعويض الذي قرّرته“. ولقدر ما كان الأخ يحترم ويهاب فرنسيس، فقد كان يطاوعه حتّى إنّه لم يكن يجروء إبدال أوامره مع أنّه في تلك المناسبة وفي غيرها من الظروف كان يشعر بالكآبة باطنيّاً وخارجيّاً.

تابع فرنسيس: ”لتكن هذه توبتي، أن آكل مع أخي المسيحيّ في صحنه“. وهكذا صار. جلس فرنسيس إلى الطاولة مع الأبرص ومع باقي الإخوة ووضعت قصعة بينهما. وكان الأبرص قرحة واحدة وكانت أصابعه التي يتناول بها الطعام ملتوية دامية بحيث أنّه كلما غمسها في الصحن كان الدم يسيل في داخله.

عند رؤية هذا المشهد، ملأت الحسرة الأخ بطرس وباقي الإخوة لكنهم لم يجسروا أن يقولوا كلمة خوفاً من أبيهم القدّيس. وأنا الذي كتبت هذا، رأيت الحادثة بعيني وأشهد لها.[25]

رؤيا الأخ باتشيفيكو

23- مرة أخرى، كان فرنسيس ماشياً في وادي سبوليتو ومعه الأخ باتشيفيكو، وهو من مواليد ماركا دي أنكونا وقد لقّب وهو في العالم باسم ”ملك الشعراء“ وكان رجلاً شريفاً لبقاً ومعلماً في الغناء. نزلا ضيفين في مصح البرص في تريفي. وقال فرنسيس لرفيقه: ”لنذهب إلى كنيسة مار بطرس دي بوفارا لأنّي أريد أن أقضي ليلتي هناك“. لم تكن الكنيسة تبعد كثيراً عن مصحّ البرص، علماً أنه لسنين قليلة مضت دمّرت الحرب منطقة تريفي ولم يعد يسكنها أحد.

وفيما هما في الطريق، قال فرنسيس لباتشيفيكو: ”عد إلى المصحّ، لأني أريد البقاء وحدي هنا هذه الليلة. وارجع إليّ غداً عند الفجر“.

بقي القديس وحده في الكنيسة وصلى صلاة الستار وباقي الصلوات ثم أراد الاستراحة والنوم، لكنه لم يقدر، لأنّ الخوف استحوذ عليه وأحاطت به تخيّلات شيطانية. فنهض للحال وخرج من الكنيسة ورسم على نفسه إشارة الصليب قائلاً: ”باسم الله القادر على كل شيء، آمركم أيها الأبالسة أن تصبّوا على جسدي كل ما سمح به لكم سيدي يسوع المسيح من عنف. إنّي مستعد أن أتحمّل أيّة مشقّة. أن أسوأ عدو لي هو جسدي، فانتقموا إذن من خصمي“. تبددت التخيلات للحال. وعاد القديس إلى حيث جلس أولاً. واستراح ونام بسلام.

وعند طلوع النهار، عاد إليه باتشيفيكو، فوجد القديس يصلي أمام المذبح، داخل الخورس أمام المصلوب وأخذ هو أيضاً يصلي للرب. وما كاد يبدأ صلاته حتى اختطف بالروح (هل بالجسد أو خارج الجسد الله يعلم) ورأى في السماء عدة عروش يتوسطه عرش أكثر جمالاً محاط بهالة مجد ومشع، تزينه الحجارة الثمينة المتنوعة الأشكال.

وفيما هو يتأمل مندهشاً ذلك البهاء أخذ يفكر في نفسه ما عسى أن يكون ذلك العرش ولمن هو معدٌّ. وإذا به يسمع صوتاً يقول: ”إن هذا العرش كان يخصّ لوسيفورس رئيس الشياطين، وسيحتل المكان بدله فرنسيس“.

لما عاد إلى نفسه، إذا بفرنسيس مقبل إليه. ارتمى باتشيفيكو عند رجليه وهو باسط يديه على شكل صليب معتبراً إياه، بعد مشاهدته تلك الرؤيا، كما لو صار في السماء، وقال له: ”يا أبتِ، إغفر لي خطاياي واسأل الرب أن يغفر لي ويرحمني“. مدّ فرنسيس يده وأنهضه وقد فهم أنّ رفيقه شاهد رؤيا أثناء صلاته. فإنّه بدا متغيراً لا يكلّم فرنسيس كمن يخاطب إنساناً من لحم وعظم بل كقديس صار يملك في السماء.

بعد ذلك، تظاهر الأخ بأنّه يجهل ما جرى لأنّه لا يريد أن يكشف تلك الرؤيا لفرنسيس فسأله: ”فماذا تقول عن نفسك أيها الأخ؟“ أجاب فرنسيس: ”إني متأكد أني أكبر الخطأة الموجودين على الأرض“. وللحال تكلم صوت في قلب باتشيفيكو: ”من هذا تعرف أنّ ما رأيته كان الحقيقة. فكما أنّ لوسيفورس دحرج من عرشه بسبب كبريائه، هكذا استحق فرنسيس بأن يرفع بسبب تواضعه ويجلس مكانه“.[26]

قيثارة الملاك

24- في فترة وجود فرنسيس بالقرب من رياتّي، أقام بضعة أيام في غرفة تخص الكاهن تيبَلدو الملقب بالمسلم وذلك لمعالجة عينيه. فقال مرة لأحد رفاقه الذي كان وهو في العالم تعلّم العزف على القيثارة: ”أيها الأخ، إن أهل العالم لا يتحسسون الشؤون الإلهية. إنهم يستعملون الآلات الموسيقية كالقيثارة والكمنجة ذات الاوتار العشرة وغيرها للباطل وللخطيئة، ضد إرادة الله، بينما كان الناس في الأيام القديمة يستعملونها ليسبحوا الله ويعزّوا نفوسهم. وأنا أتمنى لو أنّك تحصل سراً من شخص شريف على قيثارة وتعزف لي عليها أنشودة تقوية. ثم نستعين بها لتلحين كلمات نشيد ”مدائح الرب“. إن جسدي مبتلى بمرض ثقيل مؤلم. وإني، بواسطة القيثارة، أتوق إلى تخفيف الألم الجسدي وتحويله إلى فرح وتعزية روحية.

وبالفعل كان فرنسيس أثناء مرضه ألّف بعض ”المدائح للرب“ وكان من حين إلى آخر يطلب من رفاقه أن ينشدوها لمجد الله ولتعزية نفسه ولرفع قلوب السامعين إلى الله.

أجابه الأخ: ”يا أبت، إني أستحي أن أذهب وأطلب القيثارة، لأنّ أهل المدينة يعرفون أنّي وأنا في العالم كنت أعزف القيثارة وإني أخشى أن يتوهموا أن سيطرت عليّ من جديد تجربة العزف“. ختم فرنسيس: ”حسناً أيها الاخ، لنطوِ الموضوع“.

في الليلة التالية وفيما القديس ظلّ مستيقظاً إذا به، حول منتصف الليل، يسمع من حول البيت الذي استراح فيه عزف قيثارة: كان أجمل ما سمع من غناء وأعذب ما وصل إلى أذنيه في حياته من ألحان. كان العازف الخفي يبتعد أحياناً إنّما بشكل يسمح بسماع موسيقاه ثم يعود وهو لا ينقطع عن العزف على آلته. دامت تلك الموسيقى أكثر من ساعة وفهم فرنسيس أنّ ذلك إنّما هو من صنيع الله لا من البشر، فملأه فرح عميق وابتهج قلبه وطفح حبّاً وأخذ يمجد الرب الذي تنازل وغمره بمثل تلك التعزية العذبة.

ولما استفاق عند الصباح، قال لرفيقه: ”رجوتك يا أخي وأنت لم تستجب لي. لكن الرب الذي يعزّي أحباءه في ضيقاتهم، تنازل وعزّاني هذه الليلة“. وقصّ عليه ما جرى له.

ذهل الإخوة معتبرين أنّ ما حدث أعجوبة كبرى واستنتجوا أنّ الله نفسه هو الذي تدخّل وحمل ذلك الفرح إلى فرنسيس. ومما زادهم تأكداً هو أن الحاكم كان قد أمر ألاّ يتجوّل أحد في المدينة ليس فقط عند نصف الليل بل أيضاً ابتداء من دقة الجرس الثالثة. من جهة ثانية فإنّ فرنسيس أكّد أن القيثارة العازفة كانت تروح وتجيء في سكون الليل دون أن يرافقها أي صوت بشري وذلك مدة تزيد على الساعة وقد ملأت نفسه تعزية.[27]

كرمة كاهن رياتي

25- في تلك الفترة أيضاً، كان فرنسيس يقيم في المدينة ذاتها قرب كنيسة القديس فابيانو بضيافة أحد الكهنة العلمانيين الفقراء لمعالجة عينيه. وكان البابا هونوريوس الثالث لجأ إلى رياتي مع الكرادلة. وكان الكثيرون منهم وغيرهم من رجال الإكليروس، بدافع الاحترام والتقوى تجاه فرنسيس، يأتون لزيارته كل يوم تقريباً.

وكان لتلك الكنيسة كرم عنب صغير قرب البيت حيث أقام فرنسيس. وإذ لم يكن له إلاّ باب واحد، فكان جميع الزوار يمرون من داخل ذلك الكرم المجاور وقد اجتذبتهم في الصيف العناقيد الناضجة وبرودة ذلك المكان المناسب للاستراحة. نتج عن ذلك الذهاب والإياب أن تعرّض الكرم إلى التلف الكلي، فهذا يقطف العناقيد وذاك حبّاتها وآخر يحملها معه، أو يدوسها على الأرض. وبدأ الكاهن يتذمّر ويحتج قائلاً: ”ضاع موسم السنة، والكرم رغم صغره كان يعطيني من الخمرة ما يكفيني“.

سمع فرنسيس ذلك التشكي فاستدعاه وقال له: ”لا تحزن ولا تضطرب، إذ لا يمكننا الآن أن نصنع شيئاً. لكن اتكل على الرب فهو قادر أن يعوض عليك الضرر حباً بي أنا خادمه الصغير. قل لي: كم حمل من العنب قطفت في أحسن المواسم؟“ أجاب الكاهن: ”يا ابتِ، كنت أحصل على ثلاثة عشر حملاً“.

فقال فرنسيس: ”تشجع، ولا تحزن بعد، ولا تشتم أحداً ولا تذيع الشكاوي. ضع ثقتك بالرب وبكلامي. فإذا لم تقطف أقل من عشرين حملاً، فأنا أعدك بالتعويض عليك“.

وحدث بتدخل من الله أنّه قطف ما لا يقل عن عشرين حملاً كما وعده فرنسيس. بقي ذلك الكاهن مذهولاً هو وكل من أخبرهم بما حدث وقد نسبوا الأعجوبة إلى استحقاقات القديس فرنسيس. صحيح أنّ الكرم خرب، لكنه ولو كان مثقلاً بالعناقيد، فإنّه من شبه المستحيل أن تصل غلته إلى عشرين حملاً من العنب.

ونحن الذين عشنا معه، يمكننا أن نشهد بأنّه عندما كان يقول: ”أنّه هكذا“ أو ”هكذا سيكون“، فإنّ ما تنبأ به كان يتحقق دائماً. وقد رأينا اموراً كثيرة تحققت خلال حياته كما بعد موته.[28]

في الغذاء المقدم لطبيب

26- جرى في الفترة ذاتها، أثناء إقامة فرنسيس في محبسة الإخوة في فونته كولومبو قرب رياتي، لمعالجة عينيه. أتى طبيب العينين يوماً ليزوره وتحدث معه كعادته زهاء ساعة. ولما تأهب للانصراف، قال فرنسيس لأحد رفاقه: ”اذهبوا وأعدوا للطبيب غذاءً شهياً“. أجابه رفيقه: ”يا أبتِ، نقرّ لك بخجل، بسبب حالنا من الفقر الآن، لا نجرؤ دعوته وتقديم الطعام له“.

التفت فرنسيس إلى رفاقه وقال: ”يا لكم من رجال قليلي الإيمان، لا تدعوني اكرّر لكم الأمر“. تدخل الطبيب وقال: ”أيها الأخ، بحيث أنّ الإخوة بمثل هذه الحالة من الفقر، فإني بطيبة خاطر سأتناول الطعام معهم“. كان ذلك الطبيب غنيّاً جداً ومع أنّ القديس ورفاقه دعوه مراراً ليأكل معهم، فإنّه لم يلبِ أبداً دعوتهم.

ذهب الإخوة ليعدّوا الطاولة وهم خجلون، فوضعوا عليها القليل مما عندهم من الخبز والخمر مع بعض بقول طبخوها وجلسوا إلى المائدة. وما كادوا يبدأون تناول الطعام حتى قرع الباب. نهض أحد الإخوة وركض ليفتح. فإذا سيدة تحمل سلة كبيرة مملوؤة من الخبز الابيض والسمك والقريدس وعناقيد عنب قطفت لساعتها. كان ذلك هدية لفرنسيس من سيدة صاحبة قصر يبعد عن المحبسة نحو سبعة أميال.

فوجىء الإخوة والطبيب معاً وظلوا مندهشين ونسبوا ما حدث لقداسة فرنسيس. وقال الطبيب لضيوفه: ”يا إخوتي، لا أنا ولا أنتم نقدّر كما يجب قداسة هذا الرجل“.[29]

تنبؤه بارتداد رجل متزوج 

27- مشى فرنسيس يوماً قاصداً قرية تشيلّه دي كورتونا سالكاً الطريق الممتدة على سفح قلعة ليشانو بالقرب من مقر إخوة بريدجو. وحدث أنّ سيدة من أشراف تلك المدينة خرجت مسرعة لتكلم القديس. رأى أحد الإخوة تلك السيدة تقترب وقد أنهكها المشي، فقال لفرنسيس: ”يا أبتِ، حباً بالله، لننتظر تلك السيدة التي تلحقنا لتكلمك وقد أرهقها التعب“.

ولما كان فرنسيس رجلاً مملوءاً محبة وشفقة فقد توقف وانتظرها. ولما رآها تقترب وقد أخذها العياء وفي قلبها مثل تلك الحرارة والتقوى، قال لها: ”ماذا أقدر أن أعمل لك يا سيدتي؟“ أجابت السيدة: ”يا أبتِ، أرجوك أن تعطيني بركتك“. سألها فرنسيس: ”هل أنت متزوجة أو عزباء؟“

قالت: ”يا أبت، منذ مدة طويلة، أعطاني الرب الرغبة بخدمته، ولي أيضاً رغبة كبرى بأن أخلّص نفسي. لكن لي رجل قاسٍ جداً وهو يعادي نفسه ويعاديني في ما يخص خدمة المسيح. لهذا فإني أشعر بألم عميق وبحسرة تحزنني حتى الموت“. تأمل فرنسيس بما عندها من حرارة في النفس، وخاصة عندما رآها صبية نحيلة البنية، فتحنن عليها وباركها وصرفها بهذه الكلمات: ”اذهبي الآن، تجدي زوجك في البيت، فقولي له من قِبَلي اني أصلي من أجله ومن أجلك، حباً بالرب الذي قاسى آلام الصليب لأجلنا حتى يخلص نفسيكما في بيتكما“.

انصرفت المرأة وعادت إلى بيتها فوجدت زوجها كما قال لها فرنسيس. فسألها: ”أين كنت؟“ قالت: ”كان لي لقاء مع فرنسيس. باركني وعزاني بالرب وفرحني بكلماته، كما أنه كلفني بأن أحرّضك وأسألك باسمه أن نخلص نفوسنا ونحن ملازمان بيتنا“.

عند تلك الكلمات، وبفضل استحقاقات فرنسيس، نزلت نعمة الله فجأة في قلب ذلك الرجل. فأجابها برقة ولطف وقد حوّله الله كلياً: ”يا سيدتي، من الآن وصاعداً، وبالطريقة التي ترينها، لنبدأ بخدمة المسيح وخلاص نفوسنا كما أوصاك فرنسيس“. أجابت المرأة: ”يا سيدي، أظن أنه حسن لنا أن عيش في العفة، فإنّها فضيلة ترضي الله جداً وتجلب جزاءً كبيراً“. وافق الرجل: ”إذا كان ذلك يروق لك، فإنّه يروق لي أيضاً. إنّي أريد أن أضم إرادتي إلى إرادتك في هذا الموضوع وفي كل عمل صالح آخر“.

من ذلك اليوم وطيلة سنوات عديدة عاش الإثنان في العفة، يوزعان الصدقات بسخاء على الإخوة وغيرهم من الفقراء. ودهش العلمانيون بل الرهبان أيضاً من قداسة ذينك الزوجين لاسيما أن الرجل بعد أن كان في الماضي علمانياً فقد تحول بسرعة واتّسم بروحانية عميقة. ثبتا في طريقهما وفي سائر الأعمال الصالحة حتى النهاية وتوفيا الواحد بعد الآخر بأيام قليلة. وأجريت لهما جنازة كبرى لأجل العطر المنبعث من حياتهما الطيبة وهما يمجدان ويباركان الرب الذي منحهما من بين المواهب الكثيرة نعمة خدمته بوحدة حميمة في القلب بل إن الموت لم يفصلهما لأنّهما انطفأا الواحد تلو الآخر. وكل الذين عرفوهما يعتبرونهما قديسين حتى أيامنا هذه.[30]

طالب في الرهبانية غير ناضج

28- في الفترة التي لم يكن أحد يُقبل في جمهور الإخوة دون موافقة فرنسيس، تقدّم من بين الراغبين بتلك الحياة ابن أحد وجهاء مدينة لوكّا. كان فرنسيس يومئذ منحرف الصحة يسكن في قصر أسقف أسيزي. وبينما الإخوة يقدمون إليه الطلاّب الجدد، انحنى ذلك الشاب أمام فرنسيس وبدأ يبكي عالياً ويتوسل إليه أن يقبله.

حدّق به القديس وقال له: ”إنّك رجل تعيس عائش حسب الجسد. فلماذا تكذب على الروح القدس وعليّ؟ إنك رجل جسداني وبكاؤك هذا غير روحاني“. ما كاد ينتهي من الكلام حتى أطلّ في الساحة أهل ذلك الشاب ممتطين جيادهم وقصدهم أخذه وإرجاعه معهم إلى البيت. أمّا هو، فلما سمع وقع حوافر الخيل ألقى نظرة من النافذة يستطلع عن القادمين. فلما لمح أهله، ركض حالاً إلى الخارج ليلتحق بهم، وعاد برفقتهم إلى العالم، كما تبين لفرنسيس بإلهام من الروح القدس. وذهل من ذلك الإخوة وباقي الحاضرين ومجدوا الله وحمدوه في قدّيسه.[31]

السمكة الشهية

29- بينما كان فرنسيس بحالة المرض الشديد وهو نازل ضيفاً في قصر أسقف أسيزي، أخذ الإخوة يلحون عليه أن يقتات، فأجاب: ”أيها الإخوة، ليست لي أيّة قابلية للاكل. إنّما لو حصلت على فرخ من سمك البوري، ربما أكلته“.

ما كاد يعرب عن رغبته، حتى أطلّ شخص يحمل قفة فيها ثلاثة فروخ من البوري وقد أتقن إعدادها ومعها كمية من القريدس المطبوخ كان القديس يأكل منها بطيبة خاطر. كل ذلك هدية من الأخ جيراردو رئيس رياتي.

من يصف ذهول الإخوة وقد اعتبروا ما حدث دلالة على قداسة فرنسيس. فمجدوا الله الذي دبر لخادمه ما كانوا يعجزون عن تقديمه في ذلك الشتاء فضلاً عن صعوبة وجود تلك الاصناف في المدينة.[32]

تذمّر الأخ ليوناردو 

30- كان فرنسيس مرة في طريقه برفقة أخ معروف بروحانيته وهو منحدر من عائلة كبيرة ومقتدرة في مدينة أسيزي. كان القديس بسبب ضعفه ومرضه يمتطي حماراً. أمّا رفيقه وقد أخذه العياء من السفر فبدأ يتذمر في داخله: ”إنّ أهل هذا الذي معي لم يكونوا يوماً بمستوى أهلي. وها هو اليوم يركب دابة ويتركني أمشي وراءه منهوكاً أقود حماره“.

فيما كانت تلك الافكار تتراكض في ذهنه، إذا بفرنسيس ينزل فجأة عن الدابة ويقول له: ”يا أخي، ليس من العدل ولا من اللائق أن أركب أنا دابة وتبقى أنت راجلاً، فإنّك في العالم كنت أشرف مني وأقدر“. ذهل الأخ وأخذه الخجل وبدأ يبكي وارتمى على قدمي القديس معترفاً بما راوده من أفكار ومقراً بخطيئته. وقد أعجب بقداسة فرنسيس الذي اكتشف للحال أفكاره. ويوم طلب الإخوة في أسيزي من البابا غريغوريوس ومن الكرادلة أن يعلنوا قداسة فرنسيس شهد ليوناردو بالحادث أمام البابا والكرادلة.[33]

فرنسيس يخرج من غرفته ليبارك أخاً له 

31- كان يقيم في دير رياتي أخ روحاني محب لله. نهض يوماً تخالجه الرغبة برؤية فرنسيس وأخذ بركته، فأتى بتقوى عميقة إلى محبسة غريشيو وقد اتخذها القديس آنذاك مقراً له. كان فرنسيس قد فرغ من تناول طعامه وانعزل في غرفة للصلاة والاستراحة. وبما أنها أيام الصوم الكبير فلم يكن يخرج من الغرفة إلاّ عند وقت الطعام ثم يعود للحال إلى عزلته.

حزن القادم الجديد عندما لم يجده ناسباً سوء طالعه لخطاياه خاصة أنه كان مضطراً للرجوع إلى ديره في ذلك النهار عينه. حاول رفاق القديس أن يعزّوه وهو يتأهب للعودة. وما كاد يبتعد رمية حجر حتى خرج فرنسيس من غرفته بإرادة من الله ونادى أحد رفاقه (ذاك الذي اعتاد أن يرافقه في الطريق حتى العين) وقال له: ”نبِّه ذلك الأخ أن يدير وجهه صوبي“. فاستدار الأخ نحو القديس وهو رسم باتجاهه إشارة الصليب وباركه. امتلأ الأخ فرحاً داخلياً وراح يبارك الرب الذي استجاب رغبته. ومما زاده تعزية هو أنّه تأكّد أنّه حصل على تلك البركة بإرادة من الرب دون أن يطلبها ودون تدخل أيّ كان.

وتعجب مثله أيضاً رفاق فرنسيس وسائر إخوة المحبسة واعتبروا ما حدث أعجوبة كبرى خاصة لأنه لم يُعلم أيّ منهم القديس بوصول ذلك الاخ، فضلاً عن أنّ لا رفاق فرنسيس ولا أيّ أخ آخر كان يجروء الذهاب إليه ما لم يستدعه هو. ليس فقط في غريشيو، بل حيثما أقام فرنسيس للصلاة، كان يريد البقاء في عزلة تامة ولا يسمح لأي كان المجيء لزيارته ما لم يكن هو استدعاه.[34]

غذاء عيد الميلاد في غريتشو

32- في أحد الأيام، وصل أحد الرؤساء المسؤولين عن الإخوة المقيمين في غريتشو ليحتفل بعيد ميلاد الرب مع فرنسيس. وكان الإخوة لمناسبة العيد واكراماً لضيفهم قد أعدّوا المائدة باتقان وغطوا الطاولات بشراشف بيضاء جميلة اشتروها وأضافوا إليها أقداحاً زجاجية.

نزل فرنسيس من قلاّيته للغذاء ولما رأى الطاولة مرفوعة عن الأرض ومزينة بمثل ذلك التفنّن، خرج دون أن يشعر به أحد، وأخذ قبعة وعصا متسوّل وصل إلى هناك في ذلك اليوم، وبعد أن نادى بصوت منخفض أحد رفاقه، خرج معه من باب المحبسة. لم يلاحظ الإخوة شيئاً مما جرى وجلسوا إلى المائدة بشكل طبيعي لأنّ القديس كان أوصاهم أن يبدأوا تناول الطعام دون انتظاره إذا ما هو أبطأ في الوصول عندما يحين وقت الغذاء. في أثناء ذلك أقفل رفيقه الباب وبقي في الداخل بالقرب من المدخل. قرع فرنسيس الباب ففتح له ذلك الأخ للحال. دخل وقبعته على ظهره وعصاه في يده كما اعتاد الغرباء المسافرون أن يفعلوا. عند وصوله قبالة الغرفة حيث كان الإخوة يأكلون، قال حسب الطريقة المألوفة عند المتسولين: ”محبة للرب الإله، أعطوا حسنة لهذا المسافر المريض المسكين“.

تعرّف عليه الرئيس وباقي الإخوة للحال. أجابه الرئيس: ”أيها الاخ، نحن أيضاً فقراء، وبما أن عددنا كبير، فإنّنا بحاجة إلى الحسنات التي نأكلها. لكن، حباً بالرب الذي استغثت به، أدخل فنتقاسم معك الصدقات التي أرسلها الله لنا“. تقدّم فرنسيس واقترب من الطاولة. فمدّ إليه الرئيس الصحن الذي كان سكب فيه طعامه مع قطعة من الخبز. أخذهما القديس وجلس إلى الأرض بالقرب من النار مقابل الإخوة الجالسين عالياً أمام الطاولة.

عندئذ قال لهم وهو يتنهّد: ”لما رأيت تلك الطاولة معدة بهذا الاتقان والتفنن، فكرت أنّها ليست مائدة إخوة فقراء يذهبون كل يوم طالبين الصدقة من باب إلى باب لأنّ من واجب من هم مثلنا أن يتمثلوا في كل شيء بتواضع وفقر ابن الله أكثر من أي رهبان سواهم. لأنّنا من أجل هذا دعينا وهذا ما التزمنا به أمام الله وأمام الناس. والآن، أنا جالس إلى الطاولة كما يليق بالإخوة“.

أما هم، فقد اعتراهم الخجل لأنّهم فهموا أن فرنسيس إنّما قال لهم الحقيقة. وأخذ بعضهم يبكون بصوت عال لما رأوا فرنسيس جالساً إلى الأرض وتأملوا بأيّة قداسة وصواب أعطاهم تلك الأمثولة.[35]

زيارة الكاردينال هوغولينو إلى البورسيونكولا 

33- كان فرنسيس يقول أنّ على الإخوة أن يجلسوا إلى طاولات متواضعة بسيطة لإعطاء المثل الصالح للعلمانيين. وإذا ما دعي أحد الفقراء، فليجلس مثله مثل الإخوة وليس إلى الأرض بينما هم إلى فوق.

أتى البابا غريفوريوس لما كان بعد أسقف اوستيا، إلى دير البورسيونكولا، ودخل إلى مهجع الإخوة هو وعدد كبير من الفرسان والرهبان وغيرهم من الإكليريكين أفراد حاشيته. ولاحظوا أن الإخوة ينامون على الأرض فوق قليل من القش، دون وسائد، يغطون أجسادهم بحرامات مهلهلة رثّة، فأخذ يبكي أمام الجميع ويقول: ”انظروا أين يرتاح الإخوة. يا لتعاستنا نحن الذين ننعم بهذا القدر من الكماليات! ماذا يكون مصيرنا؟“ وقد اتّعظ بمثلهم هو وكل الذين رافقوه. لم يرَ البابا في ذلك المكان أيّة طاولة، إذ أنّ الإخوة كانوا يتناولون طعامهم جلوساً على الأرض.

صحيح أنّ مقرّ البورسيونكولا، منذ الأيام الأولى، أي من يوم تأسيسه كان الدير الذي يقصده الإخوة من الرهبانية كلها - بل أنّ كل الذين كانوا يريدون الالتحاق بالإخوة كانوا يلبسون الثوب في القديسة مريم سيدة الملائكة - مع ذلك فإنّ الإخوة في ذلك الدير كانوا دائماً يأكلون إلى الأرض، أكانوا قلّة أو أكثر عدداً. وطيلة حياة فرنسيس تمسكوا بذلك المثل وبإرادته هو، ظلوا يتناولون طعامهم على الأرض.[36]

الفضائل والرذائل في غريتشو

34- أحب فرنسيس محبة غريتشو لأنّ الإخوة هناك أفاضل وفقراء. وشمل بمودة خاصة سكان تلك المنطقة لأجل فقرهم وبساطتهم. وكثيراً ما كان يذهب إلى هناك للإقامة والاستراحة، تجذبه خاصة قلاية منفردة بغاية الفقر كان يحب الانفراد فيها للتأمل. شجع مثله ووعظه وحياة إخوته العديد من سكان البلدة وبالهام من نعمة الله دخل كثيرون رهبانيته. وكذلك اختارت فتيات عديدات حياة البتولية ولبس ثوباً رهبانياً إنّما بقين في بيوتهن ومع عائلاتهن. مع ذلك سلكن حياة جماعية ساهرات على ممارسة الفضائل، يقمعن أجسادهن بالأصوام والصلوات. وكنّ بالنسبة للشعب وللإخوة رغم صباهن وبساطتهن ليس كمن يقيم في العالم وبحوار أهله بل كجماعة تعيش الحياة المشتركة وكراهبات قديسات تكرّسن لخدمة الرب منذ سنوات طويلة. أمّا بخصوص رجال ونساء غريتشو، فقد اعتاد فرنسيس أن يقول للإخوة وكله فرح: ”لا توجد حتى في المدن الكبرى جماعة اهتدت إلى الرب بقدر ما حصل في غريتشو مع أنّها بلدة صغيرة جداً“.

عند المساء، عندما يبدأ إخوة المحبسة تلاوة مدائح الرب حسب عادة الإخوة آنذاك في مراكز عديدة، اعتاد سكان البلدة أن يخرجوا، كبيرهم وصغيرهم، من البيوت ويتجمعوا في ساحة البلدة وهم يرُدّون مناوبة وبصوت عال على ترنيمة الإخوة: ”كن مسبحاً أيها الرب الهي“. وحتَّى الأطفال أنفسهم الذين لم يحسنوا بعد الكلام كانوا، عند رؤية الإخوة، يسبحون الرب بقدر ما يستطيعون. في تلك السنوات، تعرض أهل غريتشو إلى كارثة رهيبة دامت بضع سنوات. فمن جهة انتشرت في المنطقة مجموعات من الذئاب أخذت تفترس البشر أنفسهم، ومن جهة أخرى ضرب البرد المزروعات والكروم.

في إحدى مواعظه، طمأن فرنسيس الناس قائلاً: ”أبشركم أنّه، لإكرام الله وتسبيحه، إذا ندم كل منكم على خطاياه وارتد إلى الله بكل قلبه مع العزم الثابت، فإنّي متأكد من الرب يسوع المسيح أنّه للحال وبرحمته ستختفي هجمات الذئاب وزخّات البرد التي تقاسون منها من زمن طويل وإنّه سيجعلكم تنمون وتفتنون في الأمور الروحية والزمنية على السواء. لكني أنذركم أيضاً أنّه، لا سمح الله، إذا رجعتم إلى الخطيئة، فإنّ تلك الكوارث وتلك اللعنة ستنقض عليكم من جديد مع غيرها من ويلات افظع وأقسى“.

وحدث بتدبير إلهي وبفضل استحقاقات الأب القديس أنّ تلك الكوارث توقفت للحال. بل إنّه لما كانت زخّات البرد تتلف المزارع المجاورة لم تكن تمس ممتلكات أهل غريتشو الذي اعتبروا ذلك أعجوبة كبيرة.

على مدى ست عشر أو عشرين سنة، رأى أهل البلدة خيراتهم الروحية والزمنية تنمو وتزدهر. بعد ذلك ولّد الرخاء الكبرياء، فدبّ بينهم التباغض وأخذوا يتبارزون ويتقاتلون ينحرون مواشي بعضهم بالخفاء، ويعيشون في الليالي سرقة ونهباً ويرتكبون الكثير من المآثم. ورأى الرب أنّ أعمالهم فاسدة وإنّهم لا يمتثلون لما يأمرهم به على لسان فرنسيس خادمه، فاستشاظ غضباً عليهم، ورفع عنهم يده الحنونة، وعاد هجوم الذئاب وتساقط البرد تماماً كما تنبأ القديس بل ضربتهم كوارث أخرى عديدة أشدّ إذية من سابقاتها. فقد اندلع في المنطقة كلها حريق هائل التهم كل ما يملكه أولئك السكان الذين نجوا فقط بحياتهم. أمّا الإخوة وكل الذين سمعوا العظة التي القاها فرنسيس متنبئاً بالرخاء وبالكارثة، تأكّدوا من قداسته إذ ثبت لديهم أنّ ما قاله تحقق حرفياً.[37]

فرنسيس ينذر أهل بيروجيا بالحرب الأهلية

35- في مناسبة أخرى، كان فرنسيس يعظ في ساحة بيروجيا حيث اجتمع عدد كبير من الناس. وإذا بفرسان من المدينة يطلّون بسلاحهم إلى الساحة على صهوة جيادهم بنية بلبلة الوعظ. ورغم احتجاج الرجال والنساء المستمعين إلى العظة استمروا بتصرفهم الوقح.

عندئذ، التفت فرنسيس نحو هؤلاء الغوغائيين وقال لهم بنبرة جريئة: ”اسمعوا وحاولوا أن تفهموا ما ينذركم به الرب، بفمي أنا خادمه. ولا تذهبوا تقولوا: ”إن هذا، واحد من سكان أسيزي“، قال ذلك لأنّ عداوة شرسة ناشبة بين أهل أسيزي وبيروجيا. وتابع: ”إنّ الله جعلكم كباراً وأقوياء أكثر من جيرانكم جميعاً. لهذا السبب عليكم أن تعترفوا بفضل خالقكم وأن تبقوا متواضعين ليس فقط أمام الله الكلي القدرة بل أيضاً في تصرفاتكم مع جيرانكم. للأسف إنّ قلبكم انتفخ تحدياً ودخل فيكم روح الكبرياء والتسلط فأخذتم تدمرون أراضي جيرانكم وتقتلون العديد منهم. والآن ها إنّي أقول لكم، إنّكم، إن لم تتوبوا للحال إلى الله وتعوّضوا عن الأضرار التي سببتموها، فإنّ الرب الذي لا يترك أي ظلم دون عقاب سيجعلكم تثورون ضد بعضكم بعضاً. ستنفجر الخصومات والحرب الأهلية ويصيبكم من الأذى أكثر بكثير مما يستطيع جيرانكم الالحاق بكم“.

وبالفعل، فإنّ فرنسيس في مواعظه لم يكن يسكت عن رذائل الشعب التي تهين الله والقريب بشكل علني. فإنّ الرب أعطاه موهبة نعمة فريدة وهي أنّ كل من رآه أو سمعه، كبيراً كان أم صغيراً أحاطه بالرهبة والاحترام نظراً للمواهب السامية التي وهبها له الله. لذلك كان الناس يتأثرون به حتى لو حدث أن أنّبهم ووبخهم وكم من الذين ارتدوا إلى الرب لأنّ القديس اهتمّ بخلاصهم وصلى لأجلهم بحرارة.

بعد أيام قليلة، سمح الله بنشوب صراع بين الأعيان والشعب. طرد الشعب الفرسان من المدينة والفرسان بمساعدة الكنيسة دمروا الكثير من الحقول والكروم وبساتين الفاكهة العائدة للشعب وسببوا لهم أضراراً بالغة. والشعب من جهته خرّب المزارع والكروم وبساتين الفاكهة العائدة للأعيان. وحلّ بأهل بيروجيا عقاب فادح أخطر بكثير من الذي أصابهم عن يد جيرانهم. وهكذا تمت حرفياً نبوءة فرنسيس.[38]

مفعول صلاته

36- أثناء مرور فرنسيس في أحد الأقاليم، أتى إلى ملاقاته رئيس دير كان يحترمه ويكنّ له محبة عميقة. ترجّل الرئيس وتجاذب الحديث مع فرنسيس ساعة حول موضوع خلاص نفسه.

وقبل أن يفترقا طلب منه الرئيس بحرارة أن يصلي لأجله. أجابه فرنسيس: ”سأفعل ذلك بطيبة خاطر“. وما إن ابتعد الرئيس قليلاً حتى قال فرنسيس لرفيقه: ”يا أخي، لنتوقف هنيهة، لأنّي أريد أن أصلي على نية الرئيس كما وعدته“. وتخشّع يصلي.

وقد اعتاد فرنسيس كلّما طلب منه أحد أن يصلي للرب لأجل خلاص نفسه، أن يقوم بتلك الصلاة بأسرع وقت ممكن خوفاً من نسيانها.

أثناء ذلك كان الرئيس يتابع سيره. وما ابتعد كثيراً عن فرنسيس حتى تفقد الرب قلبه فانسكبت على وجهه حرارة عذبة وشعر لحظة وكأنه اختطف بالروح. ولما عاد إلى نفسه، تأكد له أنّ فرنسيس صلى لأجله. فأخذ يمجد الله وهو ممتلىء فرحاً في الجسد وفي الروح.

من ذلك اليوم أحاط القديس بإكرام عميق لأنّه اختبر في ذاته سمو قداسة فرنسيس. واعتبر ما حدث أعجوبة كبرى وظل يسرد ذلك الحادث للإخوة ولغيرهم.[39]

في مرض القديس. وفي حبه للمسيح المتألم 

37- تألم فرنسيس مدة طويلة حتى يوم وفاته من أمراض في الكبد والطحال والمعدة. فوق ذلك، لما عبر البحر ليذهب ويبشر الإنجيل لسلطان بابل ومصر، أصيب بمرض خطير في عينه نتيجة ما قاساه من مشقة أثناء السفر وخاصة لشدّة الحرّ الذي تعرّض له في ذهابه وإيابه. لكنه لم يقبل أخذ أي علاج لتلك الأمراض رغم التوسلات الملحة من قبل إخوته وغيرهم ممن أحاطوه بعاطفتهم وشفقتهم. وما كان تصرفه ذلك إلاّ نظراً للحب العميق الذي خصّ به المسيح من يوم ارتداده.

كان يشعر كل يوم بعذوبة وحسرة عند تأمّله تواضع ابن الله وقد عزم على اتّباع مثله. يتقبل المرارة التي كان يشعر بها في جسمه، ويعتبرها حلاوة. وبقدر ما كان يتألم يومياً من جرّاء العذابات والحسرات التي تحمّلها المسيح لأجلنا بقدر ذلك كان يعاني في النفس والجسد، ولم يعد يفكر بأوجاعه هو.

وحدث مرة، وذلك بعد مرور سنوات قصيرة على ارتداده، أنّه كان سائراً على طريق لا يبعد كثيراً عن كنيسة البورسيونكولا وهو يبكي وينتحب بصوت عالٍ، فالتقى برجل روحاني تعرّفنا عليه سابقاً وكان أظهر لفرنسيس الكثير من المودّة والشفقة من قبل أن يلتحق به أيّ من الإخوة وهو الذي سرد لنا هذا الحادث. قال إنّه لما سمعه يبكي تأثر جداً وسأل: ”ما بك يا أخي؟“ ظاناً أنّه يتألم من مرض ما. أجاب فرنسيس: ”يلزمني أن أطوف هكذا في العالم كله دون حياء بشري باكياً ومنتحباً على ما قاساه سيدي من آلام“. بدأ ذلك الرجل يبكي بدوره ويتنهد مثله بصوت عالٍ.[40]

كتاب الصليب

38- خلال مرض عينيه، كان فرنسيس يتحسّر على آلام المسيح، فعرض عليه يوماً أحد رؤساء الاديار: ”يا أخي، لماذا لا تطلب من رفيقك أن يقرأ لك مقطعاً من الأنبياء أو من غيرهم من الكتب المقدسة. فإنّك ستفرح بالروح وتلقى من ذلك التعزية الواسعة“. وكان ذلك الرئيس قد اختبر مقدار سعادة فرنسيس بالرب عند سماعه قراءة الكتب الإلهية.

لكن القديس أجاب: ”أيها الاخ، إنّي أجد كل يوم عذوبة وتعزية كبرى وأنا أتأمل ما أعطانا ابن الله من أمثلة في التواضع وإنّي ولو عشت حتى نهاية العالم، لن أحتاج إلى سماع أيّ مقطع آخر من الكتب المقدسة“. وكان يعيد إلى الذاكرة ويردد للإخوة هذه الآية من داود ”أبَتْ نفسي أن تتعزى“ (مزمور 76/3).

وبما أنّ عليه، كما صرّح مراراً، أن يكون نموذجاً ومثالاً لجميع الإخوة فلم يرضَ أن يلجأ إلى الأدوية خلال أمراضه بل رفض حتى الطعام الضروري. وليبقى أميناً لبرنامجه، ظل قاسياً تجاه جسده سواء لمّا كان يبدو بصحة جيدة - مع أنّه ظل دائماً ضعيفاً سقيماً - أو خلال أمراضه.[41]

”تعالوا تفرجوا على هذا الشَرِه“

39- في فترة نقاهة قضاها فرنسيس بعد مرض ثقيل، تخيل له وهو يفكر أنه لجأ في تلك الفترة إلى علاج مميّز مع أنّه بالحقيقة لم يأكل إلاّ قليلاً لأنّه بسبب أمراضه الكثيرة المتنوعة والمزمنة لم يكن يتمكّن حتى من تناول الطعام الضروري.

ففي أحد الأيام، نهض ولم تكن الحمى الخبيثة فارقته بعد وطلب أن يجتمع أهل أسيزي في الساحة ليلقي عليهم عظة. ولما فرغ منها أمر الحاضرين بئلاّ يبتعدوا ريثما يرجع إليهم. ودخل كنيسة القديس روفينو، ونزل إلى الطابق الأسفل يرافقه بطرس دي كاتانيا وهو أوّل رئيس عام انتخبه لرهبانيته ونزل معهما بعض الإخوة. فأمر الأخ بطرس أن يطيعه دون الاعتراض على ما هو عازم أن يفعل أو عما سيقال عنه، أجابه الأخ بطرس: ”أيها الأخ لا يسعني ولا يجوز لي بما يختص بي وبك إلاّ أن أعمل ما يطيب لك“.

عندئذ نزع فرنسيس ثوبه الرهباني وأمر الأخ بطرس أن يجره هكذا وهو عريان أمام الشعب وهو واضع حبلاً حول عنقه. وأمر أخاً آخراً أن يأخذ صحناً مملوءاً من الرماد وأن يصعد إلى المنصة التي ألقى منها عظته على الشعب ويرشّها من هناك على رأسه. لكن ذلك الأخ رفض أن يطيعه لما اعتراه من شفقة وتأثر. أمّا الأخ بطرس فإنّه اقتاد القديس حسب الأمر الذي تلقاه إنّما فعل ذلك باكياً هو وباقي الإخوة.

لما وصل هكذا عرياناً أمام الشعب المحتشد في الساحة التي وعظهم فيها، قال: ”إنكم تظنون إني رجل قديس وهكذا يظن غيركم من الذين عملوا مثلي وتركوا العالم ودخلوا الرهبانية. فها أنا اعترف أمام الله وأمامكم إنّي أثناء مرضي قد تغذيت باللحم وبمرقة اللحم“. فأخذوا كلهم تقريباً يبكون تأثراً وشفقة عليه خاصة في ذلك البرد القارس من فصل الشتاء لم يكن فرنسيس بعد شفي من الحمى. وراحوا يقرعون صدورهم ويشكون أنفسهم قائلين: ”إن هذا القديس يعرض جسمه للهوان ويشكو نفسه بأنّه تعالج أثناء ضيق واضح جليّ ونحن شهود لنوع الحياة التي يسلكها من يوم اهتدائه ممارساً الأصوام والتقشفات الصارمة بل رأيناه يعيش في جسد شبه ميت. ما عسانا نصنع نحن التعساء الذين قضينا حياتنا كلها ولا نزال نعيش منقادين لرغبات الجسد وشهواته؟“[42]

عدو الخبث

40- مرة أخرى، جرى معه حادث مماثل وذلك خلال الصوم اكراماً للقديس مارتينوس في إحدى المحابس. بما أنّ الزيت يضرّ بفرنسيس بسبب أمراضه، راح الإخوة يطبخون مع الدهن الطعام المعدّ له. في نهاية الصوم، استهلّ بهذه الكلمات موعظة ألقاها للشعب المحتشد بجوار تلك المحبسة: ”إنّكم أتيتم إليّ بتقوى عظيمة وتظنون أنني قديس. لكني أعترف أمام الله وأمامكم أني خلال هذا الصوم أكلت أطعمة مطبوخة بالدهن“.

وكثيراً ما حدث أنّ الإخوة أو أصدقاءهم، لما كان فرنسيس يأكل معهم، كانوا يقدمون له طبقاً خاصاً نظراً لحالته الصحية، فكان يسارع ويصرّح في البيت أو عند الخروج منه أمام الإخوة وأمام الناس الذين لا يعرفون ما جرى: ”إني أكلت كذا وكذا من الأطعمة“ لم يكن يرضى بأن يبقى مكتوماً عن الناس ما هو معروف أمام عيني الرب.

أينما وجد، أكان في صحبة الرهبان أو العلمانيين، إذا صدف أن راودته افكار كبرياء، أو عجب بالذات أو نقيصة ما، كان للحال يعترف بها امامهم بشكل مكشوف دون أن يحاول التخفيف منها.

وقد أقرّ يوماً لرفاقه: ”أريد أن أعيش باتحاد حميم مع الرب في المحابس وغيرها من أماكن إقامتي كما لو كنت تحت نظر الناس. إذا اعتبرني الناس قديساً ولم أمشِ بموجب الحياة التي تليق بالقديسين، أكون خبيثاً“.

في أحد أيام الشتاء وبسبب إصابته بمرض في الطحال، وبما تحمّل في معدته من ألم من جرّاء البرد، تقدم إليه رفيقه المسؤول عنه وهو يحمل جلد ثعلب وطلب منه السماح بأن يخيطه داخل ثوبه الرهباني جهة الطحال والمعدة ليرد عنه شدة البرد. وكان فرنسيس كل أيام حياته من يوم بدأ يخدم المسيح إلى يوم وفاته يرفض بأن يلبس شيئاً ما عدا ثوبه الرهباني مرقعاً كلما أراد. لذلك أجاب: ”إذا أردت أن تخيط هذا الجلد تحت الثوب، ألصِق من الخارج أيضاً قطعة مماثلة، كي يعلم الناس أني ألبس ما هو مثله في الداخل. وهكذا صار. لكنه لم يلبس ذلك الجلد مدة طويلة مع أنه ضروري لصحته.[43]

لمحة مجد باطل

41- مرة أخرى، سار فرنسيس في شوارع أسيزي يرافقه جمع غفير. فتقدمت منه عجوز فقيرة طالبةً إليه الصدقة حباً بالله. فأهداها للحال المعطف الذي يغطي كتفيه. واعترف للحاضرين أن ذلك سبب له شعوراً بالمجد الباطل.

لدينا نماذج عديدة مشابهة شاهدناها وسمعناها نحن الذين عشنا معه. ولا يمكننا التحدث عنها إذ يطول بنا الكلام إن دوّناه خطياً. فإنّ أعلى رغبة سيطرت على فرنسيس كانت بئلاّ يكون خبيثاً أمام الله. ألزمه جسده العليل أن يتناول طعاماً مميزاً، مع ذلك اعتبر أنّه ملزم بأن يعطي دائماً المثل الصالح للإخوة وللناس، وألاّ يترك لهم أيّ مجال للتذمر أو أيّ انطباع سيء ففضّل أن يحتمل الحرمان بصبر وبطيبة خاطر دون مراعاة مصلحة صحته. تصرّف هكذا إلى يوم وفاته، علماً أنّه لو أحسن معاملة جسده لكان أمّن معاً مديح الله وأعطى المثل الصالح.[44]

الكاردينال هوغولينو يأمره بالاعتناء بصحته

42- تأكد أسقف أوستيا الذي صار فيما بعد حبراً أعظماً أنّ فرنسيس مستمر في معاملة جسده بقساوة مفرطة وخاصة أنّه بدأ يفقد بصره ومع ذلك لا يقتنع بأخذ العلاج اللازم. فوجّه إليه هذا التنبيه الصادر عن الشفقة والاهتمام: ”أيها الأخ، إنّك لا تعمل جيداً برفضك معالجة عينيك، لأنّ في صحتك وحياتك فائدة كبرى لك ولغيرك أيضاً. فإن كنت تشفق على إخوتك المرضى وتخصّهم بعنايتك، فلا يحق لك أن تظلم نفسك في مثل هذه الضرورة الماسة والواضحة. لذلك إنّي آمرك بأن تقبل أن يساعدوك ويعالجوك“.

في السنتين السابقين لوفاته وقد اشتدّ عليه المرض وخاصة ألم العينين، اتخذ مقراً له بالقرب من القديس داميانوس في قلاّية مصنوعة من الحصر. وإذ رآه الرئيس العام يعاني ذلك القدر من الألم بسبب مرض عينيه، أمره بأن يقبل بأن يُساعَد ويُعالَج. بل أضاف أنّه يريد الحضور شخصياً لماّ يبدأ الطبيب بإعطاء العلاج، ليتأكد من مجرى الأمور وليشجعه أيضاً لكثرة ما حلّ به من آلام مبرحة. وتأجّل البدء بالعلاج بسبب البرد القارس ولأن الفصل غير مناسب آنذاك.[45]

كيف نشأ ”نشيد الخلائق“

43- أقام فرنسيس في سان داميانو مدة خمسين يوماً ونيّف. ولم يكن بإمكانه أن يحتمل النور الطبيعي في النهار ولا وهج النار في الليل فظلّ في العتمة الدائمة في البيت وفي الغرفة. آلام عينيه، ليلاً نهار، مبرحة لا تطاق وقد حرم من الراحة والنوم مما سبب زيادة حالة باقي أمراضه وتفاقمها. وكأنّ ذلك لم يكن كافياً فالبيت الذي أوى إليه ومثله الغرفة (وهي مصنوعة من الحصر في إحدى زوايا البيت) يعجّان بالفئران تقفز وتركض حوله بل فوقه أيضاً وتحرمه النوم كلياً، بل إنّ تلك الحيوانات كانت تزعجه حتى في صلاته. لم تكتفِ بإزعاجه ليلاً بل في النهار أيضاً حتى أنّها أثناء تناوله الطعام كانت تقفز على الطاولة. واعتقد هو وإخوته أنّ ذلك لم يكن إلاّ تجربة من الشيطان وكان ذلك فعلاً.

وفي إحدى الليالي وفيما فرنسيس يفكر بما يتعرّض له من محن، أخذته الشفقة على نفسه فقال في قلبه: ”يا رب، هلمّ إلى معونتي في أمراضي لكي أتمكّن من احتمالها بصبر“. وللحال قيل له بالروح: ”أيها الاخ، قل لي: إذا تقدّم أحد وأعطاك مقابل أمراضك وأوجاعك كنزاً كبيراً ثميناً كما لو صارت الأرض من الذهب الخالص، وتحوّلت كل الحجارة درباً كريمة وغدت المياه كلها عطوراً، مقابل مثل ذلك الكنز، ألا تعتبر أنت الأرض والحجارة والماء كلا شيء؟ ألن تغمرك عندئذ السعادة؟“

أجاب فرنسيس: ”يا رب، إنّ ذلك سيكون كنزاً ثميناً جداً لا قياس له بل كنزاً محبوباً ومرغوباً“. تابع الصوت: ”إذن أيها الأخ، افرح وتهلل بأمراضك وشدائدك وعش من الآن وصاعداً بصفاء كما لو حصل ودخلت إلى ملكوتي“.

لما نهض عند الصباح، قال لرفاقه: ”إذا أعطى الامبراطور مملكةً بكاملها لأحد خدّامه ألا يفرح ذاك جداً؟ لكنه إذا وهبه الامبراطورية كلها، ألا يفرح أكثر؟“ وأضاف: ”إذن، عليّ الآن أن افرح جداً وأنا وسط مصائبي وآلامي، وأن أجد الشجاعة عند الرب وأشكر دائماً الله الآب وابنه الوحيد سيدنا يسوع المسيح والروح القدس لأجل عظمة هذه النعمة وهذه البركة التي وهبت لي لأنّه تنازل برحمته وأعطاني أنا خادمه الصغير غير المستحق التأكد بأنّي سأرث ملكوته.

لذلك أريد لمدحه ولتعزيتي ولتشجيع القريب أن أؤلف مديحاً جديداً للرب من أجل خلائقه. إننا نستفيد يومياً من الخلائق ولا نستطيع العيش بدونها ومع ذلك فإنّ الجنس البشر يهين كثيراً الخالق بواسطها. ونحن نتصرف كل يوم بنكراننا الجميل لمثل هذه العطية وبعدم مدحنا كما يجب خالقنا الذي وهبنا كل الخيرات“.

قال هذا وجلس واستفرق في التفكير ثم تلا مطلع نشيده: ”أيها العلي القدير والرب الحنون“. ووضع فرنسيس لكلمات النشيد لحناً من عنده علّمه لرفاقه. وغاصت روحه في بحر من العذوبة والتعزية حتى إنّه أراد استدعاء الأخ باتشيفيكو الملقّب وهو في العالم ”بملك الشعر“ حيث كان مدرباً ماهراً على الغناء وفكر كذلك بتعيين بعض الإخوة الصَّالحين الروحانيين ليذهبوا في العالم ويعظوا ويمجِّدوا الله.

كان قصده أوّلاً أن يضم إليهم أخاً مؤهلاً للوعظ ليرشد الشعب وحين ينتهي من عظته، ينشدون وإيَّاه ”مدائح الرب“ كأنهم فرقة من مرنِّمي الله. وعند انتهاء المدائح يقول للشعب: ”نحن مرنِّمو مدائح الرب. والبدل الذي نطلبه منكم هو: أن تعيشوا في التوبة الحقيقية“.

وأضاف: ”إنّ خدام الله ليسوا إلاّ فرقة مرنِّمي مدائح الرَّبّ ولا يطلب منها سوى تحريك قلوب الناس ورفعها إلى الفرح الرُّوحيّ“. كان يقول هذا ملمحاً بنوع خاص إلى الإخوة الأصاغر المرسلين إلى الشعب ليخلصوه وسمى ”مدائح الرب“ التي ألّفها والتي تبدأ بهذه الكلمات: ”أيها العلي، القدير والرب الحنون“، ”نشيد أختنا الشمس“ إذ هي أجمل الخلائق وأقرب ما يشبّه به الله.

لهذا كان يقول: ”على كل إنسان، في الصباح، عند شروق الشمس، أن يسبح الله الذي خلق ذلك الكوكب لينير به أعيننا طول النهار. وفي المساء، عند حلول الليل، على كل الخلائق أن تسبح الله لخليقته الثانية ”أختنا النار“ التي تستنير بها عيوننا خلال الليل“.

وكان يقول أيضاً: ”نحن كلنا مثل العميان، والله ينير بصائرنا بواسطة مخلوقاته تلك، فعلينا دائماً أن نسبّح الخالق الممجد لأجلنا ولأجل باقي الخلائق التي وضعها في خدمتنا كل يوم“.

كان دائماً فرحاً بأن يتصرّف بهذه الطريقة، سواء كان مريضاً أو معافى، ويحرّض الجميع أن يمدحوا الرب سوية. وفي أوقات اشتداد الألم عليه كان يبدأ بنشيد ”مدائح الرب“ ثم يترك الإخوة يكمّلونه آملاً نسيان حدة آلامه وهو يتأمل ”بمدائح الرب“ وظل يعمل هكذا حتى يوم وفاته.[46]

المقطع المتعلق بالمسامحة

44- في تلك الفترة أثناء مرض فرنسيس، وبعد أن نشر نشيد المدائح حدث أن ألقى أسقف أسيزي في تلك السنة الحرم على حاكم المدينة. فاستشاطَ ذاكَ الحاكم غضباً. وللانتقامِ من الأسقف  أصدرَ قراراً عنيفاً يحرِّمُ به أن يبيعَ أحدٌ أو يشتريَ أيَّ شيءٍ منه وألاَّ يعقد معه أيَّ معاملة، حتَّى وصل الإثنانُ إلى قمَّةِ الحقدِ المُتبادَل. 

أخذت فرنسيس الشفقة عليهما، رغم مرضه، خاصة لأنّه لم يبادر أحد من رجال الدين أو من العلمانيين ويحاول إعادة السلام والوفاق بينهما. فقال لرفاقه: ”إنّه لعيب كبير علينا، نحن خدام الله، أن يكره الأسقف والحاكم بعضهما إلى هذا الحد ولا يكلّف أحد نفسه إعادة السلام والوفاق بينهما“. عند ذاك، ألّف مقطعاً جديداً أضافه إلى المدائح يقول فيه:

”كن مسبَّحاً، يا ربِّي، بأولئك الَّذين يصفحون حبّاً بك،

ويحتملونَ الأسقام، والشَّدائدَ، 

 طوبى للذين يعيشون في السلام

لأنّهم منك، أيها العليّ، سيكلَّلون“

بعد ذلك دعا أحدَ رفاقِهِ وقالَ له: ”اذهب من قِبَلي، وقلْ للحاكمِ أن يحضُرَ إلى دارِ المطرانيَّةِ هو وأعيانُ المدينةِ وغيرهم ممَّن يستطيعُ إحضارَهم برفقتِه“. إنطلقَ ذلكَ الأخُ. عندئذٍ قالَ فرنسيسُ لاثنينِ آخرين من رفاقِه: ”إذهبا وأنشدا نشيدَ أختنا الشَّمسُ بحضرةِ الأسقفِ والحاكمِ وباقي الحاضرين. فإنِّي واثقٌ بالرَّبِّ من أنَّهُ سيعيدُ التَّواضعَ إلى قلبيهما فيتصالحان ويرجعان إلى صداقتِهما ومودَّتِهما السَّابقتين“. ولما اجتمع الكل في ساحة قصر الأسقف، تقدم الأخوان وقال أحدهما: ”إن فرنسيس قد نظم أثناء مرضه ”مدائح الرب“ لأجل خلائقه لتمجيد الله وفائدة القريب. أرجوكم أن تبقوا لسماعها بخشوع“. وبدأ بالإنشاد. وفجأة وقف الحاكم وضم يديه كما هي العادة عند قراءة الإنجيل وقد امتلأ خشوعاً وظل واقفاً يستمع بانتباه وعيناه دامعتان وكان يكنُّ لفرنسيس ثقةً كبرى واحتراماً.

عند نهاية النشيد، قال الحاكم أمام جميع الحاضرين: ”أقول لكم، حقيقةً: إني أغفر، ليس فقط لسيادة المطران إذ من واجبي أن أعتبره سيدي بل أنا مستعد لمسامحة حتى من يكون قتل أخي أو ابني“. وارتمى على قدمي الأسقف قائلاً: ”حباً بسيدنا يسوع المسيح وبخادمه فرنسيس، ها إنّي مستعد أن أعوض عليك كل شيء حسبما يطيب لك“.

غمره الأسقف بين ذراعيه وأنهضه وأجاب: ”إنّ المنصب الذي أحتله يفرض عليّ أن أكون متواضعاً. إنّما لي طبع يميل إلى الغضب فأسألك أن تسامحني“. وتصافح الرجلان وتعانقا بمودة كبيرة ووحدة قلب.

واندهش الإخوة وتأثروا جداً وقد تأكدت لهم قداسة فرنسيس لأنّه تنبأ لهم بعودة السلام والمودة بين الاثنين. وها إنّ ما تنبأ به تحقق حرفياً. كل الذين حضروا تلك الحادثة وسمعوا تلك الكلمات اعتبروا ما جرى أعجوبة كبيرة ونسبوا إلى استحقاقات فرنسيس ذلك التبدل المفاجىء الذي لمس قلب ذينك الخصمين. لم يعد الأسقف والحاكم يتذكران إهاناتهما المتبادلة وعادا إلى المودة الصادقة بعد أن صدر منهما ذلك الشك الجسيم. ونحن الذين عشنا مع فرنسيس نشهد أنّه كلّ مرة كان يتنبأ ويقول: ”الأمر هو كذا أو سيصير كذا“، تحقق حرفياً ما توقعه. ولكثرة ما شاهدنا بأعيننا مثل تلك الأمثلة فإنّه يطول بنا كتابتها وسردها.[47]

نشيد لأخوات كلارا

45- في الفترة عينها وفي ذات المكان بعد أن نظم فرنسيس ”مدائح الرب“ لأجل خلائقه، ألّف نشيداً ثانياً لحّنه وضمّنه كلمات مقدسة لتعزية السيدات الفقيرات المقيمات في دير القديس داميانوس خصوصاً لعلمه بما شعرن من الحزن بسبب مرضه. وبما أنّه لا يتمكن من زيارتهن ليحمل إليهن شخصياً التعزية، طلب من رفاقه أن يذهبوا ويرتلوا لهنّ ذلك النشيد.

قصد فرنسيس من ذلك النشيد أن يكشف نظرته الروحية لأخوات تلك الأيام ولمن سيأتين بعدهن: أي أنّ عليهن العيش بقلبٍ واحد في المحبة والحياة الأخوية، لأنّه في وقت كان عدد الإخوة لا يزال قليلاً، فإنهن قد اهتدين إلى المسيح عملاً بمثل فرنسيس ونصائحه. وإنّ اهتداءهن وحياتهن المقدسة كانت مثالاً وقدوة ليس فقط لرهبانية الإخوة، وهنّ براعمها النديّة، بل لكنيسة الله جمعاء.

لهذا، إذ علم فرنسيس أنّ الأخوات اعتنقن منذ البداية نوع حياة قاسية فقيرة سواء باختيار طوعي أو أنّ الضرورة فرضتها عليهن فإنّ قلبه امتلأ من مشاعر التقدير والحب لهن. وبما أنّ الرب جمعهن من مناطق مختلفة في محبة مقدسة وفي الفقر المقدس والطاعة المقدسة فإنّه طلب منهنّ في نشيده ذاك، الاستمرار في ممارسة تلك الفضائل حتى الموت. وأوصاهن خاصة بحسن التصرف بما يرسل لهنّ الرب من صدقات لتأمين ما هو ضروري للجسد وذلك بتدبير فطن وفرح وعرفإنّ جميل. كذلك أوصى الأخوات المتمتعات بصحة جيدة أن يتحملن بصبر المتاعب التي يسببها لهنّ الاعتناء بالمريضات، وتمنى على المريضات أن يتحملن بصبر ما يعانينه من مرض وحرمان.[48]

تمنّعه عن المعالجة

46- عند اقتراب الفصل الملائم لمعالجة عينيه، غادر فرنسيس ذلك المكان رغم تفاقم وضعه الصحي. فلفّ رأسه بقبوع عريض خاطه له الإخوة. وبما أنّه لم يكن يتحمل رؤية نور النهار لما يسببه له من آلام فادحة، وضع على عينيه قطعة من الصوف والكتان مربوطة بالقبوع. أركبه رفاقه على دابة ورافقوه إلى محبسة فونتي كولومبو القريبة من رياتي لاستشارة طبيب في تلك المدينة متخصص في أمراض العينين.

أتى الطبيب إلى المحبسة وقال لفرنسيس إنّه لا بد من كيّ الخد حتى حاجب العين المريضة. لكن القديس لم يقبل بأن تبدأ العملية قبل أن يصل الأخ إيليا. ظلّ ينتظره، لكن إيليا لم يتمكن من الحضور لارتباطه بعدة التزامات حالت دون مجيئه وظل فرنسيس بحيرة يتساءل هل يبدأ العلاج أم لا. أخيراً، أمام الضرورة الملحة وخاصة عند الأمر الذي وجهه إليه مطران أوستيا والرئيس العام، التزم أن يطيع. كان يتضايق من الاهتمام شخصياً بنفسه لهذا فضّل ترك اتخاذ مثل ذلك القرار لرئيسه.[49]

سيكافئكم الرب

47- في إحدى الليالي وقد حرمه الوجع من النوم، أخذته الشفقة على نفسه، فقال لرفاقه: ”يا إخوتي الأعزاء وأبنائي، تقبلوا دون تململ ما تتحملون من مساعدتكم لي في هذا المرض. فالرب سيردّ لكم في هذا العالم وفي الآخرة ثمر الأتعاب التي تقاسونها من أجلي أنا خادمه. وهو أيضاً سيكافئكم على الأعمال الصالحة التي أجّلتم إتمامها للاهتمام بي. لذلك، من أجل الخدمة التي تقدمونها لي ستنالون مكافأة أكبر من تلك المخصصة لمن يوجه نشاطه لتأمين خير الرهبانية كلها.“

قولوا لي: ”نحن نقوم بالمصروف لأجلك، لكن الرب هو الذي سيكون مديوناً لنا بدلاً عنك“.

هكذا كان الأب القديس يتكلم وهدفه إزالة تردد وتخوف رفاقه ولئلا يتسلط عليهم التعب ويصير يحق لهم أن يقولوا: ”انظروا، لم يعد بإمكاننا أن نصلي بل ولا أن نتحمل مثل ذلك التعب“. فإذا ما هبطت عزيمتهم أو ملّوا، ضاعت ثمار تعبهم.

كيّ غير مؤلم

48- وصل الطبيب ذات يوم حاملاً معه القضيب الحديدي المستعمل للكيّ في معالجة العين وطلب أن تشعل النار ووضع القضيب فيها ليحميّه.

أثناء ذلك، كلّم فرنسيس النار ليتشجع ضد الخوف وقال: ”يا أختي النار، إنّك مفيدة ورفيعة بين خلائق العلي، كوني لطيفة معي في هذه الساعة. إنّي أحببتكِ دائماً وسأحبك أكثر محبة بالرب الذي خلقك. وإني أصلي لخالقنا وأطلب منه أن يخفف من وهجك إلى حد أستطيع تحمله“. انتهى من صلاته ورسم على النار إشارة الصليب. ونحن الذين كنا معه، هربنا كلنا وقد غصت حناجرنا من التأثر والشفقة، وبقي هو وحده مع الطبيب.

وبعد انتهاء العملية عدنا إليه فقال لنا: ”يا لكم من رجال جبناء وقليلي الإيمان، لماذا هربتم؟ حقّاً أقول لكم إنّي لم أشعر بأي ألم ولا بحرارة الحديد المحمى. فإنّ لم أكتوِ جيداً، كرّرِوا الكيّ بطريقة أفضل“.

ظل طبيب العينين مندهشاً واعتبر ما حدث أعجوبة كبرى لأنّ فرنسيس أثناء العملية لم يبدِ بأية حركة.

وصرخ الطبيب: ”أيها الإخوة أقول لكم أن كيّاً مثل هذا لن يستطيع تحمله رجل سليم وقوي البنية كما سبق واختبرت ذلك في ظروف عديدة، فكيف احتملها فرنسيس وهو بمثل ذلك الضعف والمرض؟“

وبالفعل فإنّ عملية الكيّ استغرقت مدة طويلة إذ بدأت بالقرب من الأذن حتى وصلت إلى الحاجب وذلك لتوقيف السائل الداخلي الذي كان من سنوات عديدة ينزل ليلاً نهاراً على العينين. لذلك لزم بنظر ذلك الطبيب شق كل العروق من الأذن إلى الحاجب. بعض الأطباء الآخرين خالفوا رأي زميلهم معتبرين أنّ إجراء العملية لا يناسب وقد أصابوا في رأيهم لأنّ العملية لم تعطِ فعلاً أيّة نتيجة. بعد ذلك أجرى له طبيب آخر عملية ثقب فيها كلا الأذنين إنّما دون نتيجة أيضاً.[50]

احترامه الفائق للنار 

49- ليس من المستغرب أن نرى النار وغيرها من الخلائق تبادل فرنسيس الإكرام. هذا ما رأيناه نحن الذين عشنا معه. فإنّه كان يحيطها بالحب والاحترام وهي تجلب له الفرح الكبير. يعامل كلّ المخلوقات بلطف عفوي وتقدير حتى إنّه كان يتألم إذا ما تصرف معها أحد بطريقة غير محترمة. يفرح باطنياً وخارجياً بمحادثتها كما لو كانت تتمتع بشعور وفهم ونطق بشأن أمور الله وكثيراً ما كان ذلك مناسبة له ليغوص في تأمل الله.

جلس مرة قرب النار وراحت دون أن ينتبه إليها تمتد شيئاً فشيئاً إلى سرواله القطني باتجاه ساقه وبدأ يشعر بالحرارة. لاحظ رفيقه أنّ ثيابه بدأت تحترق فركض ليطفىء النار. لكن القديس قال له: ”يا أخي العزيز، لا تلحق الأذى بأختنا النار“. ولم يسمح له مطلقاً إطفاءها. عندئذ أسرع الأخ إلى رئيس فرنسيس واستدعاه، فأطفئت النار رغم إرادة فرنسيس.

لم يرضَ أبداً أن تطفىء الشمعة أو القنديل نظراً لاحترامه وعطفه نحو تلك الخلائق بل إنّه كان يمنع الأخ أن يرمي النار أو الجمر المدخن كما هي العادة بل يوصيه بأن يضعها بلطف على الأرض احتراماً لخالقها.[51]

الغرفة تحترق

50- أثناء صيام فرنسيس على جبل ألفرنا عند ساعة الغذاء أوقد أحد رفاقه النار في الغرفة التي اعتاد القديس أن يأكل فيها. وبعد أن أشعل النار، ذهب إلى الغرفة حيث اعتاد فرنسيس أن يصلي ويرتاح، ليقرأ له المقطع من الإنجيل المخصص لقدّاس ذلك اليوم. لأنّ فرنسيس كان يريد دائماً قبل تناول الطعام الاستماع إلى إنجيل النهار، كلما تعذرت عليه المشاركة في القداس.

ولما وصل لتناول الطعام في الغرفة التي أوقدت فيها النار، كانت ألسنتها قد وصلت إلى السقف وبدأت تحرقه. حاول الأخ إطفاء النار، لكنه لم يقدر على ذلك وحده في حين أن فرنسيس لم يرضَ أن يساعده بل أخذ جلد الصوف الذي كان يتغطى به في الليل وهرب إلى الغابة.

أثناء ذلك لاحظ إخوة ذلك المكان أنّ النار اندلعت رغم أنّهم يقيمون على مسافة بعيدة من تلك الغرفة المنفردة فركضوا وأطفؤوها. فيما بعد، عاد فرنسيس ليأكل. وبعد فراغه من الطعام، قال للأخ: ”لن أعود أفرش عليّ جلد الصوف هذا لأني بدافع من البخل أخطأت ولم أترك المجال لأختي النار أن تلتهمه“.[52]

نماذج جديدة عن حبه للخلائق

51- كان فرنسيس كلّما غسل يديه يختار مكاناً لا يمكن للأرجل أن تدوس الماء وإذا مشى على حجارة، كان يتنقل بتأنٍّ واحترام حباً لمن لُقِّب ”بالصخرة“ فيتلو عندئذ فقرة المزمور القائل ”رفعتني على الصخرة“ (مزمور 60/3) إنّما يحرّفه بدافع من التقوى والاحترام فيقول: ”تحت أرجل الصخرة رفعتني“. وكان يوصي الأخ عند ذهابه لقطع الحطب للنار ألاّ يقصّ الشجرة بكاملها بل أن يترك قسماً منها. وأعطى أمراً مماثلاً لأحد الإخوة في دير أقام فيه.

وكان يوصي الأخ المسؤول عن الحديقة، ألاّ يزرع البقول في كل أجزاء الحديقة بل أن يترك بعضها بوراً لتنبت فيه الأعشاب البرية التي تعطي في أوانها ”الأزهار إخوتنا“ يوصي كذلك الأخ البستاني أن يجهز زاوية من الحديقة يزرع ويشتل فيها من جميع أنواع الحشائش العطرة والأزهار حتى أنها يوم تتفتح تنادي كلّ من يتفرج عليها لتسبيح الله لأنّ كل خليقة تهمس وتقول: ”إن الله صنعني لأجلك أيها الإنسان“.

ونحن الذين عشنا معه رأيناه يلتذ باطنياً وخارجياً بكل المخلوقات تقريباً: يلمسها، ويتفرس بها فرِحاً، وكأن روحه لم تعدْ على الأرض بل انتقلت إلى السماء.

وإنّه من الواضح والمؤكد أنّ فرنسيس كان يلقى من مخلوقات الله تعزيات كثيرة. لذلك نظم قبل موته بقليل ”مدائح الرب لأجل خلائقه“ ليحثّ قلوب السامعين على تسبيح الله وليتمجد الخالق في خلائقه.[53]

كرَم فرنسيس

52- في تلك الحقبة من الزمن، أتت امرأة فقيرة من ماكيلونه إلى رياتي لمعالجة عينيها. وحدث أن حضر الطبيب يوماً لعند فرنسيس وأخبره قائلاً: ”أيها الأخ، قد أتت إليّ امرأة تتألم من عينيها، لكنها فقيرة جداً مما حدا بي أن أعالجها مجاناً حباً لله بل أن أدفع أنا نفقاتها“.

عند سماعه ذلك، تأثر فرنسيس شفقة على تلك المسكينة، فاستدعى أحد رفاقه وبالتحديد ذاك الذي اتخذه ”رئيساً“ وقال له: ”أيها الأخ الرئيس، علينا أن نردّ ما هو ملك لغيرنا“.

استغرب الرئيس وسأل: ”أيها الأخ، ترى ما هو ذلك الملك؟“

أجاب القديس: ”إنّه المعطف الذي استعرناه من تلك المرأة الفقيرة المصابة بمرض في عينيها. فمن واجبنا أن نرده لها“.

وافق الرئيس: ”يا أخي، اصنع ما ترى أنه الأفضل“.

عندئذ سرّ فرنسيس ونادى رجلاً روحانياً تربطه به مودة حميمة وقال له: ”خذ هذا المعطف واثني عشر رغيفاً واذهب وقل لتلك المرأة الفقيرة المريضة التي يدلّك عليها طبيب العينين: أن الفقير الذي أعرتهِ هذا المعطف يشكرك من كل قلبه على القرض الذي قدّمته له. والآن، استردّي ما هو ملكك“.

ذهب الصديق وكرر على المرأة كلمات فرنسيس. أمّا المرأة فقد تملكها الاستغراب، وفكّرت بأنّ الرجل يسخر منها فقالت: ”دعني وشأني، أنا لا أعرف عما تتكلم“. أما هو، فوضع بين يديها المعطف والأرغفة الاثني عشر. ولما تأكد لها أنّه يتكلم جدياً، أخذت الهدية مضطربة إنّما مسرورة، وخوفاً من أن تسترد منها نهضت خفية في الليل وعادت فرحة إلى بيتها. وكان فرنسيس كلّف الرئيس أن يدفع كل يوم نفقات تلك المريضة الفقيرة طيلة إقامتها في رياتي.

ونحن الذين عشنا معه، يمكننا أن نشهد أنّ فرنسيس، سواء كان بصحة جيدة أو مريضاً، كان يفيض حباً وحناناً ليس فقط نحو إخوته بل نحو كل الفقراء أصحاء كانوا أو مرضى. يحرم نفسه مما هو ضروري ومما يدبره له الإخوة بعناية ومحبة، ليقدمه بفرح للآخرين ولا يترك لجسده حتى ما هو بحاجة ماسة إليه. يعمل ذلك بلباقة كي لا يمس شعورنا.

أمره الرئيس العام ورئيسه المحلي ألاّ يتخلى عن ثوبه الرهباني لأي من الإخوة. فإنّ بعضهم، بدافع تقوى نحو فرنسيس كانوا يطلبون منه ثوبه وهو يهديهم إيّاه للحال. بل إنّه عند لقائه بأخ سقيم هزيل أو لابس ثوباً رثّاً، يعطيه ثوبه الشخصي بل يشطره أحياناً قطعتين يعطي واحدة ويحتفظ بالأخرى، لأنّه لم يلبس ولم يرضَ أن يكون تحت تصرّفه إلاّ ثوب واحد.[54]

فرنسيس يهدي ثوبه لأخوين فرنسيَّين

53- أثناء تجوّل فرنسيس للوعظ في إحدى المناطق، التقى به أخوان فرنسيّان وسبب لهما ذلك اللقاء تعزية عارمة. عندما ودّعاه، طلبا منه بدافع التقوى ثوبه الرهباني محبة لله. وما ان سمع فرنسيس ذكر محبة الله حتى نزع عنه ثوبه وبقي عرياناً بعض الوقت. وقد تعود كلما سمع أحداً يقول: ”محبة لله، أعطني ثوبك أو حبلك أو أية قطعة تلبسها“،  كان يعطيها للحال احتراماً للرب الذي سمي ”محبة“ (1 يوحنا 4/8) لكنه كان يستاء جداً ويوبخ الإخوة إذا ما سمعهم يذكرون محبة الله لأمور تافهةً ويقول: ”أنّ لِحب الله من السمّو ما يلزم بئلا نذكره إلا نادراً وعند الحاجة القصوى وذلك دائماً باحترام كبير“.

أما هذه المرة فإنّ أحد الأخوين نزع عنه ثوبه وألبسه للقديس. وكم من مرة وجد نفسه بضيق وحيرة بعد أن أعطى ثوبه كاملاً أو جزءاً منه. إذ لم يكن من السهل في اللحظة ذاتها تدبير أو خياطة ثوب آخر خاصة لإصراره الدائم ألاّ يقبل ثوباً ما لم يكن فقيراً مصنوعاً من خرق موصولة ببعضها ومرقعة في الداخل والخارج. نذر أن يقبل بل لم يقبل أبداً لبس ثوب من القماش الجديد بل كان يفضل الحصول من أحد الإخوة على ثوب اتلفته كثرة الاستعمال. في بعض الأحيان كان يأخذ جزءاً من الثوب من أحد الإخوة والجزء الثاني من أخ آخر. أما في بطانة الثوب وبسبب أمراضه وشدة ما يعانيه من البرد فإنّه كان يضيف قطعة قماش جديدة.

التزم بتلك الممارسة بخصوص الفقر في لبسه حتى سنة رحيله إلى الرب. وقبل وفاته بأيام قليلة ولشدة ما تألم من مرض الاستسقاء ولم يبقَ من جسمه إلا الجلد والعظام وانتابته أمراض عديدة، خاط له الإخوة عدة اثواب ليتمكن من تبديلها ليلاً ونهاراً حسبما تفرضه الحاجة.[55]

أمثلة أخرى عن كَرَمه

54- مرة أخرى وصل إلى محبسة الإخوة متسوّل رثّ الثياب وطلب قطعة قماش حباً بالله. فكلّف فرنسيس أحد الإخوة أن يفتش في البيت علّه يجد قطعة قماش يعطيها لذلك الفقير. لم يترك الأخ زاوية إلاّ وفتش فيها وعاد يقول أنّه لم يجد شيئاً.

لم يرضَ فرنسيس أن ينصرف ذلك المتسول صفر اليدين، فانزوى على انفراد محاولاً ألاّ يراه أحد خوفاً من ممانعة الرئيس، وأخذ سكيناً وجلس وبدأ يقصّ قطعة ألصقت داخل الثوب وفي نيته أن يعطيها سراً للفقير. لكن الرئيس الذي فهم بلحظة ما ينوي القديس فعله، فإنّه تقدم منه ومنعه من تفتيق تلك القطعة، خاصة لأنّ طقس ذلك اليوم كان قارساً وفرنسيس مريض وشديد التأثر بالبرد.

أجاب القديس: ”إذا كنت لا تريد أن أعطيه إيّاها، فلا بد من أن نعطي قطعة ما لأخينا الفقير“. وهكذا بتحريض من فرنسيس، قدم الإخوة لذلك المسكين قطعة قماش أخذوها من ثيابهم.

كان الإخوة يعيرونه أحياناً معطفاً عند ذهابه بين الناس للوعظ ماشياً أو راكباً حماراً. ولا بدّ أن نوضح أمراً وهو أنّه لما ساءت حالة فرنسيس الصحية، لم يعد يقدر التنقل مشياً على الأقدام فالتزم ركوب الحمار ولم يقبل حصاناً إلا عند الضيق وأمسّ الحاجة. لم يحدث ذلك إلاّ أياماً قليلة قبل موته إذ تدهورت جداً حالته الصحية.

لم يرض أبداً قبول معطف إلاّ بشرط أن يسمح له بإهدائه لمن يلتقيهم من الفقراء أو لمن يأتون اليه، إذا ما أوحى إليه الروح القدس بأنّ ذلك الفقير بحاجة أكيدة للمعطف.[56]

معطف الأخ إيجيديو

55- في الأيام الأولى للرهبانية، أثناء إقامة فرنسيس بالقرب من ريفو تورتو مع أخوين فقط كانا التحقا به، انضمّ إليهم رجل هو رفيقهم الثالث تاركاً العالم لاعتناق طريقة الحياة الجديدة. بقي في ذلك المكان بضعة أيام إنّما ظل يلبس ثيابه العادية.

وقدم يوماً فقير يطلب الصدقة من فرنسيس فالتفت إلى ذاك المزمع أن يكون الأخ الثالث ”أعطِ معطفك لأخينا الفقير“. فخلع للحال معطفه وأعطاه إياه. فتأكد في تلك المناسبة أنّ الله سكب في قلبه نعمة جديدة إذ أنّه أعطى المسكين ثوبه فرحاً.[57]

فرنسيس يعطي كتاب العهد الجديد

56- مرة أخرى، أثناء إقامة فرنسيس بالقرب من البورسيونكولا، أتت إلى ذلك المكان امرأة عجوز فقيرة لها ولدان في الرهبانية، جاءت تطلب الصدقة من فرنسيس إذ لم يعد لها تلك السند ما يسدّ عيشها. التفت القديس إلى الأخ بطرس دي كاتانيو الرئيس العام آنذاك وقال له: ”ماذا يمكننا أن نعطي أُمنا؟“

وإنّ فرنسيس كان يصرّح أن أُم كل من الإخوة هي أمه وأُم باقي إخوته. أجابه بطرس: ”ليس لدينا في البيت ما يمكن أن نعطيه، ثم إنّه يلزمها صدقة ذات قيمة لتنشلها من ضيقها وتؤمّن لها العيش. إنّما هناك في الكنيسة كتاب العهد الجديد لتأمين القراءات في فرض صلاة الليل“، نشير أنّه لم يكن في ذلك الوقت للإخوة كتب شحيمة لتلاوة الفرض بل عدد قليل من كتب المزامير.

أجاب فرنسيس: ”أعطِ أمَّنا العهد الجديد لتبيعه وتسد حاجاتها. وإني واثق جداً أنّ الرب وأمه العذراء القديسة سيفرحان من أن نعطي هذا الكتاب، أكثر من نقرأه“. وهكذا أهداها إيّاه.

ويمكننا بخصوص فرنسيس أن نقول عنه ونكتب ما قيل وقرِئ في سفر أيوب: ”إن الحنان خرج من بطن أمي وترعرع معي“ (أيوب 31/18).

ونحن الذين عشنا معه سيطول بنا الوقت أن كتبنا وسردنا ليس فقط ما وصل إلينا من أخبار عن محبته وانعطافه نحو البؤساء بل أيضاً ما شاهدناه نحن بأمّ العين.[58]

شفاء مواشي قرية مار الياس 

57- خلال إقامة فرنسيس في محبسة فونتي كولومبو (التي حملت فيما بعد اسم محبسة مار فرنسيس)، حصل وباء ضرب الأبقار هو نوع من الحمى القلاعية من النادر أن تسلم منها المواشي. أصيبت بتلك الآفة قطعان قرية مار الياس القريبة من تلك المحبسة وبدأت الأبقار تمرض وتموت.

وفي إحدى الليالي، رأى أحد الفلاحين الأتقياء رؤيا وسمع صوتاً يقول له: ”إذهب إلى المحبسة حيث يقيم فرنسيس واطلب من الإخوة أن يعطوك الماء التي يغسل فيها يديه ورجليه ورشّها على أبقارك كلّها فتشفى للحال“.

عند طلوع النهار نهض ذلك الفلاح وأتى إلى المحبسة وأخبر رفاق فرنسيس بما حدث. أخذ أولئك إناء ماء التقطوا فيه الماء التي غسل فيها القديس يديه عند تناول الغذاء، وعند المساء سألوه أن يسمح لهم بغسل رجليه دون أن يكشفوا له قصدهم ثم سلّموا الوعاء إلى الرجل فذهب به ورش الماء كما لو كانت الماء المبارك على الأبقار المشرفة على الموت وعلى كل القطيع. وللحال، بنعمة الله وباستحقاقات فرنسيس، شفيت كلها من ذلك المرضى. حدث ذلك أيام كان فرنسيس يحمل في يديه ورجليه وجنبه سمات آلام المسيح.[59]

شفاء الكاهن جدعون

58- أثناء إقامة فرنسيس لعدة أيّام في قصر أسقف رياتي وهو يتألم من مرض عينيه، كان أحد كهنة الأبرشية اسمه جدعون وهو رجل منقاد لروح العالم طريح الفراش تنتابه آلام مبرحة بسبب مرضٍ في الكلى. لم يكن يتمكن من الحركة أو الاستدارة في السرير إلاّ إذا ساعده أحد، ولا يقدر الوقوف أو المشي ما لم يسعفه عدة أشخاص. وإذا أمسكوه كان يمشي ملتوياً لشدة ألم كليتيه ولا يقدر الوقوف منتصباً. فطلب يوماً أن يُحمل إلى فرنسيس وارتمى عند قدميه يسأله بدموع عزيزة أن يرسم عليه إشارة الصليب.

فقال له فرنسيس: ”كيف أرسم عليك إشارة الصليب وقد مضى عليك زمن طويل وأنت عائش حسب شهوات الجسد دون أن تخاف الله وتفكر في عقابه؟“

لكن القديس لما رآه يعاني من ذلك المرض الجسيم ويئن من شدة الأوجاع أشفق عليه وقال له:‘‘إنني سأرسم عليك إشارة الصليب. لكن إن حسن للرب أن يشفيك فحذارِ أن تعود إلى حياتك الأثيمة فالحق أقول لك، إن رجعت إليها، سيصيبك من العذابات أكثر مما احتملت. فضلاً عن ذلك إنّك ستتعرض إلى عقابٍ قاس جداً بسبب خطاياك ونكرانك الجميل واحتقارك لجودة الرب“.

وما كاد فرنسيس يرسم عليه إشارة الصليب حتى انتصب جدعون للحال، وقد برئ من مرضه. ولما انتصب سمعت عظامه تقرقع مخرجة صوتاً أشبه بالذي يحدثه الحطب اليابس عندما يكسر في الأيدي.

لكن جدعون بعد سنوات قليلة عاد إلى حياته السيئة غير مكترث للكلمات التي أوحاها إليه الرب على لسان خادمه فرنسيس. فحدث له يوماً بعد أن تناول العشاء في بيته مع كاهن آخر وذهب للنوم أن انهار سطح البيت فجأة على من فيه. إنّما نجوا كلهم من الموت ما عدا ذلك البائس الذي أصيب إصابة مباشرة قتلته.[60]

فرنسيس يرسل فرساناً لطلب الصَدَقة

59- أقام فرنسيس في مدينة سيانّا وفي تشيلله دي كورتونا ثم عاد إلى كنيسة البورسيونكولا وانتقل من هناك إلى بلدة اسمها بانيارا فوق مدينة نوتشيرا. للإقامة هناك كان الإخوة قد بنوا فيها مؤخراً مقراً لهم. سكن القديس هناك أياماً عديدة لكن حالته الصحية ساءت بشكل محسوس ودب الورم في رجليه وساقيه بسبب الاستسقاء.

ولما بلغ خبر ذلك سكان أسيزي أوفدوا بسرعة فرساناً مكلفين بنقل القديس إلى أسيزي خوفاً من أن يموت بعيداً عنهم فيستولي غيرهم على جثمانه المقدس.

في طريق عودتهم مع المريض، توقفت القافلة لتناول الغذاء في قرية تابعة لمقاطعة أسيزي. وتوقف فرنسيس ورفاقه في بيت فلاح قبله ببالغ الفرح والمحبة. أثناء ذلك جال الفرسان في القرية لشراء ما يأكلون لكنهم لم يجدوا شيئاً. فعادوا إلى فرنسيس وقالوا له بلهجة الممازحة: ”أيها الاخ، لا بد أن تعطونا مما عندكم من صدقات لأنّنا لم نتمكن أن نبتاع لنا شيئاً“.

فأجابه فرنسيس بحماس روحي: ”نعم لم تجدوا شيئاً لأنّكم اتكلتم على ذبابكم أعني على المال بدل الاتكال على الله. والآن عودوا إلى البيوت التي قصدتموها للشراء واطلبوا الصدقة حباً بالله دون أن تخجلوا. فإنّ الرب سيلهم أولئك الناس فيعطونكم بوفرة“.

ذهب الفرسان وطلبوا الصدقة كما أوصاهم الأب القديس فأعطاهم الرجال والنساء بسخاء وفرح أكثر مما طلبوا. وعاد الفرسان إلى فرنسيس فرحين وأخبروا بما جرى. واعتبروا الحادث أعجوبة كبرى لاسيما أنّ ما تنبأ به القديس تحقق حرفياً.[61]

الثناء على طالبي الصدقة

60- اعتبر فرنسيس طلب الصدقة حباً بالله أشرف بادرة وارفعها وأكرمها أمام الله وأمام الناس أيضاً، فإنّ كل ما خلقه الآب السماوي هو لمنفعة الناس والرب يتابع عطاءه مجاناً حتى بعد الخطيئة لمن يستحق ولمن لا يستحق أيضاً نظراً للحب الذي يحمله لابنه الحبيب.

لذلك كان فرنسيس يردد أنّ على خادم الله أن يطلب الصدقة حباً بالرب الإله بصراحة وفرح كما يفعل رجل يتزيَّ باللباقة والشهامة .

عندما يقصد شراء سلعة ما فيقول: ”عن أي شيء قيمته ديناراً إنّي ادفع مائة مارك فضة. بل ألف مرة أكثر. لأنّ خادم الله يقدم لمن يحسن بدلاً عن صدقته، محبة الله تلك التي إزاءها كل خيرات العالم بلا خيرات السماء أيضاً لا تساوي شيئاً“.

قبل أن يكثر عدد الإخوة ومثل ذلك بعد أن تزايد عددهم، لما كان فرنسيس يذهب إلى العالم ليبشر، كان لا بد أن يمر في مدن وقرى ليس فيها مَقَرّ للإخوة وبالتالي كان بعض الوجهاء أو الاغنياء يرجونه بلطف أن يأتي ليأكل وينام في بيتهم.

كان القديس يعرف أن مضيفه سيعدّ بكثرة كل ما هو ضروري لجسده حباً بالرب الإله. رغم ذلك فإنّه إمّا لإعطاء المثل الصالح للإخوة وإمّا نظراً لنبل وكرامة ”السيدة فضيلة الفقر“ كان عندما يحين وقت الطعام يذهب لطلب الصدقة ويعطي للذي دعاه هنا التبرير: ”إني لا أريد التنازل عن كرامتي الملوكية ولا عن تراثي ودعوتي ولا عما نذرته أنا وإخوتي الأصاغر، وهو أن أذهب لطلب الصدقة. حتى ولو حصلت فقط على ثلاث كَسِر من الخبز، فالأمر غير مهم. المهم هو أني أريد ممارسة ما نذرت“. وهكذا، رغم معارضة مضيفه، كان يذهب لطلب الصدقة، ومضيفه أحياناً يخرج معه فيتسلم ما يجمعه فرنسيس من صدقات ويحتفظ بها فيما بعد كذخيرة بدافع من تقواه نحو القديس.

يشهد كاتب هذه الأسطر أنه رأى مراراً عديدة أحداث مماثلة.[62]



[1] هوشع 6/6؛ متى 7/12.

[2] 2 شيلانو 1؛ فارس الكمال 5/7؛ مرآة الكمال 27.

[3] 2 شيلانو 21؛ مرآة الكمال 27؛ الزهيرات 18.

[4] 2 شيلانو 74؛ مرآة الكمال 18.

[5] مرآة الكمال 19.

[6] 2 شيلانو 176؛ مرآة الكمال 28.

  7 فتح له مرافق فرنسيس في محبسته. 

[8] 2 شيلانو 100؛ فارس الكمال 10/ 5. يضيف شيلانو أنّ الأسقف صار أخرس ولم يستعد النطق إلاّ عندما اعترف للإخوة بما جرى.

[9] قد يكون الأخ برنار أو الأخ ليون.

[10] 2 شيلانو 124؛ مرآة الكمال 106.

[11] 2 شيلانو 18؛ مرآة الكمال 55؛ الرفاق الثلاثة 56.

[12] 2 شيلانو 19؛ مرآة الكمال 55.

[13] 2 شيلانو 19؛ مرآة الكمال 25.

[14] 2 شيلانو 57؛ فارس الكمال 7/2؛ مرآة الكمال 7.

[15] مرآة الكمال 8.

[16] 2 شيلانو 59؛ مرآة الكمال 9؛ 2 شيلانو 56.

[17] مرآة الكمال 10.

[18] 2 شيلانو 146؛ مرآة الكمال 10.

[19] مرآة الكمال 10.

[20] مرآة الكمال 87.

[21] مرآة الكمال 56.

[22] 2 شيلانو 190؛ مرآة الكمال 56      57.

[23] 2 شيلانو 81؛ فارس الكمال 7/3.

[24] 2 شيلانو 115؛ مرآة الكمال 99.

[25] مرآة الكمال 58.

[26] 2 شيلانو 122-123؛ فارس الكمال 10/3؛ 6/6؛ مرآة الكمال 59-60.

[27] 2 شيلانو 126؛ مرآة الكمال 5/11؛ الزهيرات 2.

[28] مرآة الكمال 104؛ الزهيرات 19.

[29] 2 شيلانو 44؛ فارس الكمال 7/11؛ مرآة الكمال 110.

[30] 2 شيلانو 38؛ فارس الكمال11/6.

[31] 2 شيلانو 40؛ مرآة الكمال 103.

[32] مرآة الكمال.

[33] 2 شيلانو 31؛ فارس الكمال11/8.

[34] 2 شيلانو 45؛ فارس الكمال 12:11.

[35] 2 شيلانو 61؛ فارس الكمال 9:7؛ مرآة الكمال 20.

[36] 2 شيلانو 63؛ مرآة الكمال 21.

[37] 2 شيلانو 35؛ فارس الكمال8/11.

[38] 2 شيلانو 37؛ مرآة الكمال 105.

[39] 2 شيلانو 101؛ فارس الكمال 10/5.

[40] مرآة الكمال 91؛ 2 شيلانو 11؛ 2 شيلانو 3؛ الرفاق الثلاثة 14؛ مرآة الكمال 92.

[41] 2 شيلانو 105.

[42] 1 شيلانو 52؛ مرآة الكمال 61.

[43] 2 شيلانو 130- 131؛ مرآة الكمال 62.

[44] 2 شيلانو 132؛ مرآة الكمال 63.

[45] مرآة الكمال 91.

[46] 2 شيلانو 213؛ مرآة الكمال 100.

[47] مرآة الكمال 100.

[48] 2 شيلانو 204؛ مرآة الكمال 90؛ نص النشيد في الكتابات.

[49] مرآة الكمال 115.

[50] 2 شيلانو 166؛ مرآة الكمال 115.

[51] مرآة الكمال 116.

[52] مرآة الكمال 117.

[53] 2 شيلانو 165؛ فارس الكمال 9/1؛ مرآة الكمال 118.

[54] 2 شيلانو 92؛ مرآة الكمال 33.

[55] 2 شيلانو 181؛ مرآة الكمال 34.

[56] 2 شيلانو 196؛ فارس الكمال 9/1؛ مرآة الكمال 35.

[57] مرآة الكمال 36؛ الرفاق الثلاثة 44.

[58] 2 شيلانو 91؛ مرآة الكمال 38.

[59] 3 شيلانو 18؛ فارس الكمال 13/6.

[60] 2 شيلانو 41؛ فارس الكمال11/5.

[61] 2 شيلانو 77؛ فارس الكمال 7/10؛ مرآة الكمال 22.

 

[62] 2 شيلانو 72؛ فارس الكمال /77؛ مرآة الكمال 22.

 

التالى

الرهبان الفرنسيسكان بمصر
نريد أن نكون شهودا للفرح
الآن