همسة
أختي، ما الذي يجب أن نفعله؟ الصمت الصبر والصلاة
كتابات القدّيس فرنسيس

كتاباتُ القدِّيسِ فرنسيسَ الأسِّيزيّ

 

نَقَلَها إِلى العَرَبِيَّة وحَقَّقَها:

الأَب طوني حدَّاد الكبُّوشيّ

 

منشورات العائلة الفَرَنْسِيسِيَّة في لبنان

كتاباتُ القدِّيسِ فرنسيسَ الأسِّيزيّ

 

نَقَلَها إِلى العَرَبِيَّة وقدَّمَ لها

ووَضَعَ الحَواشي والفَهارِس:

الأَب طوني حدَّاد الكبُّوشيّ

 

ضَبَطَ اللُّغَة:

الدُّكتور ربيعة أبي فاضل

 

بيروت 2005
 

مقدِّمةٌ عامَّةٌ:

كتاباتُ القدِّيسِ فرنسيس 

 

          لقدْ شَغَلَتْ سيرةُ القدِّيسِ فرنسيسَ المُؤَرِّخينَ، على مدى العصورِ، فكُتِبَ عنهُ ما لَمْ يُكتَبْ عَنْ سِواه. وكانَ بَعضُ هذهِ السِّيَرِ ناجحاً، وبعضُها الآخَرُ أَقَلَّ موضوعيَّةً، لكنَّها كلَّها ذواتُ قيمةٍ عاليَة. إِنَّما سُرْعانَ ما يَجِدُ القارِئُ ضَرورَةَ تَرْكِ هَذِهِ الوَساطاتِ، مَهْما كانَتْ ثَمينَةً، لِتَعَرُّفِ فرنسيسَ، مُباشَرَةً، مِنْ خِلالِ كِتاباتِه. فَأَفْضَلُ وسيلَةٍ لِتَعَرُّفِ شَخصِيَّةِ فرنسيسَ، واختِبارِهِ الرُّوحيِّ المُمَيَّزِ، هيَ أَنْ نَقرَأَ ما كَتَبَ هوَ نفْسُه.

فَفرنسيسُ، مِنْ خِلالِ كِتاباتِهِ، تَرَكَ رِسالَةً لا تَطالُ مُعاصِريه، وحَسْب، بَلْ تُخاطِبُ البَشَرَ أَجمَعينَ، في كُلِّ زَمانٍ ومكان. وفيها، لا يَضَعُ نَفْسَهُ مِثالاً للآخَرينَ، بَلْ يُشيرُ إلى دَربِ الإِنجيلِ المُعَدِّ لِكُلِّ مُؤْمِن.

وفرنسيسُ لا يَنفَكُّ يُثيرُ الدَّهشَةَ، عَلى الرُّغمِ مِنْ أَنَّهُ لَمْ يَتَعَلَّمْ في الجامِعاتِ، بَلْ كانَ يُجيدُ القِراءَةَ والكِتابَةَ، باللاَّتينِيَّة، لُغَةِ العَصرِ الرَّسمِيَّةِ، غَيرِ الشَّائِعَةِ في أَوساطِ الشَّعب. ومَعَ ذَلِكَ، فَإِنَّ هَذا الرَّجُلَ ”الجَاهِلَ وغَيرَ المُتَعَلِّم“، كَما وَصَفَ نَفْسَهُ مِراراً، تَرَكَ أَكثَرَ مِنْ ثَلاثينَ وثيقةً مكتوبَةً، تَتَفاوَتُ حجماً، حَتَّى إِنَّنا نَحتَفِظُ بِمَخطوطَينِ كَتَبَهُما بِخَطِّ يَدِهِ، وهُما:    ”تسابيحُ للهِ مَع بَرَكَةٍ للأَخِ لِيون، والرِّسالَةُ إلى الأَخِ لِيون. وكُلُّ ذَلِكَ أَمْرٌ نادِرٌ ومُدهِشٌ، بالنِّسبةِ إلى إِنسانٍ عاشَ في العُصورِ الوُسطى. ويُذْكَرُ، في هَذا المَقامِ، أَنَّ مُعاصِرَهُ، القدِّيسَ دومينيك، العالِمَ المُثَقَّفَ، ومُؤَسِّسَ رَهبَنَةٍ كَبيرَةٍ، لَمْ يَترُكْ لَنا أيَّـةَ وثيقَةٍ تُذكَر.

 

1. كيفَ وصلتْ إلينا؟[1] 

 

          التَّدْوين. بِإِمْكانِ كَلِمَةِ ”كتابات“ أَنْ تُضَلِّلَنا، إِذْ إِنَّها تَحمِلُ، هُنا، مَعنىً واسِعاً. ونادِراً ما كانَ فرنسيسُ يُدَوِّنُ كِتاباتِهِ بِخَطِّ يَدِه. فَبَعضُ الصَّلَواتِ، والأَناشيدِ الرُّوحِيَّةِ الَّتي أَلَّفَها، وأَنشَدَها مَعَ إخوتِهِ، وكانَ الجميعُ يُردِّدُها، لَمْ تُدَوَّنْ إلاَّ بَعدَ زَمَنٍ طَويل. وفي مُعظَمِ الأَحيانِ، أَيضاً، كانَ يُمْلي عَلى أَحَدِ إِخوَتِهِ ما كانَ يُريدُ أَنْ يُنشَرَ أَوْ يُدَوَّن[2]. كانَ الأَخُ لِيون كاتِبَهُ المُعتادَ، وقَدْ طالَما لَجَأَ إلى إِخوَةٍ آخَرينَ، شَأْنَ الأَخِ مُبارَك، الَّذي دَوَّنَ لَهُ وصِيَّةَ سْيِينَا[3]. هَذِهِ المُساعَدَةُ أَصبَحَتْ مُلِحَّةً، في أَواخِرِ حَياتِهِ، عِندَما وَهَنَ جِسمُهُ، واعتَلَّتْ عيناه. ومِنْ عاداتِهِ، أَنَّه كانَ يُمْلي النُّصوصَ باللاَّتينِيَّةِ، فَيُقْدِمُ بَعْضُ الكُتَّابِ على تَعديلاتٍ في طَرائِقِ التَّعبيرِ، مُحافِظينَ على روحِ النَّصّ.

 

النَّسْخ.كانَ فرنسيسُ مُدرِكاً تَمامَ الإِدراكِ أَهمِّـيَّةَ كِتاباتِهِ، ويَعتَبِرُها طَريقَةً للتَّبْشيرِ بِكَلِمَةِ اللهِ، إِذْ إِنَّها كَلِماتُ يَسوعَ والرُّوحِ القُدُس. ولذلكَ شَدَّدَ عَلى قِراءَتِها، وحِفْظِها، والاِحتِفاظِ بِها. كَما دَعا إلى نَسْخِها كَي يَقرَأَها الجميع. وكانَ يَستَمطِرُ بَرَكَةَ اللهِ عَلى كُلِّ الَّذينَ يَقومونَ بِذَلِك[4]. كَثيرونَ هُمُ الَّذينَ عَمِلوا بِهَذِهِ الوَصِيَّةِ، فَكانوا يَنسَخونَ هَذِهِ الكِتاباتِ، بِقَدْرِ استِطاعَتِهِم. وبِهَذِهِ الطَّريقَةِ، أَبصَرَ النُّورَ أَكثَرُ مِنْ مِئَتَي مَخطوطٍ، أَقْدَمُها:

أ) مَخطوطانِ بِخَطِّ يَدِهِ: ”تَسابيحُ للهِ مَعَ بَرَكَةٍ للأَخِ لِيون“ (مَحْفوظٌ في أَسِّيزي)؛ رِسالَةٌ إلى الأَخِ لِيون (مَحفوظٌ في سْبولِيتو).

ب) نَسخَةٌ عَنِ الرِّسالةِ الأُولى إِلى رِجالِ الإِكليروس. النَّصُّ مَنْسوخٌ، بَيْنَ 1219 و1238، في ديرِ سوبياكو، على الصَّفحةِ البيضاءِ لكتابِ القُدَّاس (مَخْطوطٌ محفوظٌ في روما).

ج) استشهادٌ بالتَّوصيةِ السَّادسةِ لفرنسيسَ، في عِظَةٍ أَلقاها راهِبٌ دومينيكانيٌّ، أَمامَ طُلاَّبِ جامِعَةِ باريس، في 13 تمُُّوز 1231.

 

المجموعات. إِستِجابَةً لِطَلَبِ فرنسيسَ نَفْسِهِ الحِفاظَ عَلى كِتاباتِهِ، ونَشْرَها، أَبصَرَتِ النُّورَ بَعضُ المَجموعاتِ مِنَ المَخطوطاتِ الَّتي تَضُمُّ كِتاباتِ القدِّيسِ فرنسيس. وبِما أَنَّ جَمْعَ الكِتاباتِ كانَ يَتِمُّ عَلى مَراحِلَ عَديدَةٍ، فَلَمْ تَكُنْ هذهِ المَجْموعاتُ تَحْتَوي على الكِتاباتِ بِأَجْمَعِها، بَلِ اختَلَفَ عَدَدُ الكِتاباتِ، مِنْ مَجْموعَةٍ إِلى أُخرى، الأَمْرُ الَّذي يَسمَحُ بِتَوزيعِها عَلى أَربَعَةِ أَقسامٍ: مَجموعَةِ أَسيِّزي، وهيَ الأَقدَمُ والأَهَمُّ (مُنتَصَفُ القَرنِ الثَّالِث عَشَر)، ومَجموعَةِ أَفينيون (القَرنُ الرَّابِع عَشَر)، ومَجموعَةِ البورسيونْكولا (القَرنُ الرَّابِع عَشَر)، ومَجموعَةِ الشَّمالِ (القَرنُ الرَّابع عَشَر). وهذهِ المَجموعاتُ الأَربَعُ، غَدَتْ أَساساً لِكُلِّ المَخطوطاتِ الَّتي نُسِخَت في القَرنِ الخامِسِ عَشَرَ، وبِدايَةِ السَّادِسِ عَشَر.

 

          الطَّبعات. مَعَ اختِراعِ المَطبَعَة، بَدَأَتْ طَبعاتٌ جِزئِيَّةٌ تَنتَشِرُ، مُنذُ أَوائِلِ القَرنِ السَّادِسِ عَشَر. وكانَ القانونُ المُثَبَّتُ، ومَعَهُ الوصيَّةُ، الأَكثَرَ انتِشاراً، نَظَراً إِلى قِراءَتِهِما الأُسبوعِيَّةِ عَلى مائِدَةِ الرُّهبان. ومَعَ ذَلِكَ، نَجِدُ مُحاوَلاتٍ عَديدَةً لِجَمْعِ أَكبَرِ عَدَدٍ مُمكِنٍ مِنَ الكِتابات. فسنةَ 1623، قامَ الأَخُ الإِيرلَنْديُّ الأَصْلِ، لوقا وادِّينغ، بإِنجازِ الطَّبعَةِ الأُولى الكامِلَة. وهيَ أَضافَتْ إلى المَجموعَةِ، لَيسَ الكِتاباتِ غَيرَ الصَّادِرَةِ عَنْ فرنسيسَ، وحَسْب، إنَّما، أَيضاً، أَقوالَ القدِّيسِ فرنسيسَ المأْخوذَةَ مِنْ سِيَرِهِ، والَّتي وضَعَها وادِّينغ بِصيغَةِ المُتَكَلِّم. بَقِيَتْ هَذِهِ الطَّبعَةُ هيَ الأَساسُ خِلالَ قُرونٍ ثَلاثَةٍ، وأُعطِيَتْ أَهَمِّـيَّةً كُبرى لِسِيَرِ حَياةِ فرنسيس، في دِراسَةِ شَخصِيَّتِهِ الإِنسانِيَّةِ والرُّوحِيَّةِ، ولَمْ يَكُنْ لِكِتاباتِهِ الوَهْجُ عَيْنُهُ، في تِلكَ المَرحَلَة. والفَضلُ في إِعادَةِ الاِعتِبارِ إلى الكِتاباتِ مَصدَراً أَصيلاً للتَّعَرُّفِ بِفرنسيس، يَعودُ، في أَواخِرِ القَرنِ التَّاسِعِ عَشَرَ، إِلى بول ساباتييه، القسِّ البروتستانتيّ. وفي سَنَة 1904، وللمَرَّةِ الأُولى، صَدَرَتْ طَبعَتانِ نَقْدِيَّتان، الأُولى في إِيطاليا (الأَخ لِيونار لِمَنْس)، والثَّانِيَةُ في سويسرا (هنري بويمَر)، وكِلْتاهُما حَذَفتا الكَثيرَ مِنَ النُّصوصِ الَّتي كانَ قَدْ جَمَعها وادِّينغ. لَكِنَّ تَينِكَ الطَّبعَتَينِ لَمْ تَعْتَمِدا إِلاَّ عَدَداً زَهيداً مِنَ المَخطوطات. لذلكَ عَمَدَ الأَخُكاجيتان إِسَّار[5]، بِمُساعَدَةِ الأَخِ ريمي أُوليجيه، إلى إِصدارِ طَبعَةٍ نَقدِيَّةٍ جَديدَةٍ، سَنَة 1976، ثُمَّ 1978، تَستَنِدُ إِلى أَدَقِّ الطُّرُقِ العِلمِيَّة. وبَقِيَتْ هَذِهِ الطَّبعَةُ النَّقدِيَّةُ هيَ الأَساسُ، حَتَّى الآن، مَعَ بَعضِ التَّنقيحاتِ والتَّحسيناتِ الَّتي أَدخَلَها بَعضُ العُلَماءِ الفَرَنْسيسيِّين[6].

 

          التَّرجَماتُ العَرَبِيَّة. في تِلكَ الفَترَةِ، وفي العالَمِ كُلِّهِ، تَكاثَرَتِ الجهودُ لِتَرجَمَةِ كِتاباتِ القدِّيسِ فرنسيس، ونَشْرِها في العالَمِ، ولَمْ يَكُنِ المُحيطُ العَرَبيُّ بَعيداً عَنها. فَفي لُبنان، سَنَة 1974، قامَ الأَخُ موسى الزُّغبي الكَبُّوشيُّ بِتَرجَمَةِ كِتاباتِ القدِّيسِ فرنسيس عَنِ الفَرَنْسِيَّة. وسنةَ 1984، تَرجَمَ الأَخُ سَليم رزق الله الكَبُّوشيُّ كِتاباتِ القدِّيسِ فرنسيس، والقدِّيسَةِ كلارا، عَنِ الأَصلِ اللاَّتينيِّ، مُعتَمِداً عَلى النَّصِّ الَّذي حَدَّدَهُ ”إِسَّار“. وفي القاهِرَة، سنةَ 1993، قامَ الأَخُ لويس بَرْسوم الفرنسيسكانيُّ بِتَرجَمَةٍ جَديدَةٍ لِكِتاباتِ القدِّيس فرنسيس[7].

 

2. عَدَدُ الكِتاباتِ وتَرتيبُها 

 

          إِحدى أَهَمِّ المَصاعِبِ الَّتي يُواجِهُها مُتَرجِمو أَو ناشِرو كِتاباتِ القدِّيسِ فرنسيس، هيَ عَدَدُ هَذِهِ الكِتاباتِ، وتَرْتيبُها. وقَبْلَ أَنْ نَتَوَسَّعَ في هذا المَوْضوعِ، نَتَطَرَّقُ إلى بَعضِ المَبادئ:

 

          الأَصالَةُ والاِبْتِكار. مِنَ الضَّروريِّ أَنْ نُمَيِّزَ الأَصالَةَ مِنَ الاِبتِكار. قَليلٌ مِنَ الكُتَّابِ هُمْ حَقّاً مُبتَكِرون. وفرنسيسُ، كَوْنُهُ إِنساناً تَنَشَّأَ في مُجتَمَعٍ، استَوحَى الكَثيرَ مِنَ الأَشياءِ، مِنْ دونِ أَنْ يُخفيَ ذلك، وهوَ أَمرٌ بَديهيٌّ، وشائِعٌ، في العُصورِ الوُسطى. وبِناءً عَلَيهِ، يُمكِنُ أَنْ يَكونَ النَّصُّ أَصيلاً، أَيْ إِنَّ فرنسيسَ هوَ صاحِبُهُ، مِنْ دونِ أَنْ يَكونَ مُبتَكَراً، أَيْ إِنَّه مُستَوحىً مِنْ نَصٍّ سابِق. مِنْ هُنا، وللإِجابَةِ على السُّؤالِ: ”ما هيَ النُّصوصُ الَّتي أَلَّفَها فرنسيس؟“، يَجِبُ تَحديدُ مَفهومِنا للتَّأليفِ وللأَصالَة. يُمكِنُ اعتِبارُ فَردٍ ما ”مُؤَلِّفاً“ لِنَصٍّ ما في الحالاتِ الآتِيَة: 1) إِذا كانَ قَدْ دَوَّنَ النَّصَّ بِنَفْسِه. 2) أَوْ إِذا كانَ أَملاهُ حَرفِيّاً على أَمينِ سِرِّه. 3) أَو إِذا كانَ قَدْ أَعطى أَمينَ سِرِّهِ أَفكاراً، وتَرَكَ لَهُ مَهَمَّةَ تَحريرِها. 4) أَو إِذا كانَ أَحَدُ السَّامِعينَ دَوَّنَ خَطِّـيّاً ما سَمِع مِنْ أَفكارٍ وآراءٍ، مِنْ دونِ أَنْ يَكونَ في نِيَّةِ المُتَكَلِّمِ، و”المؤَلِّفِ“، أَنْ تُدَوَّنَ هَذِهِ الأَفكارُ أَو تُنْشَرَ خَطِّـيّاً. 5) أَو إِذا كانَ أَحَدُ السَّامِعينَ المُواظِبينَ عَلى عِظاتِ المُؤَلِّفِ ومُحاضَراتِهِ قَدْ كَتَبَ نَصّاً، ونَسَبَهُ إلى المُؤَلِّفِ، مُلَخِّصاً أَفكارَ هَذا الأَخير. يَبدو هَذا المَفهومُ للتَّأليفِ، وللأَصالَةِ، واسِعاً جدّاً، إنَّما يَعكِسُ ما كانَ مُعتَمَداً في العُصورِ الوُسطى، وحَتَّى في الكِتابِ المُقَدَّس. أَمَّا إِذا أَرَدنا أَنْ نُبقيَ عَلى المَفهومِ الأَوَّلِ للتَّأليفِ، فَلا يَبقى لَنا مِنْ كِتاباتِ فرنسيس إِلاَّ نَصَّانِ مُوَجَّهانِ إلى الأَخِ لِيون. وفي حالِ اختِيارِ المَفهومِ الثَّاني، أَيضاً، نَخسَرُ الكَثيرَ مِنَ الكِتاباتِ، وطَليعَتُها: القانونان، الأَوَّلُ والثَّاني، حَيثُ نَجِدُ غَيْرَ أَخِصَّائيٍّ ساعَدَهُ في تَحريرِ النَّصِّ. ومَعَ ذَلِكَ، فَإِنَّنا نَلْمُسُ أَنَّ فرنسيسَ يَتَكَلَّمُ بِأُسلوبِهِ المَعْهود[8].

 

          العَدَد. مُشكِلَةُ تَحديدِ عَدَدِ كِتاباتِ فرنسيس لَمْ تُضبَطْ حَتَّى الآن. فَالأَخُ ”إِسَّار“ يُمَيِّزُ، في طَبعَتِهِ النَّقدِيَّةِ، باللُّغَةِ اللاَّتينِيَّةِ، نُصوصاً يُسَمِّيها ”مَكتوبَةً“، مِنْ نُصوصٍ يُسَمِّيها ”الأَمالي“[9]، لأَِنَّها تَبدأُ بِأَمرِ ”دَوِّنْ“ أَو ما شابَه[10]. ويَقولُ بِأَنَّ النُّصوصَ - ”الأَمالي“، الَّتي نَقَلَتها إِلَينا مَصادِرُ عَديدَةٌ، تَعكِسُ أَقوالَ فرنسيسَ، وأَفكارَهُ، مِنْ ناحِيَةِ المَضمون. لَكِنْ، مِنْ ناحِيَةِ الشَّكلِ، لا يُمكِنُ تَأْكيدُ أَيِّ شَيء. عَلى أَنَّ ذَلِكَ جَعَلَ الكَثيرينَ مِنَ النُّـقَّادِ، والنَّاشِرينَ، والعُلَماءِ، يَحذِفونَ، كُلِّـيّاً، هَذِهِ النُّصوصَ – ”الأَمالي“، أَو يَختارونَ بَعضَها، أَو كُلَّها، أَو يُضيفونَ إِلَيها نُصوصاً أُخرى تُشبِهُها. وما زادَ الأُمورَ تَعقيداً هوَ شَكُّ بَعضِ العُلَماءِ في بَعضِ النُّصوصِ المُسَمَّاةِ ”مَكتوبَةً“، فَتَمَّ حَذْفُها، أَو إِضافَةُ نُصوصٍ أُخرى إِلَيها. دَعْ أَنَّ ثَمَّةَ نُصوصاً كَثيرَةً مَفقودَة[11]. لِذَلِك، وانطِلاقاً مِنْ تَحديدِنا لِمَفهومِ التَّأليفِ والأَصالَةِ، فَإِنَّنا اختَرنا أَنْ نُدْرِجَ، في تَرجَمَتِنا، عَدا النُّصوصِ ”المَكتوبَةِ“، المَوجودَةِ في طَبعَةِ ”إِسَّار“ النَّقدِِيَّة، النُّصوصَ – ”الأَمالي“، أَيضاً، إِذْ إِنَّها، مِنْ دونِ شَكٍّ، ضَرورِيَّةٌ لِفَهمِ شَخصِيَّةِ فرنسيسَ الإِنسانيَّةِ والرُّوحِيَّة. لَكِنَّنا نَحذِفُ مِنها، ”البَرَكَةَ للأَخِ بِرنَردوس“، الَّتي أَثبَتَتْ آخِرُ الدِّراساتِ أَنَّها مُزَيَّفَة[12]. ونُضيفُ إلى هَذِهِ المَجموعَةِ: ”نَشيدٌ إِلى السَّـيِّداتِ الفَقيرات“، الَّذي لَمْ يَعُدْ يَشُكُّ أَحَدٌ في أَصالَتِهِ[13]، تارِكينَ ما سَمَّاهُ بَعضُ العُلَماءِ ”الأَقوالَ والأَمثالَ“، وهيَ نُصوصٌ استَخرَجوها مُؤَخَّراً مِنْ مُختَلَفِ سِيَر حياةِ فرنسيس، أَو مِنْ وثائِقَ أُخرى[14].

 

          التَّرتيب. وضَعَ العُلَماءُ الفرنسيسِيُّونَ اقتِراحاتٍ عَديدَةً لِتَرتيبِ الكِتاباتِ وتَصنيفِها، لَكِنَّها لَمْ تَكُنْ ناجِحَة. فَمِنهُم مَنْ قَسَّمَها، وِفاقاً للنَّوعِ الأَدَبيِّ: النُّصوصُ القانونِيَّةُ والرَّسائِلُ (أَوِ الإِرشادات) والصَّلَواتُ[15]؛ أَو لِدَرَجَةِ الشُّعورِ بالمسؤولِيَّةِ، الَّتي جَعَلَتْ فرنسيسَ يَكتُبُ، والَّتي كانَتْ تَمنَعُهُ، وَفْقَ تَصَوُّرِ هَؤُلاءِ العُلَماءِ، مِنْ أَنْ يُعَبِّرَ عَنْ ذاتِهِ بِحُرِّيَّة[16]؛ أَو بِحَسَبِ التَّسَلسُلِ الزَّمَنيّ[17]. عَلى أَنَّ التَّصنيفَ الأَوَّلَ لَمْ يَكُنْ ناجِحاً، إِذْ هُناكَ نُصوصٌ لا يُمكِنُ إِدخالُها في هَذِهِ الأَنواعِ الأَدَبِيَّةِ، أَوْ أُدخِلَتْ خَطَأً فيها؛ أَمَّا التَّصنيفُ الثَّاني فَيُدْرِجُ مَفهوماً خاطِئاً لِشَخصِيَّةِ فرنسيس؛ ومُشكِلَةُ التَّصنيفِ الثَّالِثِ، أنَّهُ لا يُمكِنُ تَحديدُ تَواريخَ بَعضِ النُّصوص. لِذَلِكَ عَمَدَ الكَثيرُ مِنَ الكُتَّابِ، ومِنهُم ”إِسَّار“، إِلى تَصْنيفِها بِحَسَبِ التَّرتيبِ الأَبجَديِّ، واضِعينَ النُّصوصَ – ”الأَمالي“ في مُلحَقٍ خاصّ[18]. أَمَّا نَحنُ، فَسَنَتبَعُ التَّصنيفَ الزَّمَنِيَّ، عَلى الرُّغمِ مِنَ المُشكِلَةِ الَّتي ذَكَرناها، إِذْ إِنَّهُ الوَحيدُ الَّذي يُساعِدُنا على فَهْمِ التَّطَوُّرِ الرُّوحيِّ، والإِنسانيِّ، لَدَى فرنسيس. لِذَلِكَ، في التَّصنيفِ، لَنْ نميِّزَ نُصوصاً ”مَكتوبَةً“ مِنْ نُصوصٍ – ”أَمالٍ“، بَلْ سَنَضَعُ كِتاباتِ فرنسيس بِحَسَبِ التَّرتيبِ الزَّمَنيِّ المُعتَرَفِ بِه. والكتاباتُ الَّتي لا يُمكِنُ مَعرِفَةُ تاريخِها، نَضَعُها في القِسْمِ الأَخيرِ، تِبْعاً للتَّرتيبِ الأَبجَديّ. فَيَكونُ التَّرتيبُ على الشَّكلِ التَّالي:

1205/1206                           صَلاةٌ أَمامَ المَصلوبِ

1212/1213                           نَهجُ الحياةِ إِلى القدِّيسَةِ كلارا وأَخَواتِها

1209-1215                          الرِّسالَةُ الأُولى إِلى المؤمِنين

1215-1219                          الرِّسالَةُ الأُولى إِلى رِجالِ الإِكليروس

1220                                    الرِّسالَةُ الثَّانيَةُ إِلى المؤمِنين

1220                                    الرِّسالَةُ الثَّانيَةُ إِلى رِجالِ الإِكليروسِ

1220                                    الرِّسالَةُ الأُولى إِلى الحُرَّاسِ

1220                                    الرِّسالَةُ إِلى قادَةِ الشُّعوبِ

1220                                    الرِّسالَةُ الثَّانيَةُ إِلى الحُرَّاسِ

1217-1221                          قانونُ المَحابِسِ

1209-1221                          القانونُ الأَوَّلُ أَو غَيرُ المُثَبَّتِ

قبل ميلاد 1222                         الرِّسالَةُ إِلى سُكَّانِ مَدينَةِ بولونيا

1209-1223                          مُقتَطَفاتٌ مِنَ القانون

1221-1223                          الرِّسالَةُ إِلى خادِمٍ في الرَّهبَنَة

1223                                    القانونُ الثَّاني أَو المُثَبَّتُ

1223-1224                          الرِّسالَةُ إِلى القدِّيسِ أَنطونيوس

أيلول 1224                              تَسابيحُ لله

أيلول 1224                              بَرَكَةٌ للأَخ لِيون

1224-1226                          الرِّسالَةُ إِلى الأَخ لِيون

1225                                    نَشيدُ المَخلوقاتِ

1225                                    نَشيدٌ إِلى السَّـيِّداتِ الفَقيراتِ

1225-1226                          الرِّسالَةُ إِلى كُلِّ الرَّهبَنَةِ

نيسان/أَيَّار 1226                      وَصِيَّةُ سْيِينَا

أَيلول/تشرين الأَوَّل 1226            الوَصِيَّةُ الأَخيرَةُ إِلى القدِّيسَةِ كلارا وأَخَواتِها

أَيلول/تشرين الأَوَّل 1226            بَرَكَةٌ للقدِّيسَة كلارا وأَخَواتِها

أَيلول/تشرين الأَوَّل 1226            وَصِيَّةُ القدِّيسِ فرنسيسَ

أَيلول/تشرين الأَوَّل 1226            المَقْطَعُ الأَخيُر مِنْ نَشيدِ المَخلوقاتِ

أَيلول/تشرين الأَوَّل 1226            الرِّسالَةُ إِلى السَّـيِّدةِ جاكلين

 

تَحِيَّةُ الطُّوباوِيَّةِ مَريَمَ العَذراء

تَحِيَّةُ الفَضائِلِ

تَسابيحُ لِكُلِّ السَّاعاتِ

تَعْليقٌ على الأَبانا

التَّوصِياتُ

الرِّسالَةُ إلى الإِخوَةِ في فَرَنْسا

الرِّسالَةُ إلى القدِّيسَةِ كلارا وأَخَواتِها حَوْلَ الصَّوم

الفَرَحُ الحَقيقيُّ

مَزاميُر القدِّيسِ فرنسيسَ

مُناشَدَةٌ تَسْبيحاً للهِ

 

3. الأُسلوبُ والمُناسَبَة 

 

          الأُسلوب. لَقَدْ قَبِلَ فرنسيسُ كَلِمَةَ اللهِ بِبَساطَةٍ ونَقاوَةٍ، فَنَقَلَ إِلَينا، خَطِّيّاً، اختِبارَهُ هَذِهِ الكَلِمَةَ بالبَساطَةِ والنَّقاوةِ عَيْنِها. تَظهَرُ هذِهِ البَساطَةُ مِنْ خلالِ أُسلوبِهِ، ولغتهِ، والقَواعِد. لغتُهُ اللاَّتينِيَّةُ بَسيطَةٌ جدّاً، مِنْ ناحِيَةِ تَركيبِ الجُمَل. وهوَ يَستعمِلُ الكثيرَ مِنَ الكلماتِ العامِّـيَّة. يَنقُلُ إِلَينا النُّصوصَ الكِتابِيَّةَ بِحُرِّيَّةٍ كَبيرَةٍ، وببراعة. فيَجمَعُ أَحياناً كَلِماتٍ مُبَعثَرَةً في الكِتابِ المُقَدَّسِ، لِيُؤَلِّفَ مِنها نَصّاً جَديداً، كَالمَزاميرِ الَّتي أَلَّفَها. كُلُّ هَذا يُبَرهِنُ عَنْ طَريقَتِهِ البَسيطَةِ في التَّكَلُّمِ مَعَ الشَّعبِ البَسيطِ، بِأُسلوبٍ يَفهَمُهُ الجَميع. فاستِعمالُهُ العامِّـيَّةَ ساعَدَهُ عَلى نَقْلِ كَلِمَةِ اللهِ، مِنَ الأَديارِ الكُبرى، إِلى داخِلِ المُجتَمَع.

 

المُناسَبَة. إِنَّ العالِمَ بُوْل سَابَاتْيِيه، في بَحثِهِ حَولَ حَياةِ فرنسيسَ، لَمْ يَتَوَجَّهْ إلى سِيَرِ فرنسيسَ التَّقليدِيَّةِ، بَلْ إلى كِتاباتِه. فَأَعطى، بِهَذا النَّهجِ، أَساساً ثابِتاً لِكُلِّ بَحثٍ عِلمِيّ. إِكتَشَفَ ساباتْيِيه أَنَّ كُلَّ سَطْرٍ كَتَبَهُ فرنسيسُ أَو أَمْلاهُ، كانَ امتِداداً لِحَدَثٍ مُعَيَّنٍ مِنْ حَياتِه. فَحاوَلَ ساباتْيِيه أَنْ يَرْبِطَ الكِتاباتِ بالمُناسَبَةِ الَّتي جَعَلَتْ هَذِهِ النُّصوصَ تُبصِرُ الحَياة. وذلكَ لأَِنَّ فرنسيسَ لَمْ يُؤَلِّفِ ”الكِتابات“ في مَكتَبِهِ، بَعدَ تَأَمُّلٍ طَويلٍ، إِنَّما أَلَّفَها، وَفْقاً للظُّروفِ والحاجاتِ الحَياتِيَّةِ: تَطَوُّراتِ الأُخُوَّةِ، مُشكِلاتٍ خاصَّةٍ بِبَعضِ الإِخوَةِ، حاجاتٍ مُحَدَّدَةٍ للكَنيسَة… لِذَلِكَ، بِقَدْرِ ما نَعرِفُ ظُروفَ التَّأليفِ، بالقَدْرِ نَفْسِهِ نَفهَمُ النُّصوصَ، ونَكتَشِفُ شَخصِيَّةَ فرنسيسَ بِأَصالَةٍ عَميقَة.

 

4. ثَقافَةُ فرنسيسَ والمَصادِرُ الَّتي استَقى مِنها

 

          يَقولُ لَنا شيلانو إِنَّ فرنسيسَ تَعَلَّمَ القِراءَةَ في كَنيسَةِ القدِّيسِ جاورجيوس[19]، مِنْ دونِ أَيَّةِ تَنشِئَةٍ أُخرى[20]. وهَذا يَتَطابَقُ مَعَ الطَّريقَةِ الَّتي كانَ يَصِفُ ذاتَهُ بِها، أَيْ، ”جاهِلٌ وغَيرُ مُتَعَلِّم“[21]. حَتَّى الكِتاباتُ الَّتي دَوَّنَها بِخَطِّ يَدِهِ تَدُلُّ إِلى خَطِّ إِنسانٍ لا يَمْلِكُ إِلاَّ المَبادِئَ الأَساسِيَّةَ للقِراءَةِ والكِتابَة. يَجِبُ أَلاَّ نُبالِغَ، حَتماً، في هَذا المَوضوعِ، كَما فَعَلَ بَعضُ العُلَماءِ، إِذْ إِنَّ فرنسيسَ، عَندَما دَوَّنَ النَّصَّينِ بِخَطِّ يَدِهِ، كانَ حامِلاً سِماتِ المَسيح. لِذَلِكَ كانَ يَكتُبُ بِصُعوبَةٍ وأَلَمٍ شَديدَين. وما يُمكِنُ تَأكيدُهُ هوَ أنَّهُ تَعَلَّمَ ما كانَ يَكفيهِ لِمُمارَسَةِ مِهنَةِ التِّجارة. وجَديرٌ بالذِّكْرِ أَنَّهُ، في حَياتِهِ الرُّهبانِيَّةِ، تَقَدَّمَ كَثيراً في مَجالِ الكِتابَةِ والقِراءَةِ، خُصوصاً مِنْ خِلالِ صَلاةِ الكَنيسَةِ، والكِتابِ المُقَدَّس[22]. فَكانَتْ هَذِهِ يَنابيعَ استَقى مِنها في كِتاباتِهِ، وهَكذا تَوَصَّلَ إِلى أَنْ يُحَصِّلَ ثَقافَةً مُتَوَسِّطَةً، بالنِّسبةِ إلى أَبناءِ عَصرِهِ، وبيئَتِه[23].

 

اللِّيتورجيا. أَكثَرُ المَصادِرِ الَّتي تَأَثَّرَ بِها هيَ اللِّيتورجيا. فَيُرَدُّ الجِزءُ الأَكبَرُ مِنْ مَعلوماتِهِ الكِتابِيَّةِ، الَّتي حَصَلَ عَلَيها، إلى اللِّيتورجيا. وتَأثيراتُ اللِّيتورجيا جاءَتْ مُتَنَوِّعَةً: صَلَواتُ كِتابِ القُدَّاسِ وكِتابِ الفَرض؛ الأَناشيدُ الأُخرى المُتَنَوِّعَةُ (”المَجدُ للهِ في الأَعالي“، نَشيدُ الفِتيَةِ الثَّلاثَةِ، التَّسابيحُ المختلفةُ،…)؛ الأَنتيفوناتُ (الجُمُعَةُ العَظيمَةُ، ثُمانِيَّةُ الغِطَاسِ)؛ المَزاميرُ؛ مُقَدِّماتُ الصَّلواتِ الإِفخارستِيَّةِ؛ قراءاتُ آباءِ الكنيسة…[24]

 

الكِتابُ المُقَدَّس. كانَ الاِعتِقادُ سائِداً أَنَّ القدِّيسَ فرنسيسَ، الَّذي يَقولُ عَنْ نَفْسِهِ إِنَّهُ أُمِّيٌّ، يَجهَلُ الكِتابَ المُقَدَّس. وهذا خطأ! إِذْ إِنَّ فرنسيسَ تَعَلَّمَ، مِثْلَ كُلِّ أَبناءِ عَصرِهِ، القِراءَةَ في كِتابِ المَزامير. لَقَدْ سَمِعَ قِراءاتِ الكِتابِ المُقَدَّسِ، في القُدَّاسِ، وخِلالَ صَلاةِ الفَرض[25]. وسَمِعَ عِظاتٍ كَثيرَةً مَليئَةً بالاِستِشهاداتِ البيبْلِيَّة. وهوَ يَقولُ عَنْ نَفْسِهِ إِنَّهُ يَعرِفُ الكِتابَ المُقَدَّسَ غَيباً[26]، حَتَّى إِنَّ اللاَّهوتِيِّينَ كانوا يُعجَبونَ بالحُلولِ الَّتي طالَما أَعطاها لِمُشكِلاتِهِم، عَبْرَ تَفسيرِهِ الكِتابَ المُقَدَّس[27]. وكانَ يُفَضِّلُ كَثيراً إِنجيلَ يوحَنَّا: استشهاداتُهُ بِإِنجيلِ يوحَنَّا هيَ أَكثَرُ وأَطوَلُ مِنَ استشهاداتِهِ بالأَناجيلِ الإِزائِيَّة. فَهوَ يُحِبُّ الصُّوَرَ اليوحَنَّاوِيَّةَ: غَسْلَ الأَرجُلِ، الحَمَلَ، الرَّاعيَ الصَّالِحَ، النُّورَ... وآخِرُ قِراءَةٍ، في حَياتِهِ، كانَت مِنْ إِنجيلِ يوحَنَّا. في الفَصلِ الثَّالِثِ والعشرين، مِنَ القانونِ الأَوَّلِ، يَذكُرُ فرنسيسُ القدِّيسَ يوحَنَّا، قَبْلَ بُطرُسَ. لَقَدْ عَرَفَ فرنسيسُ كَيفَ يَضَعُ ثَقافَتَهُ المُتَواضِعَةَ في خِدْمَةِ كَلِمَةِ الله. لا بَلْ، يُمكِنُ القَولُ، بِأَنَّ ثَقافَتَهُ تَغَيَّرَتْ كَثيراً بِفَضلِ قِراءَتِهِ لِكَلامِ الرَّبِّ، وتَأَمُّلِهِ فيه[28].

 

5. كِتاباتُ فرنسيسَ، رِسالَةٌ روحِيَّةٌ لِكُلِّ الأَجيال[29]

 

          لَقَدْ تَرَكَ فرنسيسُ رِسالَةً روحِيَّةً لأَِبناءِ عَصرِهِ، أَوَّلاً، ومِنْ ثَمَّ لِكُلِّ الأَجيال. وفي هَذِهِ الرِّسالَةِ الرّوحِيَّةِ، الَّتي نَجِدُها في الكِتاباتِ، لا يُقَدِّمُ ذاتَهُ مِثالاً يُقتَدى بِهِ، كَما يَفعَلُ كاتِبو سِيَرِ حَياتِهِ، بَلْ يَرسُمُ طَريقاً أَساسُهُ الإِنجيلُ، وهَدَفُهُ كُلُّ مؤمِن. لِذَلِكَ فَإِنَّ قيمَةَ هَذِهِ الكِتاباتِ لا تُثَمَّنُ، لأَِنَّها تُدْخِلُنا صُلْبَ الرُّوحانِيَّةِ الفَرَنْسيسِيَّةِ، وتُظهِرُ للإِنسانِ وجْهَهُ الخاصَّ، ووَجْهَ اللهِ البَهيَّ، وتدعوهُ إلى السَّيْرِ وراءَ المَسيحِ، في الفَقرِ، والفَرَحِ الدَّاخِليّ.

 

الآب. مَصْدَرُ الأَشياءِ كُلِّها، ومِحْوَرُها هوَ اللهُ، الَّذي ”لا نَستَحِقُّ أَنْ نَذْكُرَ اسمَهُ“[30]. فرنسيسُ يُعطيهِ سِتَّةً وثَمانينَ اسماً، ومُعْظَمُ هَذِهِ الأَسماءِ يَدُلُّ عَلى سُمُوِّ الله[31]. واللهُ نَفْسُهُ هوَ آبٌ، وهوَ خُصوصاً، كَما يُحِبُّ أَنْ يُرَدِّدَ فرنسيسُ: الخَيْر. والآبُ هوَ الَّذي يأخُذُ المُبادَرَةَ في الأَعمالِ الخَلاصِيَّةِ: كُلُّ شَيءٍ يأتي مِنْهُ، وكُلُّ بَحثٍ بَشَرِيٍّ يَجِدُ فيهِ تَمامَهُ. إِنَّ مُعظَمَ صَلَواتِ فرنسيسَ[32] مُوَجَّهَةٌ إِلى اللهِ الآب. حَتَّى في الصَّلاةِ أَمامَ المَصلوب، والتَّسابيحُ للهِ الَّتي ألَّفَها، بَعدَ حُصولِهِ عَلى سِماتِ يَسوعَ، فَهوَ يَتَوَجَّهُ بِها مُباشَرَةً إلى الآب.

 

يَسوعُ المَسيح. يَنظُرُ فرنسيسُ إلى لاهوتِ يَسوعَ أَكثَرَ مِنْهُ إِلى ناسوتِه. فَهوَ: العَلِيُّ[33]؛ رَبُّ الكَونِ، أَللهُ، وابنُ اللهِ[34]؛ كَلِمَةُ الآبِ، الجَزيلُ الكَرامَةِ والجَزيلُ القَداسَةِ والتَّمْجيد[35]… عِندَما يَتَكَلَّمُ فرنسيسُ عَلى ناسوتِ يَسوعَ فَهوَ يُشَدِّدُ خُصوصاً عَلى حَقيقَةِ التَّجَسُّدِ، وعلى الخَلاصِ النَّاتِجِ مِنَ الآلامِ، والصَّليبِ، والدَّمِ، والمَوتِ: تَواضُعُ التَّجَسُّدِ، وحُبُّ الفِداءِ، وهُما قُطبانِ مِنْ حَياةِ يَسوعَ، يُحِبُّهما فرنسيسُ كَثيراً، بِالإِضافَةِ إِلى اختِيارِ يَسوعَ الفَقر[36]. يُحِبُّ فرنسيسُ، أَيضاً، صُورَةَ يَسوعَ في المَجدِ السَّماويِّ، وهوَ آتٍ لِيَدينَ العالَم[37]. بَعدَ صُعودِهِ إِلى السَّماءِ، ظَلَّ يَسوعُ حاضِراً مَعَنا بِطَريقَةٍ مَلموسَةٍ، مِنْ خِلالِ جَسَدِهِ، ودَمِهِ، ومِنْ خِلالِ كَلِمَتِه[38]. مُعْظَمُ صَلَواتِهِ غَيرُ مَوَجَّهَةٍ لِيَسوعَ مُباشَرَةً. فَفرنسيسُ لا يَنظُرُ أَبَداً إِلى الابنِ مِنْ دونِ الآب. يَبدو هَذا التَّوازُنُ بَينَ البُعدَينِ، الثَّالوثيِّ والخريستولوجيِّ، واضِحاً جدّاً في التَّوصيةِ الأُولى، وفي ”الصَّلاةِ الإفخارستِيَّةِ“ الكُبرى[39].

 

الرُّوحُ البارَقليط. الرُّوحُ القُدُسُ مَوجودٌ، في كِتاباتِ فرنسيسَ، حَيثُ يُذْكَرُ سِرُّ اللهِ: إِنَّهُ يُشارِكُ في كُلِّ الأَعمالِ الإِلَهيَّةِ، ويَسكُبُ بَرَكَتَهُ في كُلِّ مَكانٍ، وهوَ وحدَهُ يَكشِفُ الاِبنَ والآبَ، ويُمَكِّنُنا مِنَ الاِعتِرافِ بِأَنَّ يَسوعَ هوَ الرَّبُّ، ومِنَ الحُصولِ عَلى جَسَدِ يَسوعَ ودَمِهِ، روحيّاً[40]. بالنِّسبةِ إِلى فرنسيس، مَعرِفَةُ سِرِّ اللهِ هيَ دائِرِيَّةٌ: الآبُ، الَّذي لا يَقدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَدعوَهُ، يَكشِفُهُ الاِبنُ لَنا، وبِدَورِهِ يَكشِفُ الرُّوحُ الاِبن. وفي اعتِقادِ فرنسيسَ، أَنَّ هَذا هوَ الطَّريقُ الَّذي يَقودُنا إلى مَعرِفَةِ الله.

 

مَريَم. يَنظُرُ فرنسيسُ إلى اللهِ، وهوَ يعملُ في التَّاريخِ، مُتَمِّماً مُخَطََّطَهُ الخَلاصيّ[41]. وفي عَمَلِ اللهِ الخَلاصيِّ، تأخذُ مريمُ مكاناً مُهِمّاً[42]. فَهيَ مَسْكِنُ اللهِ، حَيثُ مِلءُ النِّعمَةِ، وكُلُّ صَلاحٍ، وهيَ ابنَةُ الآبِ وأَمَتُهُ، وأُمُّ الاِبنِ، وعَروسُ الرُّوحِ القُدُسِ، الَّتي تُصَلِّي مِنْ أَجلِنا، لَدَى ابنِها الحَبيب[43].

 

          الكَنيسَة. في الكَنيسَةِ، يُتابِعُ اللهُ عَمَلَهُ الخَلاصيّ. فَهيَ، مِثْلُ يَسوعَ، نورٌ، ونِعمَةُ تَقديس. وهيَ مَكانُ الإِيمانِ، والتَّوبَةِ الإِنجيلِيَّةِ، مَكانُ حُضورِ ابنِ اللهِ، بِواسطةِ الإِفخارستِيَّا، والكَلِمَةِ، وهيَ مِعْيارُ الإِيمانِ الصَّحيح[44]. لا يَفْصِلُ فرنسيسُ الإِيمانَ عَنِ السُّلطَةِ الكَنَسِيَّةِ أَو عَنِ الأَسرار. كانَ يَكُنُّ احتِراماً كَبيراً للبابا، والأَساقِفَةِ، والكَهَنَةِ، والوُعَّاظ. والإِيمانُ بالأَسرارِ كانَ أَحَدَ الشُّروطِ المَفروضَةِ عَلى الطُّلاَّبِ الرَّاغِبينَ في دُخولِ الرَّهبَنَة. فَتَعَلُّقُهُ بالسُّلطَةِ الكَنَسِيَّةِ، وبالأَسرار، كانَ يُمَيِّزُهُ مِنَ الهَرطَقاتِ السَّائِدَةِ في ذَلِكَ الزَّمَن. بالنِّسبَةِ إِلى فرنسيسَ، للكَنيسَةِ وجْهان: وجْهٌ روحِيٌّ، ووَجْهٌ بَشَريّ. روحِيٌّ، لأَنَّ المَسيحَ أَسَّسَها، وهيَ تُتابِعُ حُضورَهُ عَلى الأَرضِ؛ بَشَرِيٌّ، لأَنَّها تَضُمُّ خَطَأَة. لَكِنَّ نَقائِصَ البَشَرِ لا تَمنَعُ فرنسيسَ مِنَ الإِيمانِ بِقيمَةِ الكَنيسَةِ الرُّوحِيَّة. فَالكَنيسَةُ هيَ عَروسٌ غَيرُ أَمينَةٍ، لَكِنَّها تائِبَةٌ، يُحِبُّها اللهُ وفرنسيس.

 

مَسيرَةُ الإِنسانِ نَحوَ الله. يَعتَقِدُ بَعضُهُم أَنَّ نِظْرَةَ فرنسيسَ إلى الإِنسانِ مُتَفائِلَةٌ، إِنَّما هيَ، في البدايةِ، نِظْرَةٌ متشائمةٌ: يُشَدِّدُ فرنسيسُ، بِلا شَفَقَةٍ، عَلى شَرِّ الإِنسان. لَقَدْ خُلِقَ الإِنسانُ، وكُوِّنَ عَلى صُورَةِ ابنِ اللهِ، لَكِنَّهُ، بِخَطيئَتِهِ، سَقَطَ، وشَوَّهَ صورَتَهُ هَذِهِ أَمامَ اللهِ، وباتَ لا يَمْلِكُ إِلاَّ خَطاياهُ، ورَذائِلَه[45]. وسَبَبُ كُلِّ الشُّرورِ، لَيسَ الشَّيطانُ أَوِ القَريبُ، إِنَّما، بِحَسَبِ كَلِمَةِ الإِنجيلِ، قَلبُ الإِنسان[46]. للدَّلالَةِ عَلى بؤسِ الإِنسانِ، يَستَعمِلُ فرنسيسُ كَلِماتٍ قاسِيَةً جدّاً: ”نَحنُ البائِسونَ والأَشقياءُ، المُتَعَفِّنونَ والنَّتِنونَ، ناكِرو الجَميلِ، والأَشرارُ“[47]. وأَكبَرُ تَجرِبَةٍ للإِنسانِ هيَ أَنْ يَنسِبَ إلى نَفْسِهِ الخَيْرَ الَّذي أَنعَمَ بِه ِالرَّبُّ عليه[48]. فَنِظْرَةُ فرنسيسَ إلى الإنسانِ واضِحَةٌ جدّاً، لا مُحاباةَ فيها. إِنَّها نِظْرَةٌ بُولُسِيَّةٌ، وأُوغوسطينِيَّةٌ، لَمْ نَأْلَفْها.

إِذا كانَ هَذا هوَ وضْعُ الإِنسانِ، فَأَيُّ طَريقٍ يَجِبُ أَنْ يَسْلُكَ؟ إنَّه، حَتماً، طَريقُ التَّوبَةِ، أَيِ اهتِداءُ القَلبِ، الَّذي يُحْدِثُ تَحَوُّلاً جَذرِيّاً. والتَّوبَةُ هيَ الفَقرُ التَّامُّ: أَيْ أَنْ أُعيدَ إلى اللهِ كُلَّ خَيرٍ، وأَنْ أَقْبَلَ، بِصَبرٍ، ضُعفي. فَطَريقي إِلى اللهِ تَكونُ بِاقتِفائي آثارَ يَسوعَ المَسيحَ، مِنْ خِلالِ الإِصغاءِ إلى كَلِمَةِ الإنجيلِ، وعَيْشِها في الحياةِ اليَومِيَّة. حينَئِذٍ تَنتَصِرُ نِعمَةُ اللهِ ورَحمَتُهُ عَلى فَقرِ الإِنسانِ: ”يَستَقِرُّ روحُ الرَّبِّ عَلَيهِم، ويَجْعَلُ فيهِم مَقامَهُ، ومَسْكِنَهُ. وسَيَكونونَ أَبناءَ الآبِ السَّماويِّ، الَّذي يَعْمَلونَ أَعمالَه. وهُم عَرائِسُ رَبِّنا يَسوعَ المَسيحِ، وإِخْوَتُهُ، وأُمَّهاتُه“[49]. إِذا كانَتِ النِّظْرَةُ الأُولى لِفرنسيسَ إلى الإِنسانِ نِظْرَةً قاتِمَةً ومُتَشائِمَةً، فَهْوَ يؤمِنُ، بِالرُّغْمِ من ذَلِكَ، بِأَنَّ اللهَ سَوْفَ يُخلِّصُنا بِفِعْلِ رَحْمَتِهِ اللاَّمُتَناهِيَة: فالفَرْقُ كَبيرٌ بينَ بؤسِ الإِنسانِ ومَحَبَّةِ اللهِ، وخَلاصِهِ غَيْرِ المَشروط. عِنْدَما يَقْبَلُُُ الإِنسانُ فَقرَه، ويَعْتَرفُ بِأَنَّ كُلَّ خَيْرٍ يَأْتي مِنَ الله، ويَجِبُ أَنْ يُعيدَهُ إِلَيهِ، عِندَئِذٍ يُصبِحُ حُرّاً وفَرِحاً. ويكونُ الإنسانُ كَبيراً عِندَما يُقِرُّ بِفَقرِهِ المُطْلَقِ، ويَجْعَلُ اللهَ، الَّذي هوَ كُلُّ الخَيرِ، يَمْلأُهُ بِغِناه.

 

 

التالى

 

الرهبان الفرنسيسكان بمصر
نريد أن نكون شهودا للفرح
الآن