همسة
فالنثق في لعناية الإلهية
كتابات القدّيس فرنسيس2

صَلاةٌ أَمامَ المصلوب

(1205-1206)  

 

إِنَّ سِيَرَ حياةِ القدِّيسِ فرنسيسَ، الَّتي دَوَّنَها توما مِنْ شيلانو، والقدِّيسُ بُونَافَنْتُورا، تَصِفُ أُولى سنوات ِارتِدادِ فرنسيسَ بِأَنَّها تَمَيَّزَتْ بالبحثِ، والجهدِ، لتمييزِ إرادةِ الله. إِنَّما سيرَةُ الرِّفاقِ الثَّلاثَةِ، بِحَسَبِ مَخطوطَينِ[1]، تَختَصِرُ مَسيرَةَ فرنسيسَ، وبَحْثَهُ، في هَذِهِ الصَّلاةِ، وتَضَعُها عَلى لِسانِهِ، عِندَما يَركَعُ أَمامَ المَصلوبِ، في كَنيسَةِ القدِّيسِ دَميانوس، في أسِّيزي. ومُعْظَمُ المَخطوطاتِ الَّتي تَنقُلُ إِلَينا هَذِهِ الصَّلاةَ، تُشيرُ إِلى أنَّها وُلِدَتْ عَلى أََقدامِ الصَّليبِ المُعَلَّقِ في كَنيسَةِ القدِّيسِ دَميانوس. هَذِهِ الصَّلاةُ، طَبْعاً، تَعْكِسُ بَحْثَهُ عَنْ إِرادَةِ اللهِ في السَّنَواتِ الأُولى، لَكِنَّها تُشيرُ، أَيضاً، إلى رَغبَتِهِ الدَّائِمَةِ في تَتْميمِ المشيئةِ الإِلهيَّة. مِنَ المُحتَمَلِ أَنْ تَكونَ هَذِهِ الصَّلاةُ البَسيطَةُ، الَّتي نُقِلَتْ إِلَينا باللاَّتينِـيَّةِ، والإِيطالِـيَّةِ، قَدْ تَأَثَّرَتْ بالصَّلَواتِ اللِّيتورجِيَّةِ الخاصَّةِ بالقُدَّاس. وبِقَدْرِ ما انتَشَرَتْ، وصارَتْ أَكثَرَ شَعبِيَّةً، فَقَدَتْ شَيئاً مِنْ بَساطَتِها، وتَحَسَّنَ شَكْلُها[2]. فالنَّصُّ الَّذي نُقَدِّمُهُ، هُنا، هوَ أَبسَطُ النُّصوصِ، وهوَ موجودٌ في أََكثَرِيَّةِ المَخطوطات.

 

أيُّها الإِلَهُ السَّامي، المَجيدُ،

أَنِرْ ظُلُماتِ قَلبي،

وأَعطِني إيماناً مُستَقيماً،

ورَجاءً ثابِتاً،

ومَحَبَّةً كامِلَةً[3]،

وإِحساساً وإِدراكاً، يا رَبُّ،

كَيْ أُتَمِّمَ[4] وصِيَّتَكَ المُقَدَّسَةَ والحَقَّة. 


نَهْجُ الحياةِ إِلى القدِّيسَةِ كلارا وأَخَواتِها

(1212-1213)

  

          وصَلَنا هَذا النَّصُّ الصَّغيرُ، في قانونِ القدِّيسَةِ كلارا، الفَصلُ السَّادِسُ، حَيْثُ، في أَواخِرِ حَياتِها، بَعْدَ أََكثَرَ مِنْ عِشرينَ عاماً عَلى وفاةِ القدِّيسِ فرنسيسَ، راجَعَتِ القدِّيسةُ ذِكرَياتِ السَّنواتِ الأُولى مِنْ حَياتِها الرُّهبانِيَّةِ، وقالَتْ إِنَّهُ عِنْدَما رَأَى القدِّيسُ فرنسيسُ كلارا وأَخَواتِها لا يَخْشَيْنَ الفَقْرَ، والعَمَلَ، والأَلَمَ، بَلْ نَظَرْنَ إِلى هَذِهِ الأُمورِ بِفَرَحٍ كَبير، تَأَثَّرَ، وكَتَبَ لَهُنَّ نَهْجَ حَياةٍ. والنَّصُّ الَّذي قَدَّمَتْهُ لا يَحتَوي، عَلى الأَرجَحِ، نَهْجَ الحياةِ بِكامِلِهِ، بَلْ هوَ جِزْءٌ مِنْهُ، ويُمَثِّلُ الأَساسَ الثَّالوثيَّ للكَمالِ الإِنجيليّ. وقَد حافَظَتْ عَلَيْهِ كلارا بِمَثابَةِ ذخيرةٍ ثمينة. نَجِدُ إِثباتاً آخَرَ عَلى وُجودِ هَذا النَّصِّ في رِسالَةٍ للبابا غريغوريوس التَّاسِع إِلى القدِّيسَةِ أََنياس مِنْ براغ (11 أيَّار 1238): ”بَعْدَ أَنِ اختارَتْ كلارا، وبَعْضُ النِّسْوَةِ الأُخرَياتِ القدِّيساتِ، في الرَّبِّ، أَنْ يَخدِمْنَ الرَّبَّ في الحياةِ الرُّهبانِيَّة، أََعطاهُنَّ الطُّوباويُّ فرنسيسُ نَهْجَ حياة“.

 

(1) بِما أنَّكُنَّ،

بِإِلهامٍ إِلَهِيٍّ[5]،

جَعَلْتُنَّ مِنْ ذَواتِكُنَّ بَناتٍ وإِمَاءW 

 للمَلِكِ العَلِيِّ، والأَسْمى، الآبِ السَّمـاويِّ،

وصِرْتُنَّ عَرائِسَ للرُّوحِ القُدُسِ،

 باختِيارِكُنَّ العَيْشَ، وَفْقاً لِكَمالِ الإِنجيلِ المُقَدَّسِ،

 (2) أُريدُ، وأَعِدُ،

بِاسمي، وباسمِ إِخْوَتي،

أَنْ أَعتَنيَ، دائِماً، عِنايَةً وِدِّيَّةً،

وأَنْ أََهتَمَّ اهتِماماً خاصّاً بِكُنَّ،

مِثْلَما أَعتَني وأَهتَمُّ بِهِم[6]. 



الرِّسالَةُ الأُولى إِلى المؤمنِين

(المُناشَدَةُ الأُولى إلى إِخْوَةِ التَّوبةِ وأَخَواتِها)

(1209-1215)  

 

          إِنَّ الدِّراساتِ الَّتي قامَ بِها   ”إِسَّار أََعطَتْ أَهَمِّـيَّةً جَديدَةً لِهَذِهِ الوَثيقَةِ الَّتي كانَتْ مَنْسِيَّةً لِفَترَةٍ طَويلَةٍ. فَقَدَّمَ أَقدَمُ مَخْطوطٍ، وهوَ في مَدينَةِ فولتيرَّا الإِيطاليَّة (رقم 225)، هَذِهِ الوَثيقَةَ بالكَلِماتِ التَّالِيَة: ”هَذِهِ كَلِماتُ الحياةِ والخَلاصِ، فَمَنْ قَرَأََها واتَّبَعَها وجدَ الحياةَ، وحَصَلَ مِنَ الرَّبِّ عَلى الخَلاص“. لَكِنْ، بَيْنَما يُعطي إِسَّارُ هَذِهِ الوَثيقَةَ عُنوانَ: ”الصِّيغَةُ الأُولى للرِّسالَةِ إِلى المؤمِنين“، فَضَّلَ بَعضُ العُلَماءِ، عَلى ضَوءِ دِراساتِ روفائيل باتسِلِّي، تَسْمِيتَها، ”المُناشَدَةُ الأُولى إِلى إِخْوَةِ التَّوبَةِ وأَخَواتِها“. فَهَذا العُنوانُ الجَديدُ يُعبِّرُ، بِوُضوحٍ، عَنْ حَقيقَةِ هَذِهِ الوَثيقَةِ[7]، الَّتي، كَما رَأُوها، لَيْسَت بِرِسالَةٍ، بَلْ هيَ مُناشَدَةٌ، وهيَ لَيْسَت مُوَجَّهَةً إِلى كُلِّ المؤمِنينَ، بَلْ إِلى أولَئِكَ التَّائِبينَ الأَوائِلِ، الَّذيْنَ أَتَوا إِلى فرنسيسَ يَطلُبونَ المُشارَكَةَ في نَهْجِ حَياتِهِ الإِنجيلِيَّةِ، إِنَّما ضِمْنَ إِطارِ حَياتِهِم العائليَّة. وبَعْدَ أَنْ أَعادَ إِسَّارُ الاِعتِبارَ إِلى هَذِهِ المُناشَدَةِ الأُولى، أََصبَحَتْ، مُنْذُ ذَلِكَ الحينِ، تُشَكِّلُ مُقَدِّمَةً للقانونِ الحاليِّ، لِرَهبَنَةِ مار فرنسيس للعلمانيِّين. إِنَّ الصِّيغَةَ الأُولى لِهَذِهِ الوَثيقَةِ هيَ أُقْصَرُ مِنَ الصِّيغَةِ الثَّانيَة، وهيَ تَتَمَيَّزُ بِبَساطَةِ التَّعبيرِ، وتُقْسَمُ إِلى قسمَيْنِ: ”الَّذيْنَ يَحْيَونَ التَّوبَةَ“، و”الَّذيْنَ لا يَحْيَونَ التَّوبَة“. فَحَياةُ التَّوبَةِ، بالنِّسبَةِ إِلى فرنسيسَ، هيَ حُبٌّ للرَّبِّ، وسجودٌ لَهُ، وطاعَةٌ لأَِوامِرِهِ، بِكُلِّ القلب.

 

 

باسمِ الرَّبّ!

1. الَّذيْنَ يَحْيَونَ التَّوبة[8]

(1) جَميعُ الَّذيْنَ يُحبُّونَ الرَّبَّ مِنْ كُلِّ قَلْبِهِم، ومِنْ كُلِّ نَفْسِهِم، وكُلِّ ذِهنِهِم، وكُلِّ قُوَّتِهِم، ويُحِبُّونَ قَريبَهُم كَأَنفُـسِهِم؛ (2) ويُبغِضونَ أَجسادَهُم مَعَ الرَّذائِلِ والخَطايا؛ (3) ويَتَناوَلونَ جَسَدَ رَبِّنا يَسـوعَ المَسيحِ ودَمَهُ؛ (4) ويُثْمِرونَ ثِماراً تَليقُ بالتَّوبَة، (5) آهٍ، هُمْ، هُمُ السُّعَداءُ[9] ومُبارَكُونَ أُولَئِكَ (الرِّجالُ والنِّساءُ)، عِنْدَما يَعمَلونَ هَذِهِ الأَعمالَ، ويُثابِرونَ عَلَيْها؛ (6) لأَِنَّ روحَ الرَّبِّ يَسْتَقِرُّ عَلَيْهِم، ويَجْعَلُ لَدَيْهِمْ مَقامَهُ وَمَسْكَنَهُ؛ (7) وهُمْ أَبناءُ الآبِ السَّماويِّ، الَّذي يَعْمَلونَ أَعمالَهُ، وهُمْ عَرائِسُ رَبِّنا يَسوعَ المَسيحِ، وَإِخْوَتُهُ، وَأُمَّهاتُه.

(8) نكونُ عَرائِسَ عِنْدَما تَتَّحِدُ النَّفْسُ المُخْلِصَةُ[10]، بِوَاسِطَةِ الرُّوحِ القُدُسِ، بِرَبِّنا يَسوعَ المَسيح. (9) ونكونُ إِخْوَةً لَهُ عِنْدَما نَعْمَلُ بِمَشيئَةِ الآبِ الَّذي في السَّمَوات. (10) ونكونُ لَهُ أُمَّهاتٍ، عِنْدَما نَحْمِلُهُ في قَلْبِنا، وفي جَسَدِنا، بِحُبٍّ إِلَهيٍّ، وبِضَميرٍ نَقِيٍّ وصادِقٍ، وعِنْدَما نَلِدُهُ بالعَمَلِ المُقَدَّسِ[11]، الَّذي يَنْبَغي أَنْ يَتَلألأَ، قُدْوَةً للآخَرين.

(11) آهٍ! إِنَّهُ لَمَجيدٌ، ومُقَدَّسٌ، وعَظيمٌ، أَنْ يَكونَ للمَرْءِ أَبٌ في السَّمَوات![12] (12) آهٍ! إِنَّهُ لَمُقَدَّسٌ، ومُعَزٍّ، وجَميلٌ، ورائِعٌ، أَنْ يَكونَ لَهُ مِثْلُ هَذا العَروس! (13) آهٍ! إِنَّهُ لَمُقَدَّسٌ، ومُبْهِجٌ، ومُمْتِعٌ، ومُتَواضِعٌ، وسَلامِيٌّ، وعَذْبٌ، ومَحْبوبٌ، ومَرْغوبٌ فيهِ، فوقَ كُلِّ شَيءٍ، أَنْ يَكونَ لَهُ مِثْلُ هَذا الأَخِ، ومِثْلُ هَذا الاِبنِ، رَبِّنا يَسوعَ المَسيح، الَّذي بَذَلَ النَّفْسَ في سَبيلِ خِرافِهِ، وصَلَّى إِلى أَبيهِ، قائِلاً:

(14) يا أَبَتِ القُدُّوسَ، احْفَظْ باسمِكَ، أُولَئِكَ الَّذيْنَ أَعْطَيْتَني إِيَّاهُم، في العالَم. كانوا لَكَ، فأَعْطَيْتَني إِيَّاهُم؛ (15) وَأَنا أَعطَيْتُهمُ الكَلامَ الَّذي أَعطَيْتَنيه، وَقَد تَقبَّلوهُ، وآمَنوا، حَقّاً، بِأَنِّي خَرَجْتُ مِنْ لَدُنكَ، وعَرَفوا أَنَّكَ أَنْتَ أَرسَلْتَني.

(16) إِنِّي أَدْعو لَهُم، لا للعالَمِ، (17) بارِكْهُمْ، وَقَدِّسْهُمْ. فَمِنْ أَجلِهِم أُقَدِّسُ نَفْسي. (18) لا أَدْعو لَهُمْ وحْدَهُمْ، بَلْ للَّذينَ سَيُؤمِنونَ بي، عَنْ كَلامِهِم، لِكَي يَكونوا مُقَدَّسينَ في الوَحْدَةِ، مِثْلَنا.

(19) وأُريدُ، يا أَبَتِ، أَنْ يَكونوا، هُمْ أَيضاً، مَعي، حَيثُما أَكونُ، لِكَي يُعايِنوا مَجْدي في مَلَكوتِكَ. آمين.

 

2. الَّذيْنَ لا يَحْيَونَ التَّوبة[13]

(1) أَمَّا جَميعُ الَّذيْنَ، واللَّواتي، لا يَحْيَونَ التَّوبةَ، (2) ولا يَتَنـاوَلونَ جَسَدَ رَبِّنـا يَسوعَ المَسيحِ ودَمَهُ، (3) ويَستَسلِمونَ لـلرَّذائِلِ والخَطايا، ويَسيرونَ في إِثْرِ الشَّهْوَةِ الفاسِدَةِ، ورَغَباتِ جَسَدِهِم[14] الشِّرِّيرَةِ؛ (4) ولا يَتَقَيَّدونَ بِما وعَدوا بِهِ الرَّبَّ، (5) ويَخْدُمونَ، جَسَديّاً[15]، العالَمَ، بالرَّغَباتِ الجَسَدِيَّةِ، ومَشاغِلِ الدُّنيا، وهُمومِ هَذِهِ الحياة، (6) فَهُمْ أَسْرى لإِبليسَ، إِذْ إِنَّهُم أَبناؤُهُ، ويَعمَلونَ أَعمالَهُ، (7) وهُمْ عُميانٌ، لأَِنَّهُم لا يَرَوْنَ النُّورَ الحَقَّ، رَبَّنا يَسوعَ المَسيح. (8) ولَيْسَ لَدَيهِم حِكْمَةٌ روحِيَّةٌ، لأَنْ لَيْسَ لَدَيهِم ابنُ الله، حِكْمَةُ الآبِ الحَقيقِيَّة. (9) فيهِم قِيلَ: لَقَدِ ابتُلِعَتْ حِكْمَتُهُم، وقِيلَ أَيضاً: مَلعونونَ هُمُ الَّذيْنَ يَبْتَعِدونَ عَنْ وصاياكَ. (10) إِنَّهُم يَرَوْنَ الشَّرَّ، ويُقِرُّونَ بِهِ، ويَعْلَمونَهُ، ويَفْعَلونَهُ؛ وهُم ذاتُهُم يَخْسَرون نُفوسَهُم، عَن مَعْرِفَة.

(11) انظُروا، أَيُّها العُميانُ، المَخْدوعونَ بِأَعدائِكُم، الجَسَدِ[16]، والعالَمِ، وإِبْليسَ؛ فَإِنَّهُ لَعَذْبٌ للجَسَدِ ارتِكابُ الخَطيئَةِ، ومُرٌّ هوَ القيامُ بِخدمَةِ اللهِ؛ (12) إِذْ إِنَّ جَميعَ الرَّذائِلِ، والخَطايا، تَخْرُجُ وَتَنْبَعِثُ مِنْ قُلوبِ البَشَرِ، كَمـا يَقولُ الرَّبُّ في الإِنجيل. (13) ولا شيءَ لَـكُم، لا في هَذا الدَّهرِ، ولا في الآتي. (14) وتَظُنُّونَ أَنَّكُم سَتَمْتَلِكونَ، طَويلاً، أَباطيلَ هَذا العالَمِ، ولَكِنَّكُم مَخْدوعونَ، إِذْ سَيأْتي اليومُ، والسَّاعَةُ، اللَّذانِ لا تُفَكِّرونَ فيهِما، ولا تَعرفونَهُما، وتَجْهَلونَهُما؛ فَيَعْتَلُّ الجَسَدُ، ويَدْنو المَوْتُ، ويَموتُ المَرْءُ، هَكَذا، مَوْتاً مَريراً. (15) وأَيْنَما، وكُلَّما ماتَ إِنسانٌ، بِأَيِّ شَكْلٍ مِنَ الأَشكالِ، وهوَ في حالَةِ الخَطيئَةِ المُميتَةِ، مِنْ غَيْرِ تَوبَةٍ ولا تَكْفيرٍ، إِنْ هوَ كانَ قادِراً عَلى التَّكْفيرِ، ولَمْ يُكَفِّرْ، فَيَخْطَفُ إِبْليسُ نَفْسَهُ مِنْ جَسَدِه[17]، بِكَثيرٍ مِنَ الضِّيقِ والشِّدَّةِ، الأَمرُ الَّذي لا يَستَطيعُ مَعْرِفَةَ مَداهُ سِوى مَنْ يُكابِدُه.

(16) وسَيُسْلَبونَ كُلَّ ما كانوا يَظُنُّونَ أنَّه لَهُم، مِنْ مَواهِبَ، وقُدْرَةٍ، وَمَعْرِفَةٍ، وحكمة. (17) ويَترُكونَ كُـلَّ شَيءٍ للأَقارِبِ والأَصدِقاءِ؛ وهؤلاءِ، بَعْدَ أَنْ يأْخُذوا ثَرْوَتَهُ، ويَقْسِموها، سَيَقولون: مَلْعونَةٌ هيَ نَفْسُهُ، فَقَد كانَ بِإِمكانِهِ أَنْ يَهَبَنا أَكثَرَ مِمَّا وَهَبَ، واقتِناءَ أَكثَرَ مِمَّا اقتَنى. (18) ويَلْتَهِمُ الدُّودُ الجَسَدَ، ويَفْقِدُونَ، هَكَذا، الجَسَدَ والنَّفْسَ، في هَذا الدَّهرِ القَصيرِ الأَمَدِ، ويَذهَبونَ إلى جَهَنَّمَ، حَيْثُ يُعَذَّبونَ إلى ما لا نهاية.

(19) إِنَّنا نَرجو، في المحبَّةِ الَّتي هيَ اللهُ، كُلَّ الَّذيْنَ سَتَصِلُ إِلَيْهِم هَذِهِ الرِّسالَةُ، أَنْ يَقْبَلوا، بِحُبٍّ إِلَهِيٍّ ولُطْفٍ، كَلِماتِ رَبِّنا يَسوعَ المَسيحِ العَطِرَةِ، والوارِدَةِ أَعلاه. (20) والَّذيْنَ لا يُجيدونَ القِراءَةَ، فَلْيَسْتَعينوا بِمَنْ يُكرِّرُ قِراءَتَها عَلى مَسامِعِهِم؛ (21) ولْيُحافِظوا عَلَيها عامِلينَ بِمُوجَبِها، حَتَّى النِّهـايَةِ، فَهْيَ روحٌ وَحياة.

(22) والَّذيْنَ لنْ يَفعَلوا ذَلِكَ، سَيُؤدُّونَ الحِسابَ عَنْها، يومَ الدَّينونَةِ، أَمامَ مَحْكَمَةِ رَبِّنا يَسوعَ المَسيح.


الرِّسالَةُ الأُولى إلى رِجالِ الإِكليروس

(المُناشَدَةُ الأُولى إِلى رِجالِ الإِكليروس)

(1215-1219)

 

 

 

          الرِّسالَةُ إِلى رِجالِ الإِكليروس، أََو مُناشَدَةُ رِجالِ الإِكليروس، كَما يَقتَرِحُ بَعْضُهُم تَسْمِيَتَها[18]، بِما أَنَّها لا تَحْمِلُ التَّحِيَّةَ الخاصَّةَ بالرَّسائِلِ، مَوْجودَةٌ في صيغَتَيْنِ مُتَشابِهَتَيْن، غَيْرَ أَنَّ الصِّيغَةَ الثَّانِيَةَ تَحمِلُ في آخِرِها[19] إِشارَةً واضِحَةً إِلى قَرارٍ بابَويٍّ، أَصدَرَهُ البابا هونوريوس الثَّالِثُ، في 22 تشرين الثَّاني 1219 (Sane cum olim) لِتَطبيقِ قَراراتِ المَجْمَعِ اللاَّتِرانيِّ الرَّابِعِ (1215)، حَوْلَ سِرِّ الإِفخارستيَّا. لِذَلِكَ، بِما أَنَّ الصِّيغَةَ الأُولى لا تَحْمِلُ هَذِهِ الإِشاراتِ الواضِحَةَ، يُجْمِعُ العُلَماءُ عَلى أنَّها كُتِبَت قَبْلَ ذَلِكَ التَّاريخِ، وبَعْدَ المَجْمَعِ اللاَّترانيِّ الرَّابِعِ، الَّذي تَأَثَّرَتْ بِه. كانَتْ هَذِهِ الوَثيقَةُ مَجْهولَةً، لِزَمَنٍ طَويلٍ، حَتَّى تَمَّ اكتِشافُها، عَلى الصَّفْحَةِ البَيْضاءِ لِكِتابِ القُدَّاسِ الخاصِّ بِدَيْرِ سُوبْيَاكو، وهيَ الآنَ مَحْفوظَةٌ في روما. ويُرَجَّحُ أَنَّ نَصَّ هَذِهِ الوَثيقَةِ قَدْ نُسِخَ بَيْنَ 1219 و1238، وقَدْ رُسِمَتْ، عَلى الصَّفْحَةِ ذاتِها، عَلامَةُ التَّاو، الَّتي كانَ فرنسيسُ يُنْهي بِها كُلَّ رسائِلِه. وفي هَذِهِ الرِّسالَةِ أَو المُناشَدَةِ، يَتَكَلَّمُ عَلى الاِحتِرامِ الواجِبِ نَحْوَ سِرِّ الإِفخارستيَّا، وعَلى الاِهتِمامِ بِكُلِّ ما لَهُ صِلَةٌ بِهَذا السِّرِّ (كَنائِسَ، مَذابِحَ، كُؤوسٍ وأَوانٍ مُقَدَّسَةٍ، شراشِفِ المَذْبَحِ)، وعَلى الاِحتِرامِ الفائِقِ في حَمْلِه.

 

 

(1) فَلْنَتَبَيَّنْ، نَحْنُ الإِكليريكيِّينَ، جَميعَنا، الخَطيئَةَ الكُبرى، والجَهْلَ لَدَى بَعْضِهِم، حَيالَ جَسَدِ رَبِّنا يَسوعَ المَسيح، ودَمِهِ، الكُلِّيَّي القَداسَةِ، وأَسمائِهِ الكُلِّـيَّةِ القَداسَةِ، وكَلِماتِهِ المَكتوبَةِ الَّتي تُقَدِّسُ الجَسَد. (2) وإِنَّنا نَعْلَمُ أَنَّهُ لا يُمْكِنُ أَنْ يَكونَ الجَسَدُ، ما لَمْ يُقَدَّسْ، مِنْ قَبْلُ، بالكَلِمَة. (3) فَنَحنُ لا شَيءَ لَدَيْنا، ولا نَرَى جَسَدِيّاً، مِنَ العَلِيِّ نَفْسِهِ، في هَذا العالَمِ، سِوى الجَسَدِ والدَّمِ، والأَسماءِ، والكَلِماتِ الَّتي بِها صُنِعْنا، وافتُدينا مِنَ المَوتِ إلى الحَياة.

(4) وعَلى جَميعِ مَنْ يُوَزِّعونَ هَذِهِ الأَسرارَ الكُلِّـيَّةَ القَداسَة، ولا سِيَّما أُولَئِكَ الَّذيْنَ يُوَزِّعونَها بِطَريقَةٍ غَيْرِ شَرْعِيَّة،ٍ أَنْ يَتَفَكَّروا كَيْفَ أَنَّ الكُؤوسَ، والصَّمْداتِ، والشَّراشِفَ، الَّتي يُقَرَّبُ عَلَيْها جَسَدَهُ ودَمَهُ، مُهْمَلة[20]. (5) وإِنَّ كَثيرينَ يَضَعونَهُ، ويَتْرُكونَهُ في أَماكِنَ مُزْرِيَةٍ، ويَحْمِلونَهُ بِطَريقَةٍ يُرْثى لَها، ويَتناوَلونَهُ بِلا جَدارَةٍ، ويُوَزِّعونَهُ عَلى الآخَرينَ بِلا تَمْييز[21]. (6) وأَحياناً، تُداسُ بالأَرْجُلِ أَسماءُ رَبِّنا، وكَلِماتُهُ المَكْتوبَة. (7) فَالإِنسانُ البَشَريُّ[22]، لا يَتَبَيَّنُ ما هوَ لله.

(8) أَلا يُثيرُ ذَلِكَ شَفَقَتَنا، في حينِ أَنَّ رَبَّنا الشَّفوقَ نَفْسَهُ يُقَدِّمُ ذاتَـهُ بَيْنَ أَيدينا، ونَحْنُ نَلْمُسُهُ يَوْمِيّاً، ونَتَنـاوَلُهُ بِفَمِنا؟ (9) أَوَنَجْهَلُ أَنَّ عَلَيْنا أَنْ نَحْضُرَ بَيْنَ يَدَيْه؟ (10) فَلْنُصْلِحْ، إِذاً، ذَواتِنا مِنْ كُلِّ تِلْكَ الأُمورِ، ومِنْ غَيْرِها، بِسُرْعَةٍ وحَزْم. (11) ولْيُنْتَزَعْ جَسَدُ رَبِّنا يَسوعَ المَسيح، الكُلِّيُّ القَداسَةِ، مِنْ أَيِّ مَكانٍ وُضِعَ وتُرِكَ فيهِ، بِشَكْلٍ غَيْرِ لائِقٍ، ولْيوضَعْ ويُحْفَظْ في مَكانٍ ثمين[23]. (12) وكَذَلِكَ، حَيْثُما وُجِدَتْ أَسماءُ رَبِّنا وكَلِماتُهُ المَكتوبَةُ، في أَماكِنَ قَذِرَةٍ، فَلْتُلْتَقَطْ، ولْتُوضَعْ في مَكانٍ لائِق.

(13) كُلُّ رِجالِ الإِكليروسِ مُلْزَمونَ، حَتَّى النِّهايَةِ، بِحِفْظِ كُلِّ ذَلِكَ، فَوْقَ كُلِّ شَيء. (14) ولْيَعْلَمِ الَّذيْنَ لا يَفْعَلونَ ذَلِكَ، بِأَنَّ عَلَيْهِم أَنْ يُؤَدُّوا عَنْهُ حِساباً، يَومَ الدَّينونَةِ، أَمامَ رَبِّنا يَسوعَ المَسيح. (15) ولْيَعْلَمِ الَّذيْنَ سَيَنْسَخونَ هَذهِ المُدَوَّنَةَ، لِكَيْ تُحْفَظَ عَلى نَحْوٍ أَفْضَلَ، أَنَّهُم مُبارَكُونَ مِنَ الرَّبِّ الإِلَه.


الرِّسالَةُ الثَّانيَةُ إِلى المؤمنِينَ

(المُناشَدَةُ الثَّانِيَةُ إِلى إِخوَةِ التَّوبَةِ وأَخَواتِها)

(1220)

 

          إِنَّها الصِّيغَةُ الثَّانيةُ للرِّسالةِ إلى المؤمنِينَ، وقَدْ كُتِبَتْ، عَلى الأَرجَحِ، حَوالى سَنَة 1220، أَيْ بَعْدَ عَوْدَتِهِ مِنَ الشَّرق. فيها يُحَدِّدُ فرنسيسُ سَبَبَ كِتابَتِها: ”وَلَمَّا كُنْتُ مُدْرِكاً أَنَّني عاجِزٌ عَنْ زيارَتِكُم شَخْصِيّاً، وبِشَكْلٍ فَرْدِيٍّ، بِسَبَبِ المَرَضِ، وضَعْفِ جَسَدي، ارتَأَيْتُ أَنْ أَنْقُلَ إِلَيْكُم، عَبْرَ هَذِهِ الكَلِماتِ، وهَذِهِ الرِّسالَةِ، كَلِماتِ رَبِّنا يَسوعَ المَسيح“[24]. وفي هَذا بُرْهانٌ عَلى كِتابَتِها، في هَذا التَّاريخ. والبُرهانُ الآخَرُ هوَ أَنَّها تَحْمِلُ إِشارَةً واضِحَةً إِلى القَرارِ البابَويِّ، الَّذي أَصْدَرَهُ البابا هونوريوس الثَّالِثُ، في 22 تشرين الثَّاني 1219 (Sane cum olim) لِتَطْبيقِ قَراراتِ المَجْمَعِ اللاَّتِرانيِّ الرَّابِع، حَوْلَ سِرِّ الإِفخارستِيَّا. أَهَمُّ النِّقاطِ الَّتي يَتَناوَلُها فرنسيسُ: سِرُّ الخَلاصِ، وحَقيقَةُ سِرِّ التَّجَسُّدِ، وضَرورَةُ احتِرامِ رِجالِ الإِكليروس، وضَرورَةُ مُمارَسَةِ الأَسرارِ وعَيْشِ التَّوبَةِ، مِنْ خِلالِ الصَّلاةِ، والمَحَبَّةِ، والتَّواضُعِ، والصَّدَقَةِ، والصَّوْمِ، والرَّحْمَةِ، والنَّقاوَةِ، ونُكرانِ الذَّاتِ، والخِدْمَةِ، والخُضوعِ للجميع. ويَخْتِمُ الرِّسالَةَ بِقصَّةِ الإِنسانِ المَريضِ، عَلى فِراش المَوْتِ، شارِحاً، مِنْ خِلالِها، أَهَمِّـيَّةَ التَّوبة[25]. مِنْ أَجْمَلِ المَقاطِعِ، في هَذِهِ الرِّسالَةِ، والَّتي وَرَدَتْ، أَيضاً، في الرِّسالَةِ الأُولى إِلى المؤمِنينَ، وَصْفُهُ لِعِلاقَةِ المؤمِنِ بِكُلٍّ مِنَ الأَقانيمِ الثَّلاثة[26].

 

 

(1) باسمِ الرَّبِّ، الآبِ والاِبنِ والرُّوحِ القُدُسِ، آمين.

إِلى جَميعِ المَسيحِيِّينَ المُتَدَيِّنينَ، مِنْ كَهَنَةٍ وعلمانِيِّينَ، رِجالٍ ونِساءٍ، وجَميعِ قاطِني المَسْكونَةِ بِأَكْمَلِها[27]، الأَخُ فرنسيسُ، خادِمُهُم ومَرؤُوسُهُم، باحتِرامٍ وإِجلالٍ، (يُرسِلُ) سَلاماً، حَقّاً، مِنَ السَّماءِ، ومَحَبَّةً صادِقَةً في الرَّبّ.

(2) بِما أَنَّني خادِمُ الجَميعِ، فَإِنَّني مُلزَمٌ بِخدمَةِ الجَميعِ، وبِـأَنْ أُوَزِّعَ عَلى الجَميعِ أَقوالَ رَبِّي العَطِرَة[28]. (3) ولَمَّا كُنْتُ مُدْرِكاً أَنَّني عاجِزٌ عَنْ زِيارَتِكُم شَخصِيّاً، وبِشَكْلٍ فَرْدِيٍّ، بِسَبَبِ الـمَرَضِ، وضَعْفِ جَسَدي[29]، ارتَأَيْتُ أَنْ أَنْقُلَ إِلَيْكُم، عَبْرَ هَذِهِ الكَلِمـاتِ، وهَذِهِ الرِّسالَةِ، كَلِماتِ رَبِّنا يَسوعَ المَسيح، الَّذي هوَ كَلِمَةُ الآبِ، وكَلِماتِ الرُّوحِ القُدُسِ، الَّتي هيَ روحٌ، وحَياة.

(4) إنَّ الآبَ العَلِيَّ بَشَّرَ، مِنَ السَّماءِ، بِكَلِمَتِهِ هَذا، الجَزيلِ الكَرامَةِ، والجَزيلِ القَداسَةِ والتَّمْجيدِ، بِوَاسِطَةِ مَلاكِهِ، القدِّيسِ جبرائيل، في أَحشاءِ القدِّيسَةِ المَجيدَةِ العَذراءِ مَريَمَ؛ ومِنْ أَحـشائِها أَخَذَ (الكَلِمَةُ) جَسَدَ إِنسانِيَّتِنا، وهَشاشَتِنا، الحَقيقيّ[30]. (5) فَهْوَ الَّذي كانَ غَنِيّاً فَوْقَ كُلِّ شَيءٍ، أَرادَ اختِيـارَ الفَقْرِ لِنَفْسِهِ[31]، في هَذا العالَمِ، مَعَ أُمِّهِ العَذْراءِ الكُلِّـيَّةِ الطُّوبى.

(6) وقُبَيْلَ آلامِهِ، احتَفَلَ بالفِصْحِ مَعَ تلاميذِهِ، فَأَخَذَ الخُبْزَ، وشَكَرَ، وبارَكَ، وكَسَرَ، قائِلاً: خُذوا فَكُلُوا، هَذا هوَ جَسَدي. (7) ثُمَّ أَخَذَ الكأسَ وقال: هَذا هوَ دَمي، دَمُ العَهْدِ الجَديدِ، الَّذي سَيُراقُ عَنْكُم، وَعَنْ كَثيرينَ، لِمَغْفِرَةِ الخَـطايا. (8) ثُمَّ صَلَّى للآبِ، قائِلاً: أَيُّها الآبُ، فَلْتُبْعَدْ عَنِّي هَذِهِ الكأْسُ، إِنْ أَمْكَن. (9) وَغَدا عَرَقُهُ مِثْلَ قَـطَراتِ دَمٍ تَتَساقَطُ عَلى الأَرض. (10) بَيْدَ أَنَّهُ وضَعَ مَشيئَتَهُ في مَشيئَةِ الآبِ قائِلاً: يا أَبَتِ، فَلْتَكُنْ مَشـيئَتُكَ، لا كَـما أُريدُ أَنا، بَلْ كَـما تُريدُ أَنْتَ. (11) وهَذِهِ كانَتْ مَشيئَةَ الآبِ، أَنْ يُقَدِّمَ ذاتَهُ، ابْنُهُ المُبارَكُ والمُمَجَّدُ، الَّذي أَعطانا إِيَّاهُ، والَّذي وُلِدَ مِنْ أَجلِنا، بِدَمِهِ الخاصِّ، ذَبيحَةً وقُرباناً عَلى مَذْبَحِ الصَّليبِ، لا مِنْ أَجْلِ ذاتِهِ، (12) هوَ الَّذي بِهِ صُنِعَ كُلُّ شَيءٍ، بَلْ مِنْ أَجْلِ خَطايانا؛ (13) تارِكاً لَنا مِثالاً كَيْ نَقْتَفيَ آثارَه.

(14) وهوَ يُريدُ أَنْ نَخْلُصَ جَميعُنا بِهِ، وأَنْ نَتَناوَلَهُ بِقَلْبِنا الطَّـاهِر، وجَسَدِنا الـعَفيف. (15) ولَكِنْ، قَليلونَ هُمُ الَّذيْنَ يُريدونَ تَناوُلَهُ والخَلاصَ بِهِ، مَعَ أَنَّ نيرَهُ لَطيفٌ، وَحِمْلَهُ خَفيف. (16) أُولَئِـكَ الَّذيْنَ يَأْبونَ تَذَوُّقَ عُذوبَةِ الرَّبِّ، ويُؤْثِرونَ الظُّلُماتِ عَلى النُّورِ، رافِضينَ تَنْفيذَ وصايا اللهِ، هَـؤُلاءِ مَلْعونون. (17) وعَنْهُم قالَ النَّبيُّ: مَلْعونونَ هُمُ الَّذيْنَ يَبْتَعِدونَ عَنْ وصاياكَ.

(18) ولَكِنْ، آهٍ! هُم، هُمُ السُّعَداءُ[32] ومُبارَكونَ، أُولَئِكَ الَّذيْنَ يُحبُّونَ اللهَ، ويَعْمَلونَ بِمَوجَبِ قَوْلِ الرَّبِّ نَفْسِهِ، في الإِنجيل: أَحْبِبِ الرَّبَّ إِلَهَكَ، بِكُلِّ قَلْبِكَ، وَكُلِّ ذِهْنِكَ، وَقَريبَكَ كَنَفْسِكَ. (19) فَلْنُحِبَّ اللهَ، إِذاً، ولْنَعْبُدْهُ، بِقَلْبٍ نَقِيٍّ، وبِذِهْنٍ نَقِيٍّ، إِذْ إِنَّهُ هوَ نَفْسُهُ، يَطْلُبُ ذَلِكَ فَوْقَ كُلِّ شَيءٍ، ويَقولُ: العابِدونَ الحَقيقِيُّونَ يَعْبُدُونَ الآبَ برُوحِ الحَقّ. (20) فَعَلى جَميعِ مَنْ يَعبُدُونَه، أَنْ يَعبُدُوهُ بِرُوحِ الحَقّ[33]. (21) ولْنُوجِّهْ لَـهُ التَّسابيحَ والصَّلَواتِ، نَهاراً وَلَيْلاً، قائِلينَ: أَبانا الَّذي في السَّمَواتِ، إِذْ وَجَبَ عَلَيْنا أَنْ نُصَلِّيَ دائِماً، مِنْ غَيْرِ مَلَل.

(22) علينا، أَيضاً، أَنْ نَعْتَرِفَ للكـاهِنِ بِكُلِّ خَطـايانا، ونَتَناوَلَ مِنْهُ جَسَدَ رَبِّنا يَسوعَ المَسيحِ ودَمَه[34]. (23) فَمَنْ لا يأكُلُ جَسَدَهُ، ولا يَشْرَبُ دَمَهُ، لا يَسْتَطيعُ دُخولَ مَلَكوتِ الله. (24) ولَكِنْ، فَلْيَأْكُلْ، ويَشْرَبْ، باستِحْقاقٍ، إِذْ إِنَّ مَنْ يَتَناوَلُهُ بِلا استِحْقاقٍ، إِنَّما يأكُلُ، ويَشْرَبُ، الحُكْمَ عَلى نَفْسِهِ، لأَِنَّه لَمْ يَتَبَيَّنْ جَسَدَ الرَّبِّ، أَيْ إِنَّهُ لَمْ يُميِّزْه.

(25) وفَضْلاً عَنْ ذَلِكَ، فَلْنُثْمِرْ ثِماراً تَليقُ بالتَّوبَة.

(26) ولْنُحِبَّ القَريبَ كَنَفْسِنا. (27) وإِنْ لَمْ يَشأْ أَحَدٌ أَنْ يُحِبَّ قَريبَهُ كَنَفْسِهِ، فَـلا يُلْحِقَنَّ بِهِ، عَلى الأَقَلِّ، ضَرَراً، بَلْ فَلْيَصْنَعْ لَهُ خيراً.

(28) والَّذيْنَ تَسَلَّموا سُلْطَةَ إِدانَةِ الآخَرينَ، فَلْيُمارِسوها بِرَحْمَةٍ، مِثْلَمـا يَرْغَبونَ هُمْ أَنْفُسُهُم في أَنْ يَظْفَروا بِرَحْمَةِ الرَّبِّ، (29) إِذْ إِنَّ الدَّينونَةَ سَتَكونُ بِلا رَحْمَةٍ لِمَنْ لَمْ يَرْحَموا.

(30) فَلْيَكُنْ لَدَيْنا، إِذاً، المَحَبَّةُ والتَّواضُعُ؛ ولْنُقَدِّمِ الإِحْسانَ، فَالإحْسانُ يَغْسِلُ النُّفوسَ مِنْ دَنَسِ الخَطـايا. (31) وَالبَشَرُ يَخْسَرونَ كُلَّ ما يَتَخَلَّونَ عَنْهُ، في هَذِهِ الدُّنيا؛ بَيْدَ أَنَّهُم يَأْخُذونَ مَعَـهُم مُكافَأَةَ المَحَبَّةِ والإِحسانَ الَّذي قاموا بهِ، والَّذي سَيَتَلَقَّونَ عَنْهُ، مِنَ الرَّبِّ، المُكافَأَةَ، والجَزاءَ اللاَّئِق.

(32) عَلَيْنا إِذاً، أَنْ نَصومَ، وأَنْ نَمْتَنِعَ عَنِ الرَّذائِلِ والخَطايا، وعَنْ كُلِّ إِفراطٍ في الطَّعامِ والشَّرابِ، وأَنْ نَكونَ كاثوليكِيِّين.

(33) علينا، أَيضاً، أَنْ نَزورَ الكَنائِسَ بِتَواتُرٍ، وأَنْ نَحْتَرِمَ رِجالَ الإِكليروسِ، ونُكَرِّمَهُم، لا لأَِنْفُسِهِم، إِنْ كانوا خاطِئينَ، ولَكِنْ، بِسَبَبِ خِدْمَتِهِم، وتَوزِيعِهِم جَسَدَ المَسيحِ، ودَمَهِ، الكُلِّيَّي القَداسَةِ، اللَّذَيْنِ يُقَرِّبونَهُما ذَبيحَةً على المَذْبَحِ، ويَتَناوَلونَهُما، ويُوَزِّعونَهُما عَلى الآخَرين. (34) ولْنَعْلَمْ، جَميعُنا، عِلْمَ اليَقينِ، أَنَّ ما مِنْ أَحَدٍ يَسْتَطيعُ أَنْ يَخْلَصَ إِلاَّ بِدَمِ ربِّنا يَسوعَ المَسيحِ، وبِكَلِماتِهِ المُقَدَّسَةِ، الَّتي يَتْلوها رِجالُ الإِكليروس، ويُعْلِنونَها، ويُوَزِّعونَها. (35) وعَلَيْهِم، وحْدَهُم، تَوزيعُها، مِنْ دونِ الآخَرين[35]. (36) ويُلْزَمُ، خُصوصاً، الرُّهبانُ، الَّذيْنَ زَهَدوا في هَذِهِ الدُّنيا، أََنْ يَفْعَلوا أَكْثَرَ وأَفْضَلَ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يُهْمِلوا هَذِهِ الأُمور.

(37) عَلَيْنا أَنْ نُبْغِضَ أَجسادَنا[36]، بِرَذائِلِها وخَطاياها، إِذْ إِنَّ الرَّبَّ يَقولُ في الإِنجيل: كُلُّ الشُّرورِ، والرَّذائِلِ، والخَطايا، تَخْرُجُ مِنَ القلب“.

(38) عَلَيْنا أَنْ نُحِبَّ أَعداءَنا، وَنُحْسِنَ إلى مَنْ يُبْغِضونَنا.

(39) عَلَيْنا أَنْ نَتَقَيَّدَ بِوَصايا رَبِّنا يَسوعَ المَسيحِ، ومَشوراتِه.

(40) عَلَيْنا أَنْ نُنْكِرَ ذَواتِنا، وأَنْ نَضَعَ أَجسادَنا تَحْتَ نيْرِ الخِدْمَةِ[37]، والطَّاعَةِ المُقَدَّسَةِ، مِثْلَمـا وَعَدَ كُـلٌّ مِنَّا الرَّبّ. (41) ولا يُلْزَمُ، أَيٌّ كانَ، باسمِ الطَّاعَةِ، أَنْ يُطيعَ أَحَداً، إِنْ كانَ، في الأَمْرِ، جُرْمٌ أَوْ خَطيئَة. (42) ومَنْ أُوكِلَتْ إليه الطَّاعَةُ، والَّذي يُعَدُّ الأَكْبَرُ، فَلْيَكُنْ كالأَصْغَرِ، وخادِماً لِسائِرِ الإخوة[38]. (43) ولْيَكُنْ رَؤوفاً، حَيالَ كُلٍّ مِنْ إِخْوَتِهِ، ولْتَكُنْ لَدَيْهِ الرَّأْفَةُ الَّتي يَرْغَبُ في أَنْ تُظْهَرَ لَهُ، لَوْ هوَ وُجِدَ في حالَةٍ مُماثِلَة. (44) ولا يَغْضَبَنَّ عَلى أَخٍ، بِسَبَبِ ذَنْبٍ اقتَرَفَهُ هَذا الأَخُ، بَلْ فَلْيُنبِّهْهُ، ولْيَسْنُدْهُ، بِكُلِّ صَبْرٍ، وتَواضُعٍ، ولُطْف.

(45) عَلَيْنا أَلاَّ نَكونَ حُكَماءَ ومُتَعَقِّلينَ، بِحَسَبِ الجَسَدِ[39]، بَلْ بالحَريِّ، أَنْ نَكونَ بَسيطينَ، مُتَواضِعينَ، وأَنقياء. (46) ولْنَزْدَرِ أَجسادَنا[40]، ونَحْتَقِرْهـا، إِذْ إنَّنا، جَميعَنا، بِذَنْبِنا، أَشقياءُ، ومُتَعَفِّنونَ، ونَتِنونَ، ودوْدٌ، كَما يَقولُ الرَّبُّ، بِواسِطَةِ النَّبيِّ: أَنا دودَةٌ، لا إِنسانٌ، ازْدراءُ البَشَرِ، وَرَذالَةُ الشَّعْب.

(47) عَلَيْنا أَلاَّ نَرْغَبَ، أَبَداً، في أَنْ نَكونَ فَوْقَ الآخَرينَ؛ بَلْ عَلَيْنا بالحَريِّ، أَنْ نَكونَ خُدَّامـاً، وخاضِعينَ لِكُـلِّ خَليقَةٍ بَشَرِيَّةٍ، مِنْ أَجْلِ الله.

(48) وجميعُ الَّذيْنَ واللَّواتي يَعْمَلونَ هَذِهِ الأَعمالَ، ويُثابِرونَ فيها حَتَّى النِّهايَة، سَيَسْتَقِرُّ روحُ الرَّبِّ عَلَيْهِم، وسَيَجْعَلُ فيهِم مَقامَهُ وَمَسْكِنَه. (49) وسَيكونونَ أَبناءَ الآبِ السَّماويِّ، الَّذي يَعْمَلونَ أَعمالَه. (50) وهُمْ عَرائِسُ رَبِّنا يَسوعَ المَسيحِ، وَإِخْوَتُهُ، وَأُمَّهاتُه.

(51) نكونُ عَرائِسَ، عِنْدَما تَتَّحِدُ النَّفْسُ المُخْلِصَةُ[41]، بِواسِطَةِ الرُّوحِ القُدُسِ، بِيَسوعَ المَسيح. (52) ونكونُ إِخْوَةً لَهُ، عِنْدَما نَعْمَلُ بِمَشيئَةِ أَبيهِ الَّذي في السَّماء. (53) ونكونُ لَهُ أُمَّهاتٍ، عِنْدَما نَحْمِلُهُ في قَلْبِنا وجَسَدِنا، بِحُبٍّ وضَميرٍ نَقِيٍّ، وصادِقٍ، وعِنْدَما نَلِدُهُ بالعَمَلِ المُقَدَّسِ[42]، الَّذي يَنْبَغي أَنْ يَتَلألأَ، قُدْوَةً للآخَرين.

(54) آهٍ! إِنَّهُ لَمَجيدٌ ومُقَدَّسٌ وعَظيمٌ، أَنْ يَكونَ للمَرْءِ أَبٌ في السَّمَوات! (55) آهٍ! إنَّهُ لَمُقَدَّسٌ، ومُعَزٍّ، وجَميلٌ، ورائِعٌ أَنْ يَكونَ لَهُ عَروس! (56) آهٍ! إِنَّهُ لَمُقدَّسٌ، ومُبْهِجٌ، ومُمْتِعٌ، ومُتَواضِعٌ، وسَلامِيٌّ، وعَذْبٌ، ومَحْبوبٌ، ومَرْغوبٌ فيهِ فَوْقَ كُلِّ شَيءٍ، أَنْ يَكونَ لَهُ مِثْلُ هَذا الأَخِ والاِبنِ، الَّذي بَذَلَ نَفْسَهُ في سَبيلِ خِرافِهِ، والَّذي صلَّى إلى أَبيهِ مِنْ أَجْلِنا، قائِلاً:

يا أَبَتِ القُدُّوسَ، احْفَظْ باسمِكَ أُولَئِكَ الَّذيْنَ أَعطَيْتَني إِيَّاهُم. (57) يا أَبَتِ، جَميعُ الَّذيْنَ أَعطَيتَني إِيَّاهُم، في العالَمِ، كانوا لَكَ، فَأَعطَيْتَني إِيَّاهُم. (58) وَأَنا أَعْطَيْتُهُمُ الكَلامَ الَّذي أَعْطَيْتَنيهِ؛ وَقَدْ تَقَبَّلوهُ، وَعَرَفُوا حَقّاً، أَنِّي خَرَجْتُ مِنْ لَدُنِكَ، وَعَرَفوا أنَّكَ أَنْتَ أَرسَلْتَني. إِنِّي أَدْعو لَهُم، لا للعالَم. بارِكْهُم وَقَدِّسْهُم[43]. (59) وَمِنْ أَجْلِهِم أُقَدِّسُ نَفْسي، لِكَيْ يَكونوا مُقَدَّسينَ في الوَحْدَةِ، مِثْلَنا. (60) وأُريدُ، يا أَبَتِ، أَنْ يَكونوا، هُمْ أَيضـاً مَعي، حَيْثُما أَكونُ، لِكَيْ يُعايِنوا مَجْدي، في مَلَـكوتِكَ.

(61) إِلى الَّذي احتَمَلَ كَثيراً مِنْ أَجْلِنا،

وَالَّذي أَنْعَمَ بِكَثيرٍ مِنَ الخَيْراتِ وسَيُنْعِمُ بالمَزيدِ في المُسْتَقْبَلِ،

فَلْتُقَدِّمْ[44] كُلُّ خَليقَةٍ

في السَّمَواتِ، وعَلى الأَرضِ، وفي البَحرِ، وفي الأَعماقِ،

التَّسبيحَ والمَجدَ والإِكرامَ والبَرَكَةَ،

(62) لأنَّهُ قُدْرَتُنا وقُوَّتُنا،

وَهوَ، وَحْدَهُ، الصَّالِحُ[45]،

وَوَحْدَهُ، العَلِيُّ،

وَوَحْدَهُ، الكُلِّيُّ القُدْرَةِِ، والعَجيبُ، والمَجيدُ،

وَوَحْدَهُ، القُدُّوسُ، والجَديرُ بالتَّسْبيحِ، والمُبارَكُ،

في دَهْرِ الدُّهورِ اللاَّمُتَنـاهِيَةِ،

آمين.

(63) أمَّا جَميعُ الَّذيْنَ لا يَحْيَونَ التَّوْبَةَ[46]، ولا يَتَناوَلونَ جَسَدَ رَبِّنا يَسوعَ المَسيحِ، ودَمَهُ، (64) ويَسْتَسْلِمونَ للرَّذائِلِ والخَطايا، ويَسيرُونَ في إِثْرِ الشَّهْوةِ الفاسِدَةِ، والرَّغَباتِ الشِّـرِّيرَةِ، ولا يَتَقَيَّدونَ بِما وَعَدوا بِهِ الرَّبَّ، (65) ويَخْدُمونَ، جَسَدِيّاً[47]، العـالَمَ، بالرَّغَباتِ الجَسَدِيَّةِ، وهُمومِ هَذِهِ الدُّنيا ومَشاغِلِها، وهُمومِ هَذِهِ الحياةِ، (66) فَهُمْ مَخْدوعونَ[48] بِإِبليسَ، إِذْ إِنَّهُم أَبناؤُهُ، ويَعْمَلُونَ أَعمالَهُ، وهُمْ عُميانٌ، لأَِنَّهُم لا يَرَوْنَ النُّورَ الحَقَّ، رَبَّنا يَسوعَ المَسيح. (67) ولَيْسَ لَدَيْهِم حِكْمَةٌ روحِيَّةٌ، لأَِنْ لَيْسَ لَدَيْهِم، في ذَواتِهِم، ابنُ اللهِ، حِـكْمَةُ الآبِ الحَقيقِيَّة. وفيهِم قيلَ: لَقَدِ التُهِمَتْ حِكْمَتُهُم. (68) إِنَّهُم يَرَوْنَ الشَّرَّ، ويَقُرُّونَ بِهِ، ويَعْـلَمونَهُ، ويَفْعَلُونَهُ، ويَخْسَرونَ نُفوسَهُم، عَنْ مَعْرِفَة.

(69) انْظُروا، أيُّها العُميانُ، المَخْدوعونَ بِأَعدائِنا، أَيِ الجَسَدِ[49] والعالَمِ، وإبليس. فَإِنَّهُ لَعَذْبٌ للجَسَدِ ارتِكابُ الخَطيئَةِ، ومُرَّةٌ خِدْمَةُ اللهِ؛ إِذْ إِنَّ جَميعَ الشُّرورِ، والرَّذائِلِ، والخَطايا، تَخْرُجُ وَتَنْبَعِثُ مِنْ قُـلوبِ البَشَرِ، كَما يَقولُ الرَّبُّ في الإِنجيـل. (70) ولا شَيءَ لَكُم، لا في هَذا الدَّهْرِ، ولا في الآتي. (71) وتَظُنُّونَ أنَّكُم سَتَمْتَلِكونَ، طَـويلاً، أَباطيلَ هَذا العالَمِ، ولَكِنَّكُم مَخْدُوعونَ، إِذْ سَيأتي اليَوْمُ والسَّاعَةُ اللَّذانِ لا تُفَكِّرونَ فيهِما، وَلا تَعْرِفونَهُما، وَتَجْهَلونَهُما.

(72) فَيَعْتَلُّ الجَسَدُ، ويَدْنو المَوْتُ، ويَأْتي الأَقرِباءُ والأَصدِقاءُ، قائِلينَ: رَتِّبْ أُمورَكَ. (73) ها إِنَّ زَوْجَتَهُ، وأَبناءَهُ، وأَقرِباءَهُ، وأَصدِقاءَهُ، يَتَظاهَرونَ بالبُكاء. (74) ويَنْظُرُ إِلَيْهِم، ويَراهُم يَبْكونَ، ويُحَرِّكُهُ دافِعٌ شرِّيرٌ، ويُفَكِّرُ في ذاتِهِ قـائِلاً: هوَذا، نَفْسي، وجَسَدي، وكُـلُّ أَملاكي، أَضَعُها بَيْنَ أَيديكُم. (75) إِنَّهُ لَمَلْعونٌ حَقّاً، هَذا الإِنسـانُ الَّذي يُخاطِرُ بِنَفْسِهِ، وجَسَدِهِ، وكُلِّ أَملاكِهِ، ويُوكِلُها إلى مِثْلِ تِلْكَ الأَيدي. (76) فالرَّبُّ يَـقولُ، بالنَّبيِّ: مَلْعونٌ الإِنسانُ الَّذي يَتَّكِلُ عَلى إِنسان“. (77) ويَأْتونَ، فَوْراً، بالكاهِن. ويَقولُ الكاهِنُ لَهُ: هَلْ تُريدُ أَنْ تَنالَ الغُفْرانَ عَنْ جَميعِ خَطاياكَ؟ (78) فَيُجيبُ: أُريدُ“ - هَلْ تُريدُ أَنْ تُكَفِّرَ، قَدْرَ طاقَتِكَ، بِثَرْوَتِكَ، عَمَّا اقتَرَفْتَهُ، وعَنِ الاِحتِيالِ والغِشِّ اللَّذَيْنِ مارَسْتَهُما تِجاهَ النَّاس؟ (79) ويُجيبُ: لا. ويَقولُ الكـاهِنُ: لِمَ لا؟ (80) لأَِنِّي أَوْدَعْتُ كُلَّ شَيْءٍ بَيْنَ أَيْدي أَقرِبائي وأَصدِقائي. (81) ويَشْرَعُ يَفْقِدُ النُّطْقَ، وهَكَذا يَموتُ ذَلِكَ البائِس.

(82) ولَكِنْ، فَلْيَعْلَمِ الجَميعُ أَنَّهُ، أَيْنَما ماتَ إِنسانٌ، بِأَيِّ شَكْلٍ مِنَ الأَشكالِ، وهوَ في حالِ الخَطيئَةِ المُميتَةِ، مِنْ غَيْرِ تَكْفيرٍ، إِذا كانَ قادِراً عَلى التَّكْفيرِ ولَمْ يُكَفِّرْ، فَيَخْطَفُ إِبليسُ نَفْسَهُ مِنْ جَسَدِهِ، بِكَثيرٍ مِنَ الضِّيقِ، والشِّدَّةِ، الأَمْرُ الَّذي لا يَسْتَطيعُ مَعْرِفَةَ مَداهُ سِوى مَنْ يُكابِدُه.

(83) وَسَيُسْلَبُ كُلَّ ما كانَ يَظُنُّ أنَّهُ لَهُ مِنْ مَواهِبَ، وقُدُراتٍ، وَمَعْرِفَة. (84) ويَتْرُكُ كُلَّ شَيءٍ للأَقارِبِ والأَصدِقاءِ؛ وهؤلاءِ، بَعْدَ أَنْ يَأْخُذوا ثَرْوَتَهُ، ويُقَسِّموها، سَيَقولونَ: مَلْعونَةٌ هيَ نَفْسُهُ، فَقَدْ كانَ بِإِمكانِهِ أَنْ يَهَبَنا أَكْثَرَ مِمَّا وَهَبَ، وأَنْ يَقْتَنِيَ أَكْثَرَ مِمَّا اقتَنى. (85) ويَلْتَهِمُ الدُّودُ الجَسَد. ويَفْقِدُ، هَكذا، الجَسَدَ والنَّفْسَ، في هَذا الدَّهْرِ القَصيرِ الأَمَدِ، ويَذْهَبُ إِلى جَهَنَّمَ، حَيْثُ يُعَـذَّبُ إِلى ما لا نِهايَة.

(86) باسمِ الآبِ، والاِبنِ، والرُّوحِ القُدُسِ، آمين.

(87) أَنا، الأَخَ فرنسيسَ، أَصْغَرَ خُدَّامِكُم[50]، أَرجوكُم، وأَتَوَسَّلُ إِلَيْكُم، في المَحَبَّةِ الَّتي هيَ اللهُ، ومَعَ الرَّغْبَةِ في تَقْبيلِ أَرْجُلِكُم، أَنْ تَتَقَبَّلوا، بِتَواضُعٍ ومَحَبَّةٍ، هَذِهِ الكَلِماتِ، وكَلِماتِ رَبِّنا يَسوعَ المَسيحِ الأُخرى، وأَنْ تُنَفِّذوها، وتَحْفَظوها[51]. (88) ولْيُبارِكِ الآبُ، والاِبْنُ، والرُّوحُ القُدُسُ، جَميعَ الَّذيْنَ واللَّواتي يَقْبَلونَها بِلُطْفٍ، ويَفْهَمونَها، ويُرْسِلونَ نَسَخاتٍ مِنْها إِِلى الآخَرينَ؛ إِنْ ثابَروا عَلى ذَلِكَ، حَتَّى النِّهايَة. آمين.

التالى


الرهبان الفرنسيسكان بمصر
نريد أن نكون شهودا للفرح
الآن